شجر الحنين

موسى حوامدة

ولدتُ قبل اشتعال الضوء ,أو تأتأة الغيم ,
طرت سريعا نحو الأشجار , عاليا نحو السماوات , عانقت النار , ضاجعت الريح , صاهرت الندى ,عَلَّمني النايُ سرَّ النبيذ , أعطتني الأغصان سرير العاصفة , اختبأتُ في ملاءة البحر , خلعتُ قميص العاطفة , و حين رأيت الناس, يكتبون على صفحة الماء, أسماءَ أصدقائهم , وجدتُ على خدي آثارَ صفعة,
رقصتْ الكلابُ على نافذتي
العشُّ الذي دلَّتني عليه السنونو كان معسكرا للغربان
الصيف يعشق أصوات الصِبية؛
كنا نزهو تحت شجر الحنين
غير أن الحارس اللعين شدَّ الغصن فانكسر قلب القروي ,

رَجْعُ موسيقى بعيد
رائحة شعبٍ يحترق
خبطُ أجنحة ٍ
حفيفُ ملائكةٍ
خفقُ قلوعٍ وهبوبُ نشيد
نشيج هضاب منسية …

هَوَتْ أصواتنا في الغدير
البناتُ اللواتي كن يَلْهون معنا
كبرنَ سريعا
تساقط التوت عن أفخاذهن
كبرت صدورهن
تثنت قاماتهن
انتفخت بطونهن
ثم ولدن أطفالا لا يشبهوننا
صرنا آباء
تخطّى بعضنا اللعبة ؛
وقورا , يَبحث لأحفاده عن زوجات صالحات ,

آكلاتُ العنب الذي لم يعتق بعد
يذهبن بسرعة إلى الغد
الغيابُ مبعثُ خزي العمر
حين يطير كالجندب أيّام الحصاد تطير بنا الحكمة المقيتة ,
الآتون يلتهمون الأواني والنهار
تضحي الخليقة أشبهَ بالعَماء ,
لا رعدَ يلحقُ برقا
لا ريحَ تدفع غيما
لا أرضَ تسند نايا أو حكاية
النارُ تلتهمُ الأساطير
الصبايا , لم يعدن كما نتوهم
بتن في غرف الضباط
صرن زوجاتٍ صاغرات ,
حبيباتُنا
تركن لنا الماضي وتزوجن السياط,

لمن نُوَرِّثُ مصائبنا
وماءَنا المقدس ؟
لمن نمنح خسارتنا
وريحَنا المرتبك ؟؟

بلادنا صالة قمار
قاعة ترانزيت
غرفة نوم للغريب
البيارات التي تركها أجدادُنا هرمت
قصَّ أشجارَها ورثةُ (الكرنكيمت )
المفاتيح التي يحملها الأجداد صدئت
تهتكت أبوابها
الجدات سكَنَّ الغيوم الأزلية
تناست القرويات صواني القش
إبرَ التطريز ,مغازلَ الصوف ,مراوِدَ الكحل
أغاني الحصاد ,مواويلَ العاشقين
تلاشت ثرثرة الحارات, نميمة الجارات
سقطت أسطحُ المنازل
تَهَدَّمت تلك البيوت ؟؟
[ من يُصدِّقُ أن ظلَّت على الأرض بيوت !]

الخليقة امَّحت عن المشهد
لا يكفي شجر الصبر دليلا على جنة الراحلين
حيث يلوح الغرباء بمحارم العريس
وتلبسُ المومساتُ زيَّ الأُمَّهات !!

الناسُ تولوا خائفين
أزيز الطائرات رجّ سطوة الأكاذيب ,
الخوفُ تجوَّل في الأزقة
العيون إلى السماء
العقاربُ وجدتْ فرصةً للتنزه
الشاحناتُ أنقذتْ سمعتنا
حملتْ البكارى خارجَ الحدود
البساتين ذبلت
الحجارة أخفت وجهها
الطين بكى
الماضي أقام مأتماً للحاضر
المستقبل
أقعى مثل كلب الندم
////
هَيِّنا أمْرُك ,لا تنتفض
مأْسورُ كربلاءاتٍ وحسرة
استَجْدِ الدموع
يا للبكاء
نبعُ الراحة والفرج
سبيلُ المهزومين إلى الشفقة
أُعذق بيديك النهار, اقتلعْ شوكَ العار
أنبذْ دُخانَ العواصم والقرى ,
امتعضْ حين يشاءون
امتعض حين يمتعضون
امتعض كما تتطلب الجنازات والخاسرون .
*
انجلت هيئةُ الغمر
رَكَعَتْ زرافة الرياء , طار حمام الرجاء
توافد المهزومون
*
فالسلام عليكم
والسلام علينا والوداع يا قلاع الروح
حين تفقد الغانيات الراغبين في المتعة ,
الزنابق تصير سياجا للعفة
السلام علينا , السلام على الأعداء
فهم سلسبيل المحنة والعافية
دليلُ الله إلى عباده التائهين ؛
السلامُ إذن على عباد الله التائهين
اللاجئين إلى رحمته
النازحين من خيمته
المنبوذين المطرودين من جنانه
والسلام على العدو المطمئن والمستريح .

6-10-2000