يا بعدَ غاية ِ العينِ إنْ بعدوا

أبو تمام

يا بعدَ غاية ِ العينِ إنْ بعدوا

هيَ الصبابة ُ طولَ الدهرِ والسهدُ

قالُوا: الرَّحيلُ غداً لاشَكَّ، قُلْتُ لَهُمْ

اليوْمَ أيقَنْتُ أنَّ اسْمَ الْحِمامِ غَدُ

كَمْ مِن دَمٍ يُعْجِزُ الْجيْشَ اللُّهَامَ إِذَا

بانوا ستحكمُ فيهِ العرمسُ الاجدُ

ما لامرىء ٍ خاضَ في بحرِ الهوى عمرٌ

إلاَّ ولِلْبَيْنِ مِنْهُ السَّهْلُ والْجَلَدُ

كأنَّما البيْنُ مِنْ إِلْحَاحِهِ أَبَداً

على النُّفُوسِ أَخٌ لِلْموْتِ أَوْ وَلَدُ

تَدَاوَ مِنْ شَوْقِكَ الأَقْصَى بما فَعَلَتْ

خَيْلُ ابنِ يُوسُفَ والأبطالُ تَطَّردُ

ذاكَ السرورُ الذي آلتْ بشاشتهُ

أَلاَّ يجَاورَهَا في مُهْجَة ٍ كَمَدُ

لَقِيتَهُمْ والمَنَايَا غَيْرُ دَافِعَة ٍ

لما أمرتَ بهِ والملتقى كبدُ

في مَوْقِفٍ وَقَف الْمَوْتُ الزُّعَافُ بهِ

فالْمَوْتُ يُوجَدُ والأَرْوَاحُ تُفْتَقَدُ

في حَيْثُ لا مَرْتَعُ البِيضِ الرقاقِ إذا

أصلتنَ جدبٌ ولا وردُ القنا ثمدُ

مُسْتَصْحِباً نِيَّة ً قد طَالَ ما ضَمِنَتْ

لكَ الخطوبَ فأوفتْ بالذي تعدُ

ورُحْبَ صَدْرِ لَو أنَّ الأَرْضَ وَاسِعَة ٌ

كَوُسْعِهِ لم يَضِقْ عن أَهْلِهَا بَلَدُ

صدعتَ جريتهمْ في عصبة ٍ قللٍ

قدْ صَرَّحَ الماءُ عَنها وانجلى الزَّبَدُ

مِنْ كل أَرْوَعَ تَرْتَاعُ المنونُ لَهُ

إذا تجردَ لا نكسٌ ولا جحدُ

يكادُ حينَ يلاقي القرن منْ حنقٍ

قبْل السنَانِ عَلَى حَوبَائِهِ يَرِدُ

قَلُّوا، ولكنَّهْمْ طَابُوا، فأَنْجَدَهُمْ

جَيْشُ مِنَ الصَّبْرِ لا يُحصَى لَهُ عَدَدُ

إذا رأوا للمنايا عارضاً لبسوا

مِنَ الْيَقينِ دُرُوعاً مالَها زرَدُ

نأوا عن المصرخِ الأدنى ، فليسَ لهمْ

إلا السيوفَ على أعدائهمْ مددُ

وَلَّى مُعَاوِيَة ٌ عَنْهمْ وقدْ حَكمت

فيه القَنَا، فأَبَى الْمِقْدَارُ والأَمَدُ

نَجَّاكَ في الرَّوْعِ مَا نَجَّى سَمِيَّكَ في

صِفينَ والْخَيْلُ بالْفُرْسَانِ تنجَرِدُ

إن تنفلتْ وأنوفُ الموتِ راغمة ً

فاذهبْ فأنتَ طليقُ الركضِ يا لبدُ

لاخَلْقَ أرْبَطُ جَأْشاً مِنْكَ يَوْم تَرى

أبا سعيدٍ ولم يبطش بكَ الزؤدُ

أمَا وقدْ عِشْتَ يَوْماً بَعْدَ رُؤْيَتِه

فافخَرْ فإنَّكَ أنت الفارِسُ النَّجُدُ

لوْ عاينَ الأسدُ الضرغامُ رؤيتهُ

ما ليمَ أن ظنَّ رعباً أنهُ الأسدُ

شتانَ بينهما في كلِّ نازلة ٍ

نَهْجُ القَضَاءِ مُبينٌ فيهما جَدَدُ

هَذَا عَلى كَتِفَيْهِ كُل نازِلَة ٍ

تُخشَى ، وذَاكَ على أَكْتَافِهِ اللبَدُ

أعيا عليَّ وما أعيا بمشكلة ٍ

بسندبايا ويومُ الروعِ محتشدُ

منْ كانَ أنكأَ حداً في كتائبهمْ

أأنتَ أمْ سيفكَ الماضي أم الأحدُ؟

لا يومَ أكثرُ منهُ منظراً حسناً

والْمَشرَفيَّة ُ في هَامَاتِهمْ تخِدُ

أنهَبْتَ أَرْواحَهُ الأرْمَاحَ إذْ شُرِعَتْ

فَما تُرَدُّ لِرَيْبِ الدَّهْرِ عَنْهُ يَدُ

كأنها وهيَ في الأوداجِ والغة ٌ

وفي الكلى تجدُ الغيظ الذي نجدُ

مِنْ كل أزرَقَ نَظَّارٍ بِلا نظرٍ

إلى المقاتل ما في متنهِ أودُ

كأنَّهُ كان تِرْبَ الْحُب مُذْ زَمَنٍ

فليسَ يعجزهُ قلبٌ ولا كبدُ

تركتَ منهم سبيلَ النارِ سابلة ً

في كل يومٍ إليها عصبة ٌ تفدُ

كأنَّ بابك بالبذينِ بعدهمُ

نُؤيٌ أقامَ خِلافَ الْحَي أوْ وَتِدُ

بكل مُنعَرَجٍ مِنْ فارِسٍ بَطَلس

لما غدا مظلمَ الأحشاءِ منْ أشرٍ

أسكَنت جانحَتَيْهِ كَوْكباً يَقِدُ

وهَارِبٍ ودخيلُ الروْعِ يَجْلُبُهُ

إلى المنونِ كما يستجلبُ النقدُ

كأنَّما نَفسُهُ مِن طولِ حَيْرَتِها

منها على نفسهِ يومَ الوغى رصدُ

تالله ندري : أألإسلامُ يشكرها

مِن وقعة ٍ أَمْ العبَّاس أَمْ أُدَدُ

يَوْمٌ به أخَذَ الإسلامُ زينَتَهُ

بِأَسْرِهَا واكتسَى فَخْراً به الأبَدُ

يومٌ يجيُ إذا قام الحسابُ ولمْ

يذممهُ بدرٌ ولم يفضحْ به أحدُ

وأهلُ موقانَ إذْ ماقوا فلا وزرٌ

أنجاهمُ منكَ في الهيجا ولا سندُ

لمْ تبقَ مشركة ٌ إلاَّ وقدْ علمتْ

إن لم تتبْ أنهُ للسيف ما تلدُ

وَالبَبْرُ حِينَ اطْلَخَمَّ الأَمْرُ صبَّحهُمْ

قَطْرٌ مِنَ الْحَرْبِ لَمَّا جَاءَهُمْ خَمدُوا

كادَت تُحَلُّ طُلاَهُمْ مِنْ جَماجمهمْ

لوْ لمْ يحلوا ببذلِ الحكمِ ما عقدوا

لكن ندبتَ لهمْ رأيَ ابنِ محصنة ٍ

يخاله السيفُ سيفاً حين يجتهدُ

في كلِّ يومٍ فتوحٌ منكَ واردة ٌ

تَكادُ تَفهمُهَا مِن حُسْنها البُرُدُ

وَقَائِعٌ عَذُبَتْ أَنْبَاؤُهَا وحَلَتْ

حَتَّى لَقَدْ صارَ مَهْجُوراً لها الشُّهُدُ

إنَّ ابنَ يوسفَ نجى الثغرَ منْ سنة ٍ

أَعْوامُ يُوسُفَ عَيْشٌ عِنْدَها رَغَدُ

آثارُ أموالكَ الأدثارِ قد خلقتْ

وخَلَّفَتْ نِعماً آثارُها جُدُدُ

فافْخَر فَمَا من سَماءٍ للنَّدى رُفِعَتْ

إِلاَّ وأَفْعالُكَ الحُسْنَى لها عَمَدُ

واعْذِرْ حَسُودَكَ فيما قد خُصِصْتَ به

إِنَّ العُلَى حَسَنٌ في مِثْلِها الْحَسَدُ