هذه هى الحياة

حمزة قناوي

                       إلى أبي رحمه الله

كان ضياء الشمس يلوِّح من نافذتى
يمسح وجهى
حتى يطرد نوماً يثقل فى الأحداق .
صوتُ تلاوة أمى للقرآن يمس البيت بنور صافٍ
كانت تدعو الله بأن يرحمنا -بعد وفاة الأب-
ويفتح أبواب الأرزاق.
أمى كانت تقصد سعيى !
سعيى اليائس منذ شهور خلف الرزق .
وما من جدوى
حتى ضاق العيش
وصار البيت ملاذ الفاقة والإملاق !
قمت لكى أتهيأ لمواصلة السعى
أقبل أمى قبل رحيلى
يدفق من طيبة عينيها ينبوع حنان رقراق.
رحت أغادر بؤس البيت تجاه النور
وداخل روحى كان ظلام اليأس
يسافر فى الأعماق !
———————————-
كنت أسير حثيثاً نحو الصرح الشامخ نصب عيونى
وأنا أذكر..
فأبى قضَّى ربع القرن دءوباً يعمل فى خدمته
حتى مات بداخل هذا الموقع ذات نهار
مات شهيد العمل الدائب..والإرهاق!
وجه أبى يتجسد نوراً فى ذاكرتى
وأنا أصعد درج الموقع.. يبسم لى.
حين شعرت بأن البسمة..
كانت ملأى بالإشفاق!
—————————
وقف رئيس الصرح الشامخ يستقبلنى
يبسم فى بشرٍ وسرورٍ
وقد التف الجمع العامل حول المكتب فى غرفته
شد على كتفىَّ وقال :
"أهلاً بابن البطل الخالد
فى هذا الصرح العملاق." !
"اجلس رحم الله أبيك
فقد قضَّى أيام العمر عطاءاً كالنهر الدفاق."
فقلت:"أيا سيدى الفاضل
أشكرك على هذا المدح..
ولكنى قد جئت اليوم لشىءٍ آخر."
قال السيد :" نعرف هذا !
نعرف كيف نكافئ من قد أفنى العمر أميناً فى خدمتنا"
ثم أشار لمن قد راحوا يلتفون وراء وحول المكتب
فأتوا بوشاحٍ ألاَّق .
علَّقَهُ السيد فى كتفى
ثم أشار.. فجاءوا بشهادة تقدير
وأتوا بشهاداتٍ أُخرى
كانت تثبت حسن السير
وحسن السمعة والأخلاق !
راح يسلمنى إياها فى هرج التصفيق الحار.
ومضى الجمع الحاشد يهتف :
"عاش السيد "
"عاش نصير المنسيين "
وهو يغادر هذا المحفل
يهبط فوق الدرج اللامع فى إشراق.
أخذ الجمع يهرول خلف خطاه.
حين ارتفعت موسيقى الحرس الرسمىِّ
تدَوِّى فى صمت الآفاق .
كان السيد يغرق فى تيه الأبواق
وأنا وحدى
أغرق ما بين الأوراق !!