نعم هذه يا دهرُ أمُّ المصائبِ

مهيار الديلمي

نعم هذه يا دهرُ أمُّ المصائبِ

فلا توعدني بعدها بالنوائبِ

هتكتَ بها ستر التجاملِ بيننا

و لم تلتفت فينا لبقيا المراقبِ

و ما زلت ترمى صفحتي بين عاصدِ

و منحرفٍ حتى رميتَ بصائبِ

فرأيكَ في قودي فقد ذلَّ مسحلي

و شأنكَ في غمزي فقد لان جانبي

و لا تحسبني باسطا يدَ دافعٍ

و لا فاتحا من بعدها فمَ عاتبِ

و لا مسبغا فضفاضة ً أبتغي بها

شبا طاعنٍ من حادثاتك ضاربِ

لها كنتُ أستبقي الحياة َ وأحتمي

و أجمعُ بردى من أكفَّ الجواذبِ

وَ لجتَ رواقَ العزّ حتى اقتحمتهُ

بلا وازعٍ عنه ولا ردَّ حاجبِ

و أنشبتَ في صماءَ عهدي بمتنها

صفيقَ المطا زليقة يالمخالبِ

سددتَ طريقَ الفضلِ من كلِ وجهة ٍ

و ملتَ على العلياء من كلّ جانبِ

فلا سننٌ إلا محجة ُ تائهٍ

و لا أملٌ إلا مطية ُ خائبِ

أبعدَ ابنِ عبد اللهِ أحظى براجعٍ

من العيش أو آسى على إثرْ ذاهبِ

و أرسلُ طرفي رائدا في خميلة ٍ

من الناسِ أبغى نجعة ً لمطالبي

و أقدحُ زندا وارياً من هوى أخٍ

و أكشفُ عن ودًّ خبيئة َ صاحبِ

و أدفعُ في صدرِ الليالي بمثلهِ

فترجعَ عني دامياتِ المناكبِ

أبى َ ذاك قلبٌ عنه غيرُ مغالطٍ

برجمٍ وحلمٌ بعدهُ غيرُ عازبِ

و أنَّ خروقَ المجدِ ليستْ لراقع

سواه وصدعَ الجودِ ليس لشاعبِ

طوى الموتُ منه بردة ً في دروجها

بقية ُ أيامِ الكرامِ الأطايبِ

محبرة ً سدى وألحمَ وشيها

صناعٌ بحوك المكرماتِ الرغائبِ

كسا اللهُ عطفَ الدهرِ حيناً جمالها

فلما طغى قيضتْ لها يدُ سالبِ

لئن درستْ منها الخطوطُ فإنه

ليبقى طويلا عرفها في المساحبِ

و جوهرة ً في الناس كانت يتيمة ً

و هل من أخٍ للبدرِ بين الكواكبِ

أبى الحسنُ أن يحبى َ بها عقدُ ناظمٍ

فتسلكَ أو يسمولها تاجُ عاصبِ

فمدتْ إليها بالردى يدُ كاسرٍ

و كان يقيها المجدُ من يد ثاقبِ

سل الموتَ هل أودعتهُ من ضغينة ٍ

تنقمَ منها فهو بالوترْ طالبي

له كلَّ يومٍ حولَ سرحيَ غارة ٌ

يشرد فيها بالصفايا النجائبِ

سلافة ُ إخواني وصفوة ُ إخوتي

و نخبة ُ أحبابي وجلُّ قرائبي

فليتَ عفا عن أحمدٍ فادياً له

بمصرمة ٍ مما اقتنيتُ وحالبِ

أألآن لما اشتدّ متني بوده

و ردتْ ملاءً من نداه حقائبي

و جمتْ لآمالي العطاشِ حياضهُ

و كانت تخلى َّ عن نطافِ المشاربِ

فجعتُ به غضَّ الهوى حاضرَ الجدي

جديدَ قميص الودّ سهلَ المجاذب

كأني على العهدِ القريبِ اعتلقتهُ

بطولِ اختباري أو قديم تجاربي

سددتُ فمَ الناعي بكفي تطيرا

و لويتُ وجهي عنه ليَّ مغاضبِ

و قلتُ تبينْ ما تقولُ لعلها

تكون كتلك الطائراتِ الكواذبِ

فكم غامَ من أخباره ثم أقشعتْ

سحابتهُ عن صالحِ الحالِ ثائبِ

فلما بدا لي السرُّ في كرَّ قوله

ربطتُ نوازي أضلعي بالرواجبِ

و ملتُ إلى ظلًّ من الصبر قالصٍ

قصيرٍ وظنًّ بالتجملِ كاذبِ

و نفسٍ شعاعٍ قد أخلَّ وقارها

بعادتهِ في النازلاتِ الصعائبِ

و عينٍ هفا الحزنُ الغريبُ بجفنها

فطاحَ ضياعا في الدموعِ الغرائبِ

أسائلُ عنه المجدَ وهو معطلٌ

سؤالَ الأجبَّ عن سنامٍ وغارب

و أستروحُ الأخبارَ وهي تسوءني

علائقَ منها في ذيولِ الجنائبِ

فيفصحُ لي ما كان عنه مجمجماً

و يصدقني ما كان عنه مواربي

فقيدٌ بميسانَ استوت في افتقاده

مشارقُ آفاق العلا بالمغاربِ

و قيدَ الحياءُ والسماحُ فأرجلا

عقيرينِ في تربٍ له متراكبِ

تنافثُ عن جمرِ الغضا نادباتهُ

كأنّ فؤادي في حلوقِ النوادبِ

بكتْ أدمعا بيضا ودمتْ جباهها

فتحسبها تبكي دماً بالحواجبِ

هوتْ هضبة ُ المجدِ التليدِ وعطلتْ

رسومُ الندى وانقضَّ نجمُ الكواكبِ

وردتْ ركابُ المخمسين بظمئها

تكدّ الدلاءَ في ركايا نواضبِ

و منْ يستبلُّ المسنتونَ بسيبهِ

فيرجعَ خضراً بالسنيين الأشاهبِ

و مولى كشفتَ الضيمَ عنه وقد هوى

به الذلُّ في عمياءَ ذاتِ غياهبِ

فلما رآك استشعرَ النصفَ واستوتْ

به رجلهُ في واضح متلاحبِ

و فيمن يصاغُ الشعرُ بعدك ناظما

عقودَ الثناءِ حاظياً بالمناقبِ .

و أين أخوك الجودُ من كف راغبٍ

إذا لم تكن قسامَ تلك الرغائبِ

و من ذا يعي صوتي ويعتدّ نصرتي

جهادا وودي من وشيج المناسبِ

برغميَ أنْ هبَّ النيامُ وأنني

دعوتكَ وجهَ الصبح غيرَ مجاوبِ

و أن لا ترى مستعرضا حاجَ رفقة ٍ

و لا سائلاً من أين مقدمُ راكبِ

و كنتُ إذا ما الدهرُ شلَّ معاطني

دعوتكَ فاستنفذتَ منه سلائبي

ذخيرة ُ أنسى يومَ يوحشني أخي

و بابي إذا سدتْ على مذاهبي

و كم من أخٍ برًّ وإن أنا لم أجدْ

كأنتَ أخاً في أسرتي والأجانبِ

سرى الموتُ من أوطانه في مآلفي

و نقبَ من أخلافهِ عن حبائبي

عجبتُ لهذي الأرض كيف تلمنا

لتصدعنا والأرضُ أمُّ العجائبِ

نطاردُ عن أرواحنا برماحنا

و نطربُ من أيامنا للحرائبِ

و تسحرنا الدنيا بشبعة ِ طاعمٍ

هي السقمُ المردى ونهلة ِ شاربِ

أحدثُ نفسي خاليا بخلودها

فأين أبي الأدنى وأين أقاربي

و لا كنتُ إلا واحداً من عشيرة ٍ

و لا باقيا في الناس إلا ابن ذاهب

فهل أنا أجبي من مقاول حميرَ

و أمنعُ ظهرا من مشيد ماربِ

و هل أخذتْ عهد السموءلِ لي يدٌ

من الموت أو عندي حنية ُ حاجبِ

أردّ شفارا عن نحورِ صحابة ٍ

كأنيَ دفاعٌ لها عن ترائبي

و لا علمَ لي من أيّ شقيَّ مصرعي

و في أيما أرضٍ يخطُّ لجانبي

إذا كان سهمُ الموتِ لا بدّ واقعا

فيا ليتني المرمى من قبلِ صاحبي

و يا ليتَ مقبورا بكوفان شاهدٌ

جوايَ وإن كانت شهادة َ غائبِ

و ليتَ بساط الأرض بيني وبينه

طوته على الأعضادِ أيدي الركائبِ

فعجبتُ عليه واقفاً فمسلما

و إن هوَ يفقهْ حديثَ المخاطبِ

و ليتَ طريفَ الودّ بيني وبينه

و إن طابَ يوماً لم يكن من مكاسبي

سلامٌ على الأفراح بعدك إنها

و إن عشتُ ليست إربة ً من مآربي

إذا دنس الحزنَ السلوُّ غسلتهُ

فعاد جديدا بالدموعِ السواكبِ

و إن أحدثتْ عندي يدُ الدهرِ نعمة ً

ذكرتك فيها فاغتدتْ من مصائبي

أداري عيونَ الشامتين تجلدا

و أبسمُ منهم في الوجوهِ القواطبِ

أريهم بأني ثابتُ الريش ناهضٌ

و تحت جناحي جانفاتُ المخالبِ

سقتكَ بمعتادِ الدموع مرشة ً

أفاويقُ لم تخدج بلمعة ِ خالبِ

يلوث خطافُ البرقِ في جنباتها

بهامِ الهضابِ السودِ حمرَ العصائبِ

لها فوق متنِ الأرض وهي رفيقة ٌ

بما صافحت وخدُ القرومِ المصاعبِ

ترى كلَّ تربٍ كان يعتاضُ ليناً

لها وغلاماً كلَّ أشمطَ شائبِ

إذا عممتْ جلحاءُ أرضٍ بوبلها

غدتْ روضة ً وفراءَ ذات ذوائبِ

و إن كان بحرٌ في ضريحك غانيا

بجماتهِ عن قاطراتِ السحائبِ