وإياك والدنيا الدنية إنها

ابن مشرف

وإياك والدنيا الدنية إنها

هي السحر في تخييله وافترائه

متاع غرور لا يدوم سرورها

وأضغاث حلم خادع ببهائه

فمن أكرمت يوما أهانت له غدا

ومن أضحكت قد آذنت ببكائه

ومن تسقه كأسا من الشهد غدوة

تجرعه كأس الردى في مسائه

ومن تكس تاج الملك تنزعه عاجلا

بأيدي المنايا أو بأيدي عدائه

إلا أنها للمرء من أكبر العدا

ويحسبها المغرور من أصدقائه

فلذاتها مسمومة ووعودها

سراب فما الظامي يروى من عنائه

وكم في كتاب الله من ذكر ذمها

وكم ذمها الأخيار من أصفيائه

فدونك آيات الكتاب تجد بها

من العلم ما يجلو الصدا بجلائه

ومن يك جمع المال مبلغ علمه

فما قلبه إلا مريضا بدائه

فدعها فإن الزهد فيها محتم

وإن لم يقل جل الورى بأدائه

ومن لم يذرها زاهدا في حياته

ستزهد فيه الناس بعد فنائه

فتتركه يوما صريعا بقبره

رهينا أسيرا آيسا من ورائه

وينساه أهلوه المفدى لديهم

وتكسوه ثوب الرخص بعد غلائه

وينتهب الوارث أمواله التي

على جمعها قاسى عظيم شقائه

وتسكنه بعد الشواهق حفرة

تضيق به بعد اتساع فضائه

يقيم بها طول الزمان وماله

أنيس سوى دود سعى في حشائه

فواها لها من غربة ثم كربة

ومن تربة تحوى الفتى لبلائه

ومن بعد ذا يوم الحساب وهوله

فيجزى به الإنسان أو في جزائه

ولا تنس ذكر الموت فالموت غائب

ولا بد يوما للفتى من لقائه

قضى الله مولانا على الخلق بالفنا

ولا بد فيهم من نفوذ قضائه

فخذ أهبة للموت من عمل التقى

لتغنم وقت العمر قبل انقضائه

وإياك والآمال فالعمر ينقضي

وأسبابها ممدودة من ورائه

وحافظ على دين الهدى فلعله

يكون ختام العمر عند انتهائه

فدونك مني فاستمعها نصيحة

تضارع لون التبر حال صفائه

مبرأة من كل غش لأنها

بدت من وديد صادق في إخائه

أصلي على طول الزمان مسلما

سلاما يفوق المسك عرف شذائه

على خاتم الرسل الكرام محمد

وأصحابه والآل أهل كسائه

واتباعهم في الدين ما اهتز بالربى

رياض سقاها طلها بندائه

وما غردت قمرية في حديقة

فجاوبها ورق بصوت غنائه