يَشُوقُكَ تَوخِيدُ الجِمَالِ القَنَاعِسِ

البحتري

يَشُوقُكَ تَوخِيدُ الجِمَالِ القَنَاعِسِ

بأمثالِ غِزْلاَن الصّرِيمِ الكوانِسِ

بِبِيضٍ، أضَاءَتْ في الخُدُورِ كأنّها

نجُومُ دُجًى جَلّتْ سَوَادَ الحَنَادِسِ

صَدَدْنَ بصَحرَاءِ الأرِيكِ، وَرُبّما

وَصَلْنَ بأحْنَاءِ الدَّخُولِ فَرَاكِسِ

ظِبَاءٌ ثَنَاهَا الشَّيْبُ وَحشاً، وَقد تُرَى

لرَيْعِ الشّبابِ، وَهْيَ جِدُّ أوَانِسِ

إذا هِجْنَ وَسْوَاسَ الحُليّ تَوَلّعَتْ

بِنَا أرْيحِيّاتُ الجَوَى والوَساوِسِ

وَمِنْهُنَّ مَشغُولٌ بهِ الطّرْفُ هارِبٌ

بعَيْنَيْهِ مِنْ لحظِ المُحِبّ المُخَالِسِ

يُخَبِّرُ عَنْ غُصْنٍ مِنَ البَانِ مائدٍ،

إذا اهتَزّ في ضَرْبٍ من الدَّلّ مائسِ

عَذيريَ مِنْ رَجْعِ الهُمُومِ الهَوَاجِسِ،

وَمِنْ مَنْزِلٍ للعَامِرِيّةِ دارِسِ

وَلَوْعَةِ مُشَتَاقٍ تَبِيتُ كأنّها

إذا اضْطَرَمَتْ في الصّدْرِ شُعلةُ قابسِ

لِيَهْنىءْ بَنِي يزداد أنّ أكُفّهُمْ

خَلائِفُ أنْوَاءِ السّحابِ الرّوَاجِسِ

ذَوُو الحَسَبِ الزّاكِي المُنِيفِ عُلُوُّهُ

على النّاسِ والبَيتِ القَدِيمِ القُدَامِسِ

إذا رَكِبُوا زَادُوا المَوَاكِبَ بَهجَةً،

وإنْ جَلَسُوا كانُوا بُدورَ المَجالسِ

بَنو الأبحُرِ المَسجُورَةِ الفَيضِ والظُّبَى الـ

ـقَواضِبِ عُتْقاً، والأُسُودِ العَنَابِسِ

لَهُمْ مُنْتَمًى في هَاشِمٍ بوَلائِهِمْ،

يُوَازِي عُلاهُمْ في أرُومَةِ فارِسِ

وأقْلاَمُ كُتّابٍ، إذا ما نَصَصْتَها

إلى نَسَبٍ، كانَتْ رِمَاحَ فَوَارِسِ

يَرَوْنَ لعَبْدِ الله فَضْلَ مَهَابَةٍ،

تُطأطىءُ لحظَ الأبْلَخِ المُتَشَاوِسِ

لَنِعْمَ ذُرَى الآمَالِ يَتْبَعْنَ ظِلّهُ،

وَوِرْدُ مَحَلاّةِ الظّنُونِ الخَوَامِسِ

مُلُوكٌ وسَادَاتٌ عِظَامٌ جُدودُهُمْ

وأَخْوَالُهُ من أَمْجدِين أَشَاوِسِ

بِهِمْ تُجْتَلَى الطَّخْيَاءُ عن كل حِنْدِسٍ

وَأوْجُهُمْ مِثْلُ الْبُدورِ القَوَابِسِ

تُرَدُّ شَذَاةُ الدّهْرِ مِنْهُ بمُسرِعٍ

إلى المَجْدِ لا الوَاني ولا المُتَقَاعِسِ

بأبلَجَ ضَحّاكٍ إلَيْنا بِما انْطَوَتْ،

عَلى مَنْعِهِ، كُلْحُ الوُجُوهِ العَوَابِسِ

وَمُسْتَحصَدِ التّدبيرِ، للفَيءِ جامعٍ،

وَللدّينِ مُحتاطٍ، وَللمُلْكِ حارِسِ

يُجاري أباً سَاسَ الخِلاَفَةَ دَهْرَهُ،

برأيٍ مُعَانٍ للأُمُورِ، مُمَارِسِ

وَلَيس يُلَقّى الحَزْمَ إلاّ ابنُ حازِمٍ،

وَليسَ يَسُوسُ النّاسَ إلاّ ابنُ سائِسِ

يُخَلّي الرّجالُ مَجدَكُم لا تَرُومُهُ،

وَهُمْ نَابِهُو الأخطارِ شُمُّ المَعَاطِسِ

وَلَمْ أرَ مثلَ المَجدِ ضَنّتْ بغَيرِهِ،

وَجَادتْ بهِ نَفسُ الحَسُودِ المُنافِسِ

وَلا كالعَطايا يُشرِفُ النّجمَ ما بَنَتْ،

وَهُنّ مَنَالٌ للأكُفّ اللّوامِسِ

أبَا صَالِحٍ إنّ المَحَامِدَ تَلتَقي

بساحةِ رَحبٍ، مِن فَنَائِكَ آنِسِ

بحَيْثُ الثّرَى رَطْبٌ يَرُفُّ نَبَاتُهُ

رَفيفاً، وَعَهْدُ الدّهْرِ لَيسَ بخائِسِ

تَقَيّلْتَ مِنْ أخلاقِ يَزْدادَ أنجُماً،

تَوَقَّدُ في داجٍ منَ اللّيلِ، دامسِ

وما بَرِحَتْ تُدْني نَجاحاً لآمِلٍ

مُرَجٍّ، وتَسْتَدعي رَجاءً لآيِسِ

وَكَانَ عَطاءُ الله قَبْلَكَ كاسمِهِ

لِعَافٍ ضَرِيكٍ، أوْ لأسْيانَ بائِسِ

فِداؤكَ أبْنَاءُ الخُمُولِ، إذا هُمُ

ألامُوا، وأرْبَابُ الخِلالِ الخَسائِسِ

وإنْ كُنتَ قَد أخّرْتَ ذِكْرَ مَعونتي،

وألغَيْتَ رَسمي في الرّسومِ الدّوَارِسِ