كلُّ ذِكْرٍ من بَعدِهِ نِسيانُ،

أبو العلاء المعري

كلُّ ذِكْرٍ من بَعدِهِ نِسيانُ،

وتَغيبُ الآثارُ والأعيانُ

إنّما هذِهِ الحَياةُ عَناءٌ،

فليُخَبّرْكَ، عن أذاها، العِيان

ما يُحسُّ التّرابُ ثِقلاً، إذا ديـ

ـسَ، ولا الماءَ، يُتعِبُ الجَريان

نفَسٌ، بعدَ مِثلِهِ، يتَقَضّى،

فتمرُّ الدّهورُ والأحيان

قدْ ترامتْ، إلى الفَسادِ، البرايا،

واستَوَتْ، في الضّلالةِ، الأديان

أنتَ في السّهلِ أعوَزتْك الخُزامى،

أو على النِّيقِ ما به الطُّيان

طالَ صَبري، فقيلَ: أكثمُ شَبعا

نُ، وإنّي لَمُنْطَوٍ طَيّان

أنا أعمَى، فكيفَ أُهدى إلى المَنْـ

ـهَجِ، والنّاسُ كلُّهمْ عُميان؟

والعَصا، للضّريرِ، خيرٌ من القا

ئِدِ، فيهِ الفُجورُ والعِصيان

وادّعى الهديَ، في الأنامِ، رِجالٌ،

صَحّ لي أنّ هَدْيَهُمْ طُغيان

فَلَكٌ دائرٌ، أبَى فتَياهُ

وَنْيَةً، أوْ يُفَرَّقَ الفِتْيان

ونُفُوسٌ تَرومُ إرْثاً، وما الوا

رثُ إلاّ المُهَيمِنُ الدّيّان

ونَباتُ البلادِ، فيهِ الجَبائيُّ،

ومِنهُ الوَشيجُ والشِّرْيان

إنْ تُمَلِّىءْ بالهَمّ كاسيَ دُنيا

يَ، فكاسي نَعيمُها عُرْيان

يَبتَني راغبٌ، فَما تَكمُلُ الرّغـ

ـبةُ، حتى يُهَدَّمَ البُنيان

وخيولٌ، من الحَوادثِ، تَردى،

والرّدى شأنُهنّ، لا الرّدَيان

ناعباتٌ، كما غدتْ ناعياتٌ،

وحَمامٌ، كما تَغَنّى القِيان

ليسَ، في هذِهِ المَجَرّةِ، ماءٌ،

فيُرَجّي وُرودَهُ الصَّدْيان