عدلي يكن

علي محمود طه

وقفة بالشّواطئ المحزونه

يذكر النّيل دمعه و شجونه

ودّ حوّلوا إلى السّين مجرا

ه و بثّوا على الطّريق غيونه

و مشى الشّهيد للوطن الثّا

كل بحرا من الدّموع الهتونه

دنت الدّار يا سفينة إلاّ

شاطئ حالت المنيّة دونه

فاهدئي في ضفاف مصر و قرّي

آن لليث أن يحلّ عرينه

قربّي من أديمها هيكل الحقّ

تضمّ الصّدر الذي تحملينه

لحظة يشتكي المتيّم فيها

لوعة البين أو يبثّ حنينه

و لك الله يا شواطئ فيمن

كنت في كلّ موكب ترقبينه

ذهبت بسمة الثّغور و حالت

لمحات الطّوالع الميمونه

ما عرفت السّفين من عهد نافا

رين غير المجلّلات الحزينه

خرجت منك ليلة البحر غرّا

ء عليها من المنى ألف زينه

ثمّ آبت إليك منكوسة الصّو

ر يئنّ الجريح فيها أنينه

فسلي البحر هل غدا لك أو را

ح بطيف من الفتوح المبينه

ما شهدت الأيّام غير سواد

يشفق النّجم أن يشقّ دجونه

كلّ يوم تستقبلين شهيدا

ذاق في وحشة الغريب منونه

أو طريدا وراء بحر تحامى

أن يرى مصر في الحديد سجينه

فاذكري الآن يا شواطئ عينا

شيّعت بالبكاء كلّ سفينه

و احملي الوافد الكريم حنانا

و الثّمى ثغره و حيّ جبينه

و إذا ضقت بالأسى فاستمدي النّـ

ـوح من كلّ قرية و مدينه

سائلي الرّيح أن تضجّ عويلا

و سلي البحر أن يجنّ جنونه

ذاك وادي البكا، و ما بعجيب

أن يرى النّاس في البكاء فنونه!

يا شهيد الأحرار لا كان يوم

كم تمنّى في الغيب ألاّ يكونه

فزع النّيل بالظّنون إليه

فتحدى رجاءه و ظنونه

كلّ جرح أسأل جرحك حتّى

رسفت مصر في الجراح الثّخينة

لو تلفتّ خلف نعشك يا عد

لي لراعتك أمّة مسكينه

كنت أهلا لبرّها و هواها

و هي كانت بمن تحبّ ضنينه ّ!

كيف لا تستقلّ في حقّك الدّمـ

ـع و لا ترخص الدّموع الثّمينه؟

ما بكاء على الذي تخذ الأو

طان دنياه في الحيّاة و دينه؟

ما بكاء على الذي حبس القلـ

ـب عليها، و جيبه، و سكونه؟

ما بكاء عليه لو كان يفدى

كنت يا مصر برّة تفتدينه!!

يل رسول السّلام في كل حين

فقدت مصر و حيه و أمينه

ذكر النّاس فيك أيّام سعد

فبكوا رحمة لما يذكرونه

و تناجو بذكر ثروت حتى

رجعوا الأمس و استعادوا شؤونه

عرضوا الذّكريات فاهتجن فيهم

كامن الحزن و الهموم الدّفينه

دنت بالنّبل و الوداعة قلبا

عجز البطش و الأذى أن يلينه

عقدت كفّه بكفّك عهدا

يتمنّى العدوّ ألاّ تصونه

و تعانقتما و ما كنت إلاّ

عون سعد و إلفه و خدينه !

يا نصير الحقوق آثرت حقا

كلّ نفس بما قضاه رهينه

فنم الآن في ثرى مصر و انزل

منزل الحبّ و الهدى و السّكينه

لم يمت من حديثه يملأ الوا

دي و يطوي سهوله و حزونه

تأخذ الظّالمين صيحته الكبـ

ـرى و تستعذب السّماء رنينه !