للمأساة آخر

سليمان العيسى

 

من أين نحن ؟ تلعثمت

بحروفها شفتا صغيري

وتعلّقت عينان وا

دعتان بالصمت المرير

تستنطقان شروديَ

القتّال عن سرٍّ كبيرِ

من أين نحن؟ وغام في

عينيّ جرحٌ كالسعير

وضممتُ طفلي ، والسؤال ،

وبسمةً عصرت شعوري

كفّنْتُ خلف بريقها

عشرين مفجعةَ السطور

عشرين من عُمُر القتيل ،

بلى ، ومن دامي المصير

من أين ؟ قصة ثورةٍ

طاشت على ثغرٍ غريرِ

أتريدها ؟ مأساة تر

بتكٍ الشهيدة يا صغيري !

مَنْْ أشعلَ الصدر البريءَ ،

وهزّ في دمك السؤالا !

أتريد قصتك الخضيبة ،

لا رُوَاءَ ولا خيالا ؟

في كل عامٍ وقفةٌ

نتحسس الذكرى ظلالا

نتفقد الجرح الدفين ،

ونستقي منه النضالا

لا ترهقِ الصدر البريء ،

وخلِّها غصصاً طوالا

مزقاً مفجَّعةً على

نَبَرات قافيةٍ تَوالى

من أين نحن ؟ أأستعيرُ

البسمةَ الثكلى مقالا !

وأجيبُ تمتمةَ الصغير ،

وأنفض الجمر اشتعالا !

سيظل جرحى في الشمال ،

يصوغ في لهَبي الشمالا

إنّا من البلد القتيل ،

من الجراح ، من الرعودِ

من صخرةٍ عثر الشهيدُ

وراءها بدم الشهيد

من ربوةٍ خضراءَ رَقْـ

ـرقتِ الألوهةَ في نشيدِ

من ضلْع شلالٍ يقصّ

على الدنى قصص الخلودِ

من ألف ساقيةٍ توشوشُ

وهي سكرى في قصيدي

إنا ترابٌ يا صغيري

ظامئ خلف الحدودِ

داري هناكَ وخيمتي

تتمردان على السجودِ

عربيتان أكاد أنشَقُ

فيهما عبقَ الصمودِ

موّارتان بأغنيات

البعث ، والفجر الوليد

إنا خيوطُ الدفقةِ

الأولى إذا شمَخ النهارُ

وانداح في أرض العرو

بة عاصفٌ ، وزها انتصار

من ضفة العاصي ، من

الشلال غيّضَه الدمارُ

من "دفنةٍ" وهضابُها

صمتٌ وشوق ، وانتظارُ

من شاطئٍ أمواجه

مُضَرٌ وصخرتُهُ نزار

ولدت رؤى الوطن الكبير ،

وأرضعَ الحُلُمَ الصغارُ

من أين ؟ لا تسأل أباك ،

طريقنا شوكٌ ونارُ

تدري غداً ، لم ينته

الشوط المرير ولا السفار

عند المحيط ، على الخليج ،

يقرّ للركب القرارُ

تدري غداً يا معن كيف

تمزّقت هذي البلادُ !

كيف استبحُ مهادكَ

العربي ، واغتصب المهاد

كيف ارتمى عَلَم العروبة*

كي يجلّله الحدادُ

كم لفّه جسدٌ بخلجته

وفدّاهُ سوادُ

وتناثرت مزَقُ الرصاص

وشق زحمتها عناد

وحنا الشهيد عليه ،

وانتصر "الذئاب" كما أرادوا

واستلم البلد القتيلُ ،

ولملم الجرحَ الجهاد

ومشى على نعش "اللواء"

عصابةٌ حكموا وسادوا

تدري غداً ، كم "ناضلَ"

الأجراءُ في وطني و "ذادوا"!

قدري ، ويعرف جيلُكَ

الوضّاء أي دجىً رهيبِ !

نُحرت بعتمته الضحيةُ

فهي شدْوٌ في النيوب

والثائرون براعم ،

زُغْبٌ تتيه على الدوربِ

يا للجريمة في الشمالِ ،

وللفجيعة في الجنوبِ !

لم ننطفئْ .. يا معن ..

شعلةُ أمتي فوق الخطوبِ

لم ننطفئ .. كذبَ الغروبُ ،

ومن يَعَضّ على الغروب

إسمعْ هديرَ العائدين

يهزُّ أضلاعَ الغيوب

ويفجّر التاريخ ملحمةً ،

ودفْقَ سناً وطيبِ

عدنا.. لنمحوَ من حياةِ

الشمس كارثة المغيبِ

إسمَعْ على قمم الكفاحِ ،

يهزُّها نجداً فنجدا

صوتٌ كعطشان اللهيبِ

على الهشيم انداح وقدا

تحنو الملايين العطاشَ ،

فترتوي بأساً ومجداً

ويُحيلها لندائه

قلباً وحنجرةً وزندا

عملاقُكَ العربي .. آمنّا

بماردنا المفدّى

بالأسمر الحادي .. وودّ

الصبحُ قافلةً لِتُحْدى

بمجسّدِ التاريخ أغنيةً ،

بشعبٍ ذاب فردا

إنا لهَاتُكَ يا جمال ،

فأترعِ الصحراء رعدا

واهدم بنا سدّاً على

رأس الطغاةِ ومُدّ سدا

عند المحيط ، على الخليج ،

تَقَرّ صيحتنا وتهدا

إنّا يمينكَ في اللواءِ ،

وفي عُمَانَ ، وفي الجزائرْ

في كل مَيْدانٍ تنفّسَ

فيه ثائرةٌ وثائرْ

في كل رابيةٍ تُكَحّلُ

بالغَد العطرِ المحاجرْ

تُغْفي الرمال على رؤاكَ ،

وتستفيق على البشائرْ

وتعيش في دمنا .. وخلّ

الليل يبتدعُ الستائرْ

دنيا العروبة محْجُرٌ

بك شدَّه قدرٌ ، وناظرْ

بغداد قلعتُنا .. وطيفٌ

موكبُ الهجناءِ عابرْ

والأطلسيّ قصيدةٌ

عربية بلَهَاةِ شاعرْ

من أين ؟ رُدّ على صغيري ،

فالسؤالُ الحلو قاهرْ

ألموعد الجبار وحدتُنا ،

وللمأساةِ آخرْ !

____________

* اشارة إلى انزال العلم السوري – آنذاك – في مدينة انطاكية يوم تسليم اللواء.