ليسَ البُكاءُ وإنْ أُطيلَ بمقنِعي

ابن الخياط

 

ليسَ البُكاءُ وإنْ أُطيلَ بمقنِعي

الخطْبُ أعظمُ قيمة ً من أدْمُعي

أوَكلَّما أوْدى الزّمانُ بمنْفِسٍ

مِنِّي جعَلْتُ إلى المَدامِعِ مَفْزَعي

هلاّ شَجانِي أنَّ نَفْسِي لمْ تَفِظْ

اسفاً وأنَّ حشايَ لمْ تتقطَّعِ

ما كانَ هذا القلْبُ أوَّلَ صخْرَة ٍ

ملمومَة ً قُرِعَتْ فلم تتصدَّعِ

ألقى السلامَ على أبَرَّ مؤَمَّلٍ

وحثا الترابَ على أغرَّ سميدَعِ

يا للرجالِ لنازِلٍ لمْ يُحْتَسَبْ

ولِحادِثٍ ما كانَ بالمُتوقَّعِ

ما خِلتُني ألجا إلى صبرٍ على

زَمنٍ بتفْريقِ الأحبَّة ِ مُولَعِ

تاللهِ ما جازَ الزمانُ ولا اعتَدى

بأشدَّ منْ هذا المُصابِ وأوْجَعِ

خَطْبٌ يُبرِّحُ بالخُطوبِ وفادِحٌ

مَن لم يمُتْ جزَعاً لهُ لم يَجزَعِ

لا أسمَعَ النّاعِي فأيسَرُ ما جَنى

صدْعُ الفُؤادِ بهِ ووقْرُ المسْمَعِ

يا قُولُ قولَة ُ مُكمَدٍ مُستَنْزِرٍ

ماءَ الشؤُون لهُ ونارَ الأضْلُعِ

شاكِي النهارِ إذا تأوَّبَ ليلُهُ

هَجَعَ السَّلِيمُ وطَرْفُهُ لم يَهْجعِ

ملآنَ مِن حُزْنٍ فليسَ لِتَرْحَة ٍ

أوْ فرحَة ٍ بفُؤادِهِ منْ مَوْضِعِ

يبكِي لهُ منْ ليسَ يبكِي منْ أسى ً

وجْداً ويُصْدَعُ قلْبُ مَنْ لمْ يُصْدِعِ

أشكُو إلى الأيامِ فِيكَ رَزِيَّتِي

لوْ تسمَعُ الأيّامُ شكوى مُوجَعِ

وأبِيتُ ممنوعَ القَرارِ كأنَّني

ما راعَنِي الحدَثانُ قطُّ بأرْوَعِ

ورَنِينِ مفْجوعٍ لديْكَ وصلْتُهُ

بحنِينِ باكِيَة ٍ عليكَ مُرَجَّعِ

غلب الأسى فيك الأساة فلا أرى

منْ لا يُكاثِرُ عبْرَتِي وتفَجُّعي

فإذا صبرتُ فقدْتُ مثليَ صابِراً

وإذا بكيتُ وجدْتُ مَنْ يبْكي مَعي

قدْ غَضَّ يومُكَ ناظِرِي بلْ فضَّ فقْـ

ـدُكَ أضلُعِي وأقَضَّ بعدُكَ مَضْجَعِي

أخضَعْتَنِي للنّائِباتِ وَمَنْ يُصَبْ

يوماً بمِثلِكَ يَستَذِلَّ ويَخضَعِ

وأهانَ خطْبُكَ ما بِقَلْبِي ومنْ جَوى ً

كالسَّيْلِ طمَّ علَى الغديرِ المُتْرَعِ

يا قُولِ ما خانَ البقاءُ وإنَّما

صُرِعَ الزمانُ غداة َ ذاكَ المصرعِ

ماكُنْتُ خائِفها عليْكَ جِنايَة ً

لوْ كانَ هذا الدَّهْرُ يَعْقِلُ أو يَعِي

صُلْ بعدَها يا دهْرُ أوْفَا كفُفْ وخُذْ

منْ شئْتَ يا صَرْفَ المنِيَّة ِ أوْ دَعِ

قدْ بانَ بالمعرُوفِ أشجى بائِنٍ

ونَعى إلينا الجُودُ أعلى مَنْ نُعي

غاضَ الحِمامُ بزاخِرٍ مُتدَفِّقٍ

وهَوى الحُسامُ بِباذِخٍ مُتَمَنِّعِ

منْ دوحَة ِ الحَسَبِ العَلِيِّ المُنْتَمى

وسُلالَة ِ الكَرَمِ الغزِيرِ المَنْبَعِ

إنْ أظلَمَتْ تِلكَ السَّماءُ فقَدْ خَلا

مِنْ بدْرِها الأبْهى مكانُ المَطْلَعِ

أو أجدَبَتْ تِلْكَ الرِّباعُ فبَعْدَما

ودَّعْتَ تَودِيعَ الغَمامِ المُقلِعِ

أعزز عليَّ بمثْلِ فقدِكَ هالِكا

خلَعَ الشبابَ وبُرْدَهُ لمْ يخلَعِ

لَوْ أمْهِلَتْ تِلكَ الشَّمائِلُ لمْ تفُزْ

يوْماً بأغرَبَ مِنْ عُلاكَ وأبدَعِ

قلْ لي لأيِّ فضيلة ٍ لمْ تُبْكِنِي

إنْ كانَ قلْبِي ما بَكاكَ ومدْمَعِي

لجَمالِكَ المشْهُورِ أمْ لكَمالِكَ الـ

ـمَذْكورِ أمْ لِنَوالِكَ المُتَبَرِّعِ

ما خالفَ الإجماعَ فِيكَ مقالَتِي

فأُقِيمَ بيِّنة ً على ما أدَّعِي

أيُضَيِّعُ الفِتْيانُ عهْدَك إنَّهُ

ما كانَ عِنْدَكَ عَهْدُهُمْ بمُضَيَّعِ

قد كنتَ أمرَعَهُمْ لمُرتادِ الندى

كفّاً وأسرَعَهُمْ إلى المُسْتَفْزِعِ

حَلَيْتَ مَجالِسُهُمْ بِذِكْرِكَ وحْدَهُ

وعطَلْنَ منْ ذاكَ الأبيِّ الأروَعِ

والدَّهْرِ يقْطَعُ بعدَ طُولِ تَواصُلٍ

وَيُشِتُّ بعدَ تَلاؤمٍ وتَجمُّعِ

قُبْحاً لِعادِيَة ٍ رَمَتْكَ فإنَّها

عَدَتْ الذَّلِيلَ إلى الأعَزِّ الأمْنَعِ

ما كنتُ أحسِبُ أنَّ ضيْماً واصِلٌ

بِيَدِ الدَّنِيِّ إلى الشَّرِيفِ الأرفَعِ

قدرٌ ترفَّعَ يومَ رُزْئِكَ هَمُّهُ

فَرَمى إلى الغَرَضِ البَعيدِ المَنْزَعِ

كيفَ الغِلابُ وكيفَ بطشُكَ واحِداً

فرْداً وأنْتَ منَ العدى في مجمَعِ

عزَّ الدِّفاعُ وما عدِمْتَ مُدافِعاً

لَوْلا مَقادِرُ ما لها مِنْ مدْفَعِ

ولقَدْ لَقيتَ الموتَ يَوْمَ لَقِيتَهُ

كرماً بأنجَدَ منْهُ ثمَّ وأشْجَعِ

عِفْتَ الدنيَّة َ والمنيَّة ُ دُونَها

فَشَرَعْتَ فِي حدِّ الرِّماحِ الشُّرَّعِ

ولو کنَّكَ اخْتَرْتَ الأمانَ وَجَدْتَهُ

أنّى وخَدُّ اللَّيثِ لَيْسَ بِأضْرَعِ

مَنْ كانَ مِثْلَكَ لَمْ يَمُتْ إلاّ لقى ً

بين الصَّوارِمِ والقَنا المتقطِّعِ

جادَتْكَ واكِفَة ُ الدُّموعِ ولَمْ تَكُنْ

لوْلاكَ مخجِلة َ الغُيُومِ الهُمَّعِ

وبكاكَ منهَلُّ الغَمامِ فإنَّهُ

ما كانَ منكَ إلى السماحِ بأسرَعِ

وتعهدتْ مغناكَ سارِية ٌ مَتى

تَذْهَبْ تَعْدُو وَمَتى تُفارِقْ تَرْجِعِ

تَغْشاكَ تائِقَة ً تَزُورُ وتَنْثَنِي

بمُسَلِّمٍ مِن مُزْنِها ومُوَدِّعِ

تحبُوكَ مُوْشِيَّ الرياضِ وإنما

تُهْدِي الرَّبِيعَ إلى الرَّبِيعِ المُمْرِعِ

لا يُطمِعِ الأعداءَ يَومٌ سَرَّهُمْ

إنَّ الرَّدى فِي طَيِّ ذاكَ المطْمَعِ

الثَّأرُ مَضْمُونٌ وَفِي أيمانِنا

بِيضٌ كخاطِفَة ِ البُروقِ اللُّمَّعِ

وذَوابِلٌ تَهْوى إلى ثُغَرِ العِدى

تَوْقَ العِطاشِ إلى صَفاءِ المشْرَعِ

قدْ آنَ للدَّهْرِ المُضِلَّ سَبيلَهُ

أنّ يستَقِيمَ على الطَّرِيقِ المَهيْعِ

مستدْركاً غلطَ الليالِي فيكُمُ

مُتَنَصِّلاً مِنْ جُرْمِها المُسْتَفْظَعِ

أفَغَرَّكُمْ أنَّ الزَّمانَ أجرَّكُمْ

طولاً بغيِّكُمُ الوَخِيمِ المرتَعِ

هَلاّ وَمَجْدُ الدِّينِ قَدْ عَصَفَتْ بِكُمْ

عَزَماتُهُ بالغَوْرِ عَصفَ الزَّعْزَعِ

وغَداة َ عَلْعالَ الَّتي رَوَّتْكُمُ

بِالبِيضِ مِنْ سُمِّ الضِّرابِ المُنْقَعِ

لا تأْمَنُنَّ صريمَة ً عضْبيَّة ً

منْ أنْ تُقيمَ الحقَّ عندَ المقطَعِ

بقناً لغيرِ رداكمُ لمْ تُعْتَقَلْ

وظُبى ً لغيرِ بوارِكمْ لم تُطْبَعِ

يا خيرَ منْ سُمِّي وأكْرَمَ منْ رُجِي

وأبرَّ مَنْ نُودِي وأشْرَفَ مَنْ دُعِي

إنّا وإنْ عَظُمَ المُصابُ فلا الأَسى

فِيهِ العَصِيُّ ولا السُّلُّوُ بِطَيِّعِ

لنَرى بقاءَكَ نِعْمَة ً مَحقُوقَة ً

بالشُّكرِ ما سُقِي الأنامُ وما رُعِي

ولقَدْ عَلِمْتَ ولمْ تَكُنْ بمُعَلَّمٍ

أنَّ الأسى والوَجْدَ ليسَ بِمُنْجِعِ

هَيْهاتَ غيرُكَ منْ يَضِيقُ بحادِثٍ

وسِواكَ منْ يعي بحمْلِ المُضْلِعِ

دانَتْ لَكَ الدُّنْيا كأحْسَنِ رَوْضَة ٍ

شُعِفَ النسيمُ بنَشْرِها المُتَضوِّعِ

لا زالَ ربْعُ عُلاكَ غيرَ مُعطلٍ

أبداً وسِربُ حماكَ غيرَ مروَّعِ

ما تاقَ ذُو شجنٍ إلى سكنٍ وما

وجدَ المُقيمُ علاقَة ً بالمُزْمِعِ