ضرورةُ أن تكونَ النهاياتُ حاسمة

فاطمة ناعوت

في ميتتِكَ القادمة
تخيّرْ أسلوبًا آخرَ،
يجنِّبُكَ المشيَ في الطرقاتِ الطويلة،
واستنشاقَ البخارِ العطنْ
الذي يفوحُ من شفاه النسوةِ الداكنات،
اللواتي يتصيدنَ المرضى
لينتزعنَ قبلةً
يستحلبن لُعابَها
تحت طاولاتِ التشريحْ.
ثُّمَ
ألم نتفق أن تكونَ نهايتانا
بجنون الخلايا؟

المرأةُ التي زرعتِ الكركديه
كي ينخفضَ ضغطُ الدم،
نظفّتْ بقايا القيء والمخاطْ ،
ثم أشاحتْ عن النسوةِ داكناتِ الروح،
ذوات الأردافِ الثقيلةْ،
لأنهن يتلصصنَ من ثقوبِ العنابرِ
فيُتلفنَ الهدوءَ ومقابضَ الأبواب،
ثُم يقتسمنَ خبزَ المريضِ ورئتيه،
لكنها
أدمتْ أناملَها
حين انتبهتْ فجأةً،
أن الجلطةَ تخثّرت في المخْ،
لحظةَ رفضتْ أن تنامَ إلى جوارِه
عاريةً …
ونظيفة.

يلزم أن تتعلّمَ المرأةُ
أن الدماغَ الذي سجنَ "إنجلز وجارودي" بين طيّاتِه
لابد أن يكونَ حانيًا
وذا شرايينَ ضيّقة
لا تسمحُ بمرورِ الإقطاعيينَ والنحاةْ،
ومن ثَمَّ
تأمنُ السيدةُ على عُريِها
إذا لامسَ عُريَه.

المدهشُ
أن دماغَكَ المرسومَ على الشاشةِ
كان مليئًا بالتلافيفِ والأوردة،
يشبهُ دماغَ بائع الصحفِ الممددِ إلى جوارِكَ
داخل قلاية الأشعّة.
بحثنا عن القصيدةِ
فلم نجدْ إلا أزقّةً قانيةً
وكثيرًا من علامات السؤال،
حتى إن الطبيبَ الجالسَ إلى الحاسوب
لوَّحَ قائلا:
أيُّهما دماغُ الشاعر؟

في المرةِ القادمة،
اخترْ ميتةً أخرى
تنجيكَ من حاملي الحقائب ومسوخِِ كافكا
الذين يتسلقونَ الحوائطَ بأقدامِهم المزغّبة،
يتسوَّلون المحبةَ من النِفطياتْ،
ثم يلتهمون خبزَ المريضِ ولسانَه.

الأشياءُ تعلمُ الخبر كلَّه ،
بدليل:
أن بقايا كوبِ الكركديه،
وقميصَك محلولَ الأزرار
المُلقى على عَجَلٍ جوارَ السرير المعدنيّ،
وحتى توقيعكَ المشوّش على إقرار المستشفى،
جميعُها تدبَّرتِ الأمر
ورسمت مشهدًا آخر للحكاية
خاليًا من المطِّ والترهّل وأنابيِب المحلول.

مشهدٌ ذو حبكةٍ مكثّفة
وخاتمةٍ فلسفتُها:
أن موتَ الفُجاءةِ
يفتحُ الأبوابَ على نحوٍ أسرع
فتذوبُ التكتلاتُ الدمويةْ،
مما يسمحُ للقاعةِ أن تنظّفَ حوائطَها
من رَوَثِ الأصدقاء الذين يكتبونَ الشِّعرَ
ولا يحسنونَ الأدب.

لكن الحائطَ
ما كان ينبغي له أن يكونَ حائطًا،
مادام في وسعه أن يغدوَ سلةَ زهرٍ
أو قصيدة.

لماذا صدقتني حين قلتُ:
إنني ازدادُ بياضًا كلما نأيتَ عني ؟
وإن البوليسَ سيعتقلُكَ بتهمةِ الصَّلع ؟
كانت مزحةً
أو لُعبةً شعرية
لا تستوجبُ أن تطيلَ شَعركَ إلى هذا الحدْ،
ثم تعدِّلَ في بناءِ النهاية،
فيغدو خللُ الخلايا
شللاً نصفيًّا،
خوفًا من الكيماوي
ونتفِ الرأس.

فمن الثابتِ
أن البوليسَ في بلادِنا
لا يحفل بالرؤوس
مادامتْ تحملهُا أعناقُ رجالٍ
لا يدافعون عن حبيباتِهم
حين تبكيهنَ التعاسة.

ومن الثابتِ أيضًا
أن نساءكَ اللواتي عذبتهنَ
هن اللواتي حملنَ لكَ قواريرَ الدواء
وقطّرنَ من دموعِهن ماءً نقيًّا
لتنجوَ من قصورِ الدورةِ الدمويةِ،
وانحباس الشِّعر.

أيها المقامرُ
ما معنى أن تكتبَ ديوانًا كاملاً عن السرطان،
ثم تموتَ بجلطةِ المخ؟

القاهرة / 30 أكتوبر 2004