مَا أنْسَ من شيءٍ، فَلَسْتُ بِناسِ

البحتري

مَا أنْسَ من شيءٍ، فَلَسْتُ بِناسِ

عَهْدَ الشبابِ، إذ الشّبَابُ لِباسي

إنّ الخُطوبَ طَوَيْنَني، ونَشَرْنَني،

عَبَثَ الوَلِيدِ بجانِبِ القِرْطاسِ

ما شِبْتُ من طويلِ السّنِينَ، وإنّما

طُولُ المَلامَةِ فيكَ شَيّبَ رَاسي

نَمّتْ على ما في ضَميري أدْمُعي،

وَتَتَابُعُ الصُّعَدَاءِ منْ أنْفاسي

وَلَقَدْ شَرِبْتُ الكأسَ من يدِ أحوَرٍ،

مِثْلِ القضِيبِ، مُهفْهَفٍ مَيّاسِ

بَيْضَاءَ طافَ بهَا عَلَيْنَا أبيضٌ،

بَاتَتْ مَرَاشِفُهُ مِزَاجَ الكاسِ

خَمْرٌ، وسِحرٌ مازَجَا ماءَ النّدى،

مِنْ فَضْلِ كأسكَ، يا أبا العبّاسِ

مَا لي وشُرْبَ نَداكَ، يا بن محَمّدٍ،

ليْسَ النّدى الكِنْدِيُّ منْ أحْلاسي

صَبَغَتْ خَلائِقُكَ الحِسانُ بنَوْرِها الـ

ـقَمَرِيّ سُودَ خَلائِقِ الجُلاّسِ

أبداً يُذكّرُني اهْتِزَازُكَ للنّدَى

عَمَلَ الجَنائِبِ في قَضِيبِ الآسِ

أسَعِيدُ! ما العَلْيَاءُ إلاّ ما بَنى

لَكَ أوّلٌ، أبْناءُ أُمّ أُناسِ

وَإلَيْكُمُ، آلَ المُهاجِرِ، هاجَرَتْ

جُمَلُ المَكارِمِ عنْ جَميعِ النّاسِ

فأبوكُمُ المَجْدُ القديمُ، وَفِعْلُكُمْ

وَقْفٌ أقامَ على النّدى وَالباسِ