أسالمُ قد سلمتَ من العيوب

ابن الرومي

أسالمُ قد سلمتَ من العيوب

ألا فاسلمْ كذاك من الخطوبِ

وقد حُسِّنتَ أخلاقاً وخَلْقاً

فقد أصبحتَ مصباحَ القلوبِ

مُصدَّقَ كنية ٍ حسناءَ واسمٍ

وكم سمة ٍ مكذَّبة ٍ كذوبِ

فيما قمراً ينير بلا أفولٍ

ويا شمساً تضيء بلا غروبِ

أغْثني يا أبا حسنٍ أغثني

فأنت المستغاث لدى الكروبِ

أجِرني من نقائصَ قد أضرَّت

بعبدك يا ربيعَ ذوي الجُدوبِ

وما وجهُ استقائي من غديرٍ

وأنت البحرُ والموج الغضوبِ

وأنَّى تستمِدُّ من السواقي

لتُنضبهَا ولستَ بذي نضوبِ

أينقُص كاملٌ عُرْفاً أتاه

إلى حُرٍّ ليس بذي ذُنوبِ

أبى النقصانَ فعلُ أخي كمالٍ

يجِلُّ عن المَناقص والعيوبِ

جوادٍ بالتلاد وللمعالي

كسوبٍ أو يزيد على الكسوبِ

أُعيذك أن تخفف من دروعي

فإني من زماني في حروبِ

وما تلك الدروعُ سوى هباتٍ

تجودُ عليَّ من يدكَ الوَهوبِ

أصونُ بها المَقاتلَ من زمانٍ

على الأحرار عَدَّاءٍ وَثوبِ

فلا تُوسِعْ له في جيب درعي

فقد تؤتَى الدروعُ من الجيوبِ

ولا تجعل إليّ له مَساغاً

فقد تؤتى الحصونُ من النقوبِ

أترضى أن أُراعَ وأنت جارِي

بأشباهِ الغُصوبِ أو الغُصوبِ

وجارك حين يَغْشى الضيمُ جاراً

أعزُّ من المحلِّقة ِ الطَّلوبِ

تُروِّعني النقائصُ كلَّ شهرٍ

مع التعبِ المبرِّحِ والدُّؤوبِ

كأَني حين أذكرهنَّ أُرمَى

بسهمٍ في فؤادي ذي نُشوبِ

وحسبي رائعاً أهوالُ بحرٍ

يظل العقلُ منها ذا عُزوبِ

تَسامى فيه أمواجٌ صِعابٌ

كأنَّ زُهاءهنَّ زُهاءُ لُوبِ

أظل إذا طغوتُ على ذُراها

أهلِّل من محاذرة الرسوبِ

تَلاعبُ بي تلاعُبَ ذات جدٍ

غَواربُ متنِ مِجدادٍ لَعوبِ

أُعيدُ ركوبَهُ صُبحاً ومُسْياً

وما هو بالذلولِ ولا الرَّكوبِ

وكم يومٍ أراني الموتَ فيه

جُنونُ الموجِ في هَوَجِ الجنوبِ

وقاني شرَّهُ من بعد يأسٍ

دِفاعُ اللَّه دَفّاعِ الرُّيوبِ

فمن يَطَربْ إذا هبّتْ جنوبٌ

فلستُ لها وعيشك بالطَّروبِ

ولكني لها مذ كنت قالٍ

قِلَى المملوك لوالي الضَّروبِ

ولو حيَّتْ بريَّاً الروض أنفي

ولو جاءت بكل حَياً سَكوبِ

إذا سقطت خشيتُ لها هُبوباً

وإن هبت جَزعتُ من الهبوبِ

ولمْ لا وهْيَ زَلزلة ٌ ولكنْ

بركبِ الماء لا ركبِ السُّهوبِ

وَبَلبلة ٌ لأهل البَرِّ تجري

فكلُّ من أذاها في ضُروبِ

تثيرُ عَجاجة ً وتثيرُ حُمَّى

لعذبِ الماء طُراً والشَّروبِ

وَتَذْهَبُ بالعقول إذا تداعتْ

أَزاملُ جَوِّها الزَّجل الصَّخوبِ

ويُضحى ما اكتستهُ كلُّ أرضٍ

يميدُ مرنّحاً مَيْد الشُّروبِ

ويُمسي النخل والشَّجراء منها

وجُلُّهما صريعٌ للجنُوبِ

فتلك الرّيحُ ممّا أجتويهِ

وعَلاَّمِ المشاهدِ والغيوبِ

ومما أشتهيه دُرورُ رزقي

وأن أُعطَاه موفورَ الذَّنوبِ

وأن ألقاهُ يضحك من بعيدٍ

نَقيَّ الصفحتين من الشُّحوبِ

وليس بواجبٍ ما أشتهيه

ولكنْ إن تَطَوَّلَ ذو وجوبِ

تسنَّم ظهرَ مَكرُمَة ٍ أنيختْ

لتركبها ولا تكُ بالهَيوبِ

وما ينحو بك العافون إلاّ

طريقاً لستَ عنه بذي نُكوبِ