دعوا اليومَ ما عوّدتمُ من تصبّرٍ

الشريف المرتضى
المرتضى

دعوا اليومَ ما عوّدتمُ من تصبّرٍ

فإنّ نزاعى غالبٌ لنزوعى

فما القلبُ منّي فارغاً من تذكُّرٍ

ولا العينُ منّى غيرَ ذات دموعِ

ولو كنتُ مُسْطِيعاً جعلتُ صَبابة ً

مكان دموعى فى البكاءِ نجيعى

ففيما تركتُ لا يخافُ تردّدى

وفيما وهبتُ لا يُخافُ رُجوعي

وكيف بقائى لا أموت وإنّما

ربوعُ الأنامِ الهالكين ربوعى ؟

وما أنا إلاّ منهمُ وعليهمُ

إذا ما انقضى عمرى يكون طلوعى

ألمْ ترَ هذا الدّهر كيف أظلّنا

على غفلة ٍ منّا بكلِّ فظيعِ ؟

وكيف انتقى عظمى وشرّد صرفهُ

رُقادي وأَوْدى عَنْوَة ً بهُجوعي 

وجرّ على شوك القتادِ أخامصى

وأضرم ناراً في يبيسِ ضلوعى

وأكرعنى حزناً طويلاً ولم أكنْ

لغيرِ الذي أختارُه بكَروعِ

رماني بخطبٍ لا يكفكفُ وقعهُ

سوابقُ أفراسى ونسجُ دروعى

وما عاصِمي منه حُسامي وذابِلي

ولاناصري رَهْطي به وجميعي

أتاني ضحًى لا درَّ درُّ مجيئه

فعادَ وماهابَ النَّهارَ هَزيعي

وضاعفَ من شجوى ورادف حزنه

خضوعى عليه راغماً وخشوعى

وصيَّر في وادي المصائبِ مَسكني

وفى جانب الحزنِ الطّويل ربوعى

وقالوا بركنِ الدين ولَّتْ يدُ الرَّدى

فخرَّ صَريعاً وهو خَيرُ صريعِ

فشبّوا لهيبَ النّارِ بين جوانحى

وجَثُّوا أُصولي بالجَوَى وفُروعي

ومرّوا وقد أبقوا بقلبي حسرة ً

وذَرُّوا طويلَ اليّأس منه بِرُوعي

فلو كنتُ أسطيعُ الفداءَ فديتهُ

وأعيا بداءِ الموتِ كلُّ جَميعي

وشاطرتُهُ عُمري الّذي كان طالعاً

عليه بما أهواه خيرَ طلوعِ

وقالوا: اصطبرْ، والصَّبرُ كالصَّبر طعُمهُ

إذا كان عن خرقٍ بغير رقوعِ

وعن رجلٍ لا كالرّجالِ فضيلة ً

وعن جبلٍ عالي البناءِ رفيعِ

وعزّاك مَن سقَّاك كلَّ مرارة ٍ

وحيّاك من لقّاك كلَّ وجيعِ

ولو كنتُ أرجو عوده لاحتسبتهُ

ولكنَّه ماضٍ بغيرِ رُجوعِ

كأنِّيَ ملسوعٌ وقد قيل لي: مضَى

وما كنتُ من ذي شَوكة ٍ بلَسيعِ

فأيُّ انتفاعٍ بالرَّبيع وإنَّه

زمانى وقد ولّى الرّدى بربيعى ؟

وبالعيشِ من بعد امرئٍ كان طيبه

ويُبْدلُ منه ضَيِّقاً بِوَسيعِ

وبالمالِ من بعدِ الّذي كان مُخْلِفاً

لكلِّ الذي أفْنَتْهُ كفُّ مُضِيعِ

وبالعرضِ من دون الذى كان رمحهُ

يقارعُ عنه الدَّهرَ كلَّ قريعِ

ذَمَمْتُ سواكَ المالكين لأنَّهمْ

تولّوا وما أولوا جميلَ صنيعِ

ولم تكُ منهمْ مِنَّة ٌ بعدَ مِنَّة ٍ

ولا نزعوا أثوابهمْ لنزيعِ

فكم بينَ مُعطٍ للأماني وسالبٍ

وبين مُجيعٍ لي وقاتلِ جُوعي 

ولمّا رأيتُ الفضلَ فيه أطعتُه

وما زلتُ للأملاكِ غيرَ مطيعِ

ألمْ تَرَني لمّا بلغتُ فِناءَه

عقرتُ بعيرى أو قطعتُ نسوعى ؟

وأنَّك تُؤوي الخائفين منَ الورَى

ذُرا كلِّ مَرهوبِ الشَّذاة ِ رَفيعِ

وأنّك لمّا صرّح الخوفُ فى الوغى

بيومٍ صقيل الغُرَّتَينِ لَموعِ

وللخيلِ من نسج الغبارِ براقعٌ

وأجلالها من صوبِ كلِّ نجيعِ

ولو لمْ تبضَّعْ بالطِّعانِ لحومُها

لآبَتْ وما سالتْ لنا بَبُضوعِ

أخذتَ لواءَ النّصرِ حتّى ركزته

بيمناك من أرضِ اليقينِ بقيعِ

ولم تهبِ البيضَ الصّوارمَ والقنا

يردن إذا أوردنَ ماءَ ضلوعِ

ولمّا ذكرتُ الموتَ يوماً وهولهُ

تقاصر خطوى واقشعرّ جميعى

وما أنا إلاَّ فى انتظارٍ لزائرٍ

قَدومٍ على رغمِ الألُوفِ طَلوعِ

يمزّق أثوابَ الذى كنتُ أكتسى

ـنَفوعُ إذا لم يعثُروا بنفوعِ

ويهدم ما شيّدتهُ وبنيتهُ

ويحصدُ من هذى الحياة ِ زروعى