ينقصُني قمرٌ كيْ أعيشْ

نمر سعدي

إلى أُمِّي في غيابها

(1)

للقصائدِ مذبحةٌ في المساءِ خياليَّةٌ…

لا تمُتُّ إليَّ بأيِّ صِلةْ

ألفُ عوليسَ في تيهِ روحي يموتونَ…

لا من غناءٍ يشُدُّ الضلوعَ إلى من تحبُّ.. ولا بوصلَةْ

للقصائدِ مذبحةٌ في المساءِ

وأسئلةٌ دونها أسئلةْ

(2)

كانَ ينقصُني كيْ أُتمِّمَ هذا الغيابَ المُعلَّقَ

مثلَ التميمةِ في عنقِ أيلولَ

وردٌ من الماءِ

شمسٌ من اللازوردِ

فراشاتُ دمعٍ

ظلامٌ مُقفَّىً

ووقتٌ يصادقني في أعالي الأحاسيسِ

حبرٌ.. وشمعٌ نبيلٌ

وصبرٌ مُذابْ

كانَ ينقصُني كيْ أُتوِّجَ موتي الخصوصيَّ لا موتَ أمِّي

القليلُ من الشعرِ ينثرني في العراءِ المُضيءِ

ويُشعلُ ثلجَ دمي كالشهابْ

(3)

من أنا الآنَ في مشهدٍ جامدٍ….؟

قطعةٌ عالمي من رؤى لوحةٍ غابرةْ

يضيقُ بياني رويداً رويداً

وأفقُ خيالي يضيقُ

وكفَّايَ ترتميانِ على صخرةِ الآخرةْ

من أنا الآنَ في هذهِ الدائرةْ..؟

(4)

وأنا صامتٌ مثلُ عينينِ بحريَّتينِ

فمي بُلبلٌ ميِّتٌ

ودمي مُغلقٌ مثلُ آسٍ تعذِّبهُ الريحُ عندَ الهبوبِ

ومُحتشدٌ بالحنينِ لأنثى الترابْ

ليسَ يستلُّني قدَري من خطايايَ هذا الصباحَ

ويُوغلُ في النورِ صوتي إلى نجمةٍ في أقاصي الدموعِ

بزنبقتينِ وفجرٍ وبابْ

ويُوغلُ في النورِ بيتي إلى ما يشاءُ الطريقُ السحيقُ

ويرجعُ مخضوضراً بالأغاني التي لا تموتُ

ومُستسلماً لغرامِ الشبابْ

سأبكي بكاءَ الطيورِ على جنةٍ عاثَ فيها الخراب

(5)

كانَ ينقصُني قمرٌ كيْ أعيشَ

وكيما أُتمِّمَ هذا الغيابَ / الحضورَ

بلا أيِّ معنىً يخلُّ بمبنى العبارةِ

أو أيِّ لفظٍ يخلُّ بمعنى الكلامِ الجريحِ

كأنثى الحمامِ التي اندثرَت مثلَ نقطةِ ماءٍ

مذوَّبةٍ في عروقِ السماءْ

قمرٌ واحدٌ كانَ ينقصُني

كيْ أُتمِّمَ هذا الحضورَ / الغيابْ

(6)

قمرٌ على عينينِ صافيتينِ ينبضُ بالمحارِ

على حواشي القلبِ

ينكسرُ النهارُ على شفا عينيهِ

يقتلني كأيلولَ الذي أحببتُ منذُ نعومةِ الأشعارِ

يقتلني بشيءٍ من غموضِ الموتِ ملءَ مدى المكانِ

وملءَ ما في الوقتِ من صمتِ الحياةِ

ومن صُراخِ الروحِ فوقَ الكوكبِ المأفونِ…..

قُمتُ أشُدُّ ما في النفسِ من مِزَقٍ

لصاريتي فمالَ البحرُ فوقَ يدي

ودوَّخني بكاءُ العطرِ فوقَ نصاعةِ الأحلامِ…..

يرفعُني انهياري

ويُذيبُني دمعي..

كأنِّي في السماءِ عمودُ ملحٍ تائهٍ يبكي…

كأنَّ دموعَهُ ودموعَ قلبي

في المدى شفقُ البحارِ

(7)

تُعمِّدني لحظتي الفانيةْ

بماءِ انتباهِ الفصولِ وماءِ التعَبْ

فأغرقُ في لهفةٍ عاريةْ

لتقبيلِ ما في يدينِ ربيعيَّتينِ

من الحُبِّ والحدبِ والخيرِ والشعرِ

مُستسلماً لعبيرٍ يكونُ شفاءَ العَصَبْ

(8)

فجرٌ على عينينِ غارقتينِ في البلَّوْرِ

في أقصى دمائي

فجرٌ يجيءُ على جناحِ حمامةٍ بيضاءَ

من ضلعِ السماءِ

وبكلِّ أسبابِ البكاءِ اليومَ يُبكيني

ويزرعُ وردةً حمراءَ في أعلى بكائي

(9)

لا أستطيعُ رثاءَ أمِّي

لا لأني مصابٌ بالإغماءِ العاطفيِّ

والشعريِّ.. والوجوديِّ.. والسرياليِّ

لا أستطيعُ رثاءَ أمِّي

فقط لأنني أحببتُها حتى الجنونْ

ولأنها هيَ وحدَها من بينِ جميعِ الكائناتِ

في الكونِ من أحبَّتني بصدقْ

(10)

رحيلُ أمِّي جعلني أخلطُ الشعرَ بالنثرِ

والمنطقيَّ باللا منطقيّْ

والحياةَ بالموتِ

والعصافيرَ الزرقاءَ بالرصاصِ

والبحرَ باليابسةِ

والماءَ بالنارِ

ودمائي بالزهرِ

وصمتي بصراخي الأبديّْ

(11)

كأنِّي بغيرِ فمٍ لأخطَّ رثائي الأخيرَ

كأنِّي أجسُّ دمي لأحسَّ حياتي

التي يبسَتْ كعروقِ الغيومِ…

كأنِّي الذي ماتَ من دونِ قصدٍ

وشيَّعهُ العابرونَ إلى ما وراءِ الحقيقةِ..

ماذا أقولُ..؟

هل أقولُ غدي مُوحشٌ دونَ عينيكِ؟

أو سوفَ تقسو الحياةُ عليَّ إذنْ كالغريبْ؟

لا أجيدُ العبارةَ

لا أحتفي بنصاعةِ روحي

أنا الآنَ لا شيءَ يُرشدني نحوَ سرِّ الحنانِ

ولا شيءَ يُكملُني بالجمالِ

الذي غابَ خلفَ خريفٍ من الصمتِ…

من دونِ قلبٍ أحسُّ

وحُريَّتي لا تطاوعني..

هذهِ لحظةٌ من سديمِ العذابِ

وهذا ابتداءُ كتابِ الدموعِ وراءَ سماءٍ هُلاميَّةٍ

هذهِ لحظةٌ لا أُحاولُ إلاَّ قياساً لها

في جحيمي على هذهِ الأرضِ مخضوضراً بالسرابِ

كأنِّي الذي ماتَ من دونِ قصدٍ

وطافَ بهِ اللهُ أرضَ النعيمْ

كأنِّي تحوَّلتُ طيراً من الدمعِ.. أو سرَّ زنبقةٍ

من رمادِ الغيومْ

كأنِّي أمُدُّ يدي لأزيلَ غبارَ السديمِ

عن الروحِ في تيهها…….

(12)

الآنْ أعظمُ ما أشعرُ بهِ هو التعَبُ

التعَبُ الهائلُ

حتى أنني أشعرُ وكأنني أحملُ كلَّ صخورِ العالمِ

على ظهري وحدي

وأعبرُ بها محيطاتٍ لا سواحلَ لها

في كواكبَ أكبرَ من كوكبِ المرِّيخْ

(13)

آهِ ماذا سأفعلُ بعدكِ…

بعدَ الخريفِ الأليفِ

وبعدَ انطفاءِ الجمانِ على شجرِ الروحِ…

ماذا سأفعلُ من دونِ وردكِ..؟

لو لم تكوني انعكاساً بريئاً لقلبِ الملاكْ

آهِ ماذا سأفعلُ بعدكِ ماذا سأفعلْ..؟

(14)

ما الذي كانَ ينتابني من نداءِ الحبيبةِ

في زمهريرِ الحياةِ؟

أُسائلُ قلبي فيبكي بدمعٍ عصيِّ المهبِّ

على زرقةِ البحرِ….

آهِ.. أنا لمْ أُقطِّرْ ندى جرحِها في دمي….

لم أُهذِّبْ جنوني على قبرها بعدُ

أو أنعفِ الروحَ عاصفةً من زَهَرْ

(15)

تحترقُ على شفتيَّ آخرُ قُبلةٍ توَّجتُ بها رأسكِ

وتترمَّدُ أوصالُها في قلبي

تحترقُ عنقاءُ روحي إلى الأبدِ

على شاطئِ الأبديةِ

ويطيرُ رمادُها مع رياحِ سدومَ

في جهةٍ لا أعرفُها

(16)

الوحدةُ بعدَكِ تُشعلني كعودِ ثقابٍ

وترميني بعيداً بعيداً في الفضاءِ الهلاميِّ

الوحدةُ وحشٌ مفترسٌ يطاردني

في جنةِ الروحِ وحدي

وينهشُ قلبي المُتفتِّتَ بعدَ غيابكِ كالحجرِ الجيريِّ

الوحدةُ بعدكِ تكسرُني كرذاذِ الضوءْ

(17)

حزني قديمٌ عمرُهُ مليونُ عامْ

وغشاوةٌ حطَّتْ على عينيَّ مثلَ الطائرِ المنسيِّ

لا قلبي يُطاوعني على النسيانِ

لا لغتي ولا بحرُ الظلامِ

ولا الضحى الدُريُّ

لا أمسي ولا يومي

ولا كنـزُ البلاغةِ

لا أعالي الحُبِّ

لا العطرُ النبيلُ ولا الهيامْ

حزني قديمٌ عمرُهُ مليونُ عامْ

وعلى جميعِ الكائناتِ

على ربيعِ الأرضِ بعدَكِ وهو يذوي

كالجمالِ… وكالشتاءاتِ السلامْ

(18)

لم تُفدني الكُتُبْ

حولَ ما أبتغي في الردى والمنامِ الجميلْ

من علومٍ إلهيَّةٍ…

لم يُفدني دمي المُتبصِّرُ أيقونةً

في يدِ الموتِ مرهونةً

من دموعِ الذهَبْ

كأنَّ دمي جاءَ هذي الحياةَ بدمعٍ كَذِبْ

(19)

عبثٌ كلُّ ما في الحياةِ يعانقني

ثمَّ يطعنني بخطايا الكلامْ

عبثٌ كلُّ ما تحتَ هذي السماءْ

وحنينٌ مُضاءْ

برغبةِ أوجاعنا في المنامِ الجميلْ

………..

زهرةٌ ألمي… والرحيلْ

هوى فوقها مثلَ سيفٍ صقيلْ

(20)

قمرٌ على عينيكِ أزرقُ

مثلَ صوتِ البحرِ ينهضُ من بكائي

ويطيرُ كالعنقاءِ نحوَ اللهِ…..

تخفقُ فيهِ أحلامي التي احترقتْ بأكملها

على مرأى الضلوعِ

مُعذَّباً برؤى دمائي

قمرٌ يحطُّ على يديكِ

وبسمةٌ بيضاءُ من نيلوفرٍ تُنهي شقائي

(21)

أنا لا أُصدِّقُ موتكِ المرفوعَ

فوقَ الكرملِ المفجوعِ مثلي

لا أُصدِّقُ صمتكِ العالي

وتركَكِ قلبيَ المجنونِ يبحثُ في الأناشيدِ

المُقدَّسةِ البعيدةِ عنكِ

يسألُ في الدروبِ ولا مُجيبَ

مُطوَّقاً بلظى الحنينْ

الآنَ في الزمنِ العصيِّ على التأمُّلِ

في الزهورِ وفي العيونْ

(22)

قلبي سماءٌ من رمالٍ

وردةٌ حجريَّةٌ

نهرٌ يجفُّ نداؤهُ

صفةٌ لأنثى الصبحِ

عاطفةٌ تُفكِّرُ

روحُ أيلولَ

انتباهُ الطائرِ الدوريِّ

قُبرَّةٌ…. وسيفٌ من غمامْ

ضوءٌ خفيُّ الحزنِ يسكنُ في اختلاجاتِ الكلامْ

(23)

كفَّاكِ نعناعٌ يُسبِّحُ في الصباحاتِ الرخيَّةِ

خفقةٌ للماءِ

سرٌّ للمحارِ

ندىً تراكمَ فوقَ قلبي في مدى الصحراءِ

أغنيةٌ… ملاذٌ للدموعِ

بنفسجٌ للنورِ..

أجنحةٌ… وأسفارٌ لحزنِ الياسمينْ

(24)

عندما ماتتْ أمِّي تحوَّلتْ روحُها

إلى جوقةِ أطيارٍ تطيرُ على قابِ قُبلةٍ من رأسي

أينَما ذَهبْتُ

ولم أكُ أسمعُ في الليالي والأيامِ

التي سبقَتْ وأعقبَتْ موتَ أمِّي

إلاَّ رفيفَ الملائكةِ

وبسملةَ الكائناتِ

وتسبيحَ الكونْ

(25)

ظهورُ قصائدي مقصومةٌ كلُّها

وحدائقي الشعريَّةُ تأكلها النارُ

وقلبي مُثقلٌ بكلِّ حديدِ الأرضِ ودموعها

وصخرةٌ تربضُ فوقَ لساني إلى الأبدْ

وأنا كأنني تحوَّلتُ إلى روحٍ هائمةٍ

على وجهها في الشوارعِ الغريبةْ

(26)

سلامٌ على الماءِ في فمِ عصفورةٍ

وسلامٌ على روحِ أمِّي

سلامٌ على قبرها

وعلى حقلِ نيلوفرٍ وعلى داليةْ

تحملُ الشمسَ في وجنتيها

سلامٌ على عودةِ العاملينَ

إلى الأمِّ والزوجةِ الحانيةْ

سلامٌ على بهجةِ الصُبحِ فيَّ وبسمتهِ الصافيةْ

على شفتيَّ

سلامٌ على لغتي

وسلامٌ على ما يضيعُ من الروحِ

في غمرةِ الجمرةِ العاريةْ

سلامٌ عليَّ

على قمرٍ مثلَ طفلٍ يتيمٍ على الرابيةْ

(27)

أُحاولُ تضميدَ جرحي بجرحِ الحبَقْ

وما يختفي من كلامي وراءَ ضبابِ القلَقْ

أُحاولُ أن أملأَ القلبَ بالقبلاتِ العصيَّةِ…

لكنَّ قلبيَ أمسِ احترَقْ

أُحاولُ أن أجعلَ الأرضَ طائرةً من ورَقْ

(28)

أغرفُ الصمتَ من قاعِ بئرِ الحياةِ

أصبُّ لنفسي قليلاً

فيا حبَّذا كانَ صبري جميلا

فقد ينفعُ الحبُّ نفسي فتيلا

أغرفُ الصمتَ أروي ضلوعي بهِ

غيرَ أنَّ الحرائقَ في الروحِ تزدادُ

والجمرُ يزدادُ طُهراً نبيلا

أغرفُ الصمتَ يقتلني

كانَ خيراً لنفسيَ أو كانَ شرَّاً وبيلا

(29)

تكسَّرَ معراجُ قلبي وقايضتُ روحي

التي مرضَتْ ببياضِ الأهلَّةْ

درتُ كالثورِ أعمى

رحايَ الليالي التي انبثقتْ من ضلوعيَ

بيضاءَ بيضاءَ مثلَ دموعِ السماءِ على وجهِ فُلَّةْ

تكسَّرَ معراجُ قلبي وحدَّقتُ فيما يقولُ البنفسجُ

من لذعِ جمرٍ وراءَ عيوني

ينامُ كأنهارِ شوقٍ دفينِ

كأحلامِ صيفٍ وراءَ دمي مضمحلَّةْ

……………….

تُصبحينَ على وجهِ ربِّي

تُصبحينَ على ألفِ قُبلةْ

(30)

تكسَّرَ معراجُ قلبي ولمْ أكُ أعرفُ

أنِّي على موعدٍ باذخٍ مع بكاءٍ مؤجَّلْ

أفي لحظةٍ حيَّةٍ يرحلُ النورُ عن جنَّتي

وتموتُ الطبيعةُ فيَّ وتنتحرُ الكائناتُ الجميلةُ…

تنحلُّ في الضوءِ… تنحلُّ في قاعِ هاويةِ الليلِ

مثلَ السَمندَلْ

كلُّ شيءٍ سوى غدرِ أيلولَ بي

بعدَ طولِ وفاءٍ لهُ ولأشيائهِ

ألفُ سهلٍ وأسهلْ

كلُّ شيءٍ سوى غدرِ أيلولَ بي

ألفُ سهلٍ وأسهلْ

آهِ… تذوينَ حُبَّاً على بُعدِ أيقونةٍ من دمي

من وفائي ومن وردِ عينيَّ

من شعلةِ الروحِ فيَّ…

على بابِ أيلولَ أرفعُ أبهى الجنانِ على كتفيَّ

ووحديَ أذبُلْ

(31)

ذاتَ ليلٍ هناكَ وراءَ الفضاءِ المُضاءِ بروحكِ

شاهدتُ رعشةَ نجمٍ فأيقنتُ

أنَّكِ أصبحتِ ضوءاً وماءً هناكْ

هناكَ وراءَ رذاذِ الضياءِ

وراءَ السماءْ

ذاتَ ليلٍ هناكَ على سقفِ بيتي

تحومُ الطيورُ الأليفةُ حولي

فأعلمُ في سرِّ نفسي بأيِّ قداسةِ روحٍ

تحومُ الطيورُ الأليفةُ حولي

ويخضلُّ ليلي

ذاتَ ليلٍ على بُعدِ تنهيدةٍ من فمي

درتُ كالثورِ أعمى

على أفقٍ مخمليِّ الحنانِ

وأيقنتُ أنَّكِ منِّي على قابِ قُبلةْ

على بُعدِ تنهيدةٍ من فمي……

(32)

سيأتي زمانٌ وأبكي إلى أن تجفَّ الدموعُ الأخيرةُ…

أو تيبَسَ الأغنياتْ

سيأتي زمانٌ بهِ سوفَ ينطقُ حزني الحبيسُ بلا كلماتْ

سيأتي زمانٌ…..

ويحترقُ القلبُ بالقُبلاتْ

(33)

عينايَ حافيتانِ في حقلِ الرؤى المفروشِ

بالأشواكِ والنيرانِ

وجهي فوقَ هاويةِ الشتاءِ فراشةٌ عمياءُ

تبحثُ عن أمانِ اللهِ في يومِ الحسابْ

عينايَ حافيتانِ في حقلِ السرابْ

(34)

عينايَ حافيتانِ عاريتانِ

إلاَّ من جراحِ الموتِ

من أبهى الصراخِ على شفيرِ الصمتِ

بوصلتي ذوَتْ كالوردِ

ثمَّ تهاوتِ الأضلاعُ في الريحِ العقيمةِ كاليبابْ

عينايَ حافيتانِ عاريتانِ في الشفقِ المُذابْ

(35)

من يصطفي قمَري؟

ومن يتسلَّقِ الألحانَ في أعلى الرثائيَّاتِ

من فيكمْ يزوِّجُ دمعتي لبُكا أرميا الصرفِ

من يمشي بنرجستينِ واثقتينِ فوقَ السيفِ

يمسحُ دمعَ هذا الصيفِ

عن وجهِ القصيدةِ والسحابْ..؟

(36)

فكرتي ليسَ تُسندني مثلما تسندُ الأرضَ قطرةَ ماءْ

وفي مهجتي شعلةٌ من نصاعةِ هذا الظلامْ

وفيَّ نداءٌ غريبُ الوفاءِ لهذي الحياةْ

نداءٌ غريبٌ يقولُ بأنِّي عققتُ الحياةَ التي ولدتني

عققتُ الحياةَ بكاملِ فتنتها…

منذُ شهدِ الطفولةِ شُرِّدتُ من جنَّتي

دونَ أيِّ خطايا

سوى إرثِ حزني الثقيلِ

كما كوكبٍ من صخورٍ

أجرجرهُ في مهبِّ الحنينْ

وحيداً ….. وتسحقني فكرتي

(37)

تطايرَ نثري الذي لم أقلهُ

على سطحِ هذا الفراغِ اللعينْ

تطايرَ مثلَ الرسائلِ مثلَ الخطى الذاهباتِ

إلى باطنِ المعصيةْ

تطايرَ نثري المُلوَّنُ مثلَ الحمامِ على الأقبيةْ

(38)

أُكفكفُ دمعي عن القلبِ والمقلتَينْ

أُكفكفُ جمري عن الوجنتَينْ

وأُخفضُ رأسي

كسيراً غريباً

وحيداً… طريداً… شريداً

كمَنْ خسَرَ الجنَّتينْ

ندائي رياحٌ جنوبيَّةٌ

وبكائي رمالٌ على الضفَّتينْ

(39)

أُهذِّبُ نيرانَ حزني وأجنحةَ العاطفةْ

أُرتِّبُ أوراقَ هذا الخريفِ

التي في دمي نعَفتها يدُ العاصفةْ

أُهذِّبُ في طيَرانِ الحمامِ

خطايَ بأشواقها نازفةْ

(40)

أتسلَّقُ أشجارَ الليلِ المرجانيَّةْ

وأسقطُ من أعلى نجمةِ قلبي

أتسلَّقُ هاويةً في أقصى حُبِّي

وأسقطُ ملفوفاً بدمي الأبيضِ كالثلجْ

من يرفعُ عن صدري صخرةَ أحلامي؟

من في شعراءِ الأرضِ جميعاً يشرحُ ما في النفسِ

من الهمِّ العاري

أو يصفُ اللوعةَ في قلبي الواري؟

من في الناسِ جميعاً يرثيني

أو يبكيني …؟

أو يرفعُ عن صدري الصخرة؟

أو يُطلقُ من قلبي الفكرة..؟

(41)

سأهرعُ كالدوريِّ المُعذَّبِ إلى فضاءِ الموسيقى

لعلَّها ترفو جراحَ التأمُّلِ والذكرى

سأهرعُ نحوَ البحارِ الزرقاءِ الصافيةِ

كعينَيْ شاعرةٍ إغريقيَّةٍ

فكُلُّ ما على هذهِ الأرضِ

فزَّاعاتُ طيورٍ

وفزَّاعاتُ بشَرْ

(42)

تحوَّلَ قلبي إلى دمعةٍ كبيرةٍ

معلَّقةٍ على أهدابِ الكونْ

وتحوَّلتُ أنا إلى قطعةِ موسيقى حزينةٍ

أو وردةٍ مجففَّةٍ في كتابِ الحياةْ

تحوَّلَ قلبي إلى سفينةٍ ضائعةٍ

في محيطٍ لا آخرَ لهُ

فهلْ من حبالٍ رخاميَّةٍ بيضاءَ أو خضراءَ

تشدُّني إلى القمرِ المعلَّقِ في خيالي..؟

آهِ من تلكَ اللحظاتِ التي

كانتْ أشدَّ وقعاً من قبيلةٍ من السيوفْ

(43)

كأنني كنتُ سنبلةً على شفا المقصلةْ

أو صرخةَ ماءٍ في فمِ صحراءٍ قاحلةٍ قاتلةْ

كأنني صرتُ نجمةً صخريةً

أو يداً بلا أصابعَ

أو رمادَ قبلةٍ طائراً في الريحِ السوداءْ

(44)

للقصائدِ مذبحةٌ تتأرجحُ في آخرِ الكلماتِ

وفي أوَّلِ الريحِ

لي ما يقولُ المغنِّي

شذى شفقٍ مُمطرٍ

خيطُ حلمٍ رفيعٍ تسلَّلَ من فجوةِ اللحنِ

بعضُ التأمُّلِ في الليلِ والناسِ

أنثى السكينةِ

ذاكرةُ الأرجوانْ

للقصائدِ مذبحةٌ في الخيالِ المجرَّدِ

والواقعِ الشاعريِّ

وليسَ لنا نحنُ جرحى الزمانِ وصرعاهُ

إحصاءُ نصفِ الضحايا

وتخليصُ أجسادنا من قيودِ المرايا

كأنَّا التماثيلُ في لوحةِ الملحمةْ

(45)

حزني طفلٌ جميلُ الشغبِ والعينينْ

ربَّتهُ الليالي الخضراءْ

منذُ ابتداءِ الخليقةِ إلى الآنْ

فكيفَ سأتخلَّى عنهُ في لحظةٍ واحدةٍ

وبدونِ أيَّةِ مقدِّماتٍ قصيرةٍ للوداعْ..؟

(46)

إلى متى أسألُ الكتبَ القديمةَ والجديدةَ

والبشرَ البسطاءَ

والشعراءِ المرموقينَ

ونفسي

وكلَّ ما في الكونِ من كائناتٍ بريئةٍ

وملائكةٍ

وأشجارٍ

عن ماهيَّةِ النسيان..؟

(47)

سأتركُ دمعي على بسمةِ الصبحِ

مثلَ المحارِ العجيبِ

وأستلُّ من ضلعِ صدري

صدى ألفِ جيتارةٍ…

وحوريَّةً للنحيبْ

……………..

في الشرايينِ ترجيعُ نايٍ

يخيطُ إلى شفتي بُرعماً من لهيبْ

في الشرايينِ تسبيحُ نيلوفرٍ

وشفاهي كتابْ

لعائلةِ الوردِ….

صلصالُ قلبي لظىً في ضبابٍ

لظىً في ضبابْ…..

قصيدةٌ كُتبتْ من أيلول إلى كانون أوَّل عام 2009