مختارات من شعر جميل بثينة

جميل معمر


قافية الهمزة

أتاركتي للموت أنت فميّت * * * وعندكِ لي، لو تعلمين، شفاؤها
لقد أورَثَتْ قلبـي وكان مصحـحـا * * * بثينـةُ صدغا يـوم طار رداؤهـا
إذ خَطَرَتْ من ذكر بـثـنـة خطرةٌ * * * عصتني شؤون العين فانهلّ ماؤها
فإن لم أزرها عادني الشوق والهوى * * * وعاود قلـبـي من بثينـة داؤها
وكيف بنفـس أنتِ هيّجتِ سقمهـا * * * ويمنع منها يـا بثيـن شفـاؤهـا
لقد كنت أرجـو أن تجـودي بنائل * * * فأخلف نفسـي من جداك رجاؤهـا
فلو أن نفسـي يا بثيـن تطيعـني * * * لقد طال عنكم صبرهـا وعزاؤهـا
ولكن عصتـني واستبدّت بأمرهـا * * * فأنتِ هـواهـا يا بثيـن وشاؤها
فأحيي –هداك الله- نفسـاً مريضةً * * * طويـلاً بكم تهْيامُها وعـنـاؤهـا
وكم وَعَدَتْنا من مواعد –لو وفـت * * * بوأيٍ- فلم تنجَزْ قليـلٍ غنـاؤهـا
وكم لي عليها من ديـونٍ كثيـرةٍ * * * طويـلٍ تقاضيهـا بطيءٍ قضاؤهـا
تجـود بـه في النّـوم غير معرّدٍ * * * ويحـزن أيقاظـاً عليها عطاؤهـا

قافية الباء

تعالي نَبِعْ في العام يا بثن ديننا * * * بدنيـا فإنا قابلا سنـتـوب
فقالت : لَعَـنَّا يا جميـل نبيعه * * * وآجالنا من دون ذاك قريـب

وأول ما قاد المـودّة بينـنـا * * * بوادي بغيضٍ يا بثين سِبابُ
وقلت لها قولاً ، فجاءت بمثله * * * لكل كـلامٍ يا بثيـن جوابُ

ألا أيّها النـوّام وَيْحَـكُمُ هُبّوا * * * أُسائِلُكُمْ هل يَقْتُلُ الرّجلَ الحُبُّ؟
فقالوا : نعم حتّى يَسُلَّ عظامه * * * ويتركه حيـران ليس له لُـبُّ

أعاتب من يحلو لديّ عتابه * * * وأترك من لا أشتهي وأجانبه

ارحميني فلقد بليت فحسبي * * * بعض ذا الدّاء يا بثينة حسبي
لامني فيك يا بثينة صحبي * * * لا تلوموا لقد أقرح الحب قلبي
زعم النـاس أن دائي طبّي * * * أنـتِ والله يا بثيـنـة طبّي

وقالوا: يا جميل أتى أخوها * * * فقلت أتى الحبيبُ أخو الحبيبِ

قافية التاء

حلفـت يمينـا يا بثينـة صادقـا * * * فإن كنت فيها كاذبـا فَعَميتُ
إذا كان جلـد غير جلـدكِ مسّني * * * وباشرني دون الشّعار شريتُ
حلفـت لهـا بالبدن تدمى نحورها * * * لقد شَقِيَتْ نفسي بكم وعنيتُ
ولو أن راقي الموت يرقي جنازتي * * * بمنطقها في الناطقين حييتُ
وما بكتِ النساء على قتيلٍ * * * بأشرفَ من قتيل الغانياتِ

قافية الحاء

حلفت لكي تعلمن أني صادق * * * وللصدق خير في الأمور وأنجح
لتكليم يـوم من بثينـة واحد * * * ورؤيتهـا عندي ألـذ وأملـح
من الدهر لو أخلو بكنّ وإنما * * * أعالج قلبـا طامحا حين يطمح

وبثنـة قد قالت و كل حديثها * * * إلينا ولو قالت بسـوء مملـح
رجال ونسـوان يودون أنني * * * وإياكَ نخزى يابْن عمي ونفضح
وحولي نساء إن ذُكِرْتُ بريبة * * * شمتـن وما منهن إلا سيفـرح
أتقرح أكباد المحبيـن كالذي * * * أرى كبدي من حـب بثنة يقرح
فوالله ثـم الله إني لصـادق * * * لذكرك في قلبـي ألـذ وأملـح

هل الحائم العطشان مسقًى بشربة * * * من المزن تروي ما به فتريح
فقالت: فنخشى إن سقيناك شربة * * * تخبِّر أعـدائـي بهـا فتبـوح
إذن فأباحتني المنـايـا و قادني * * * إلى أجلي عضب السلاح سفوح

أظل نهـاري لا أراهـا وتلتقي * * * مع الليل روحي في المنام وروحها
فهل لي في كتمان حبي راحة ؟ * * * وهل تنفعني بوحـة لو أبـوحهـا

قافية الدال

أقـول ولما تجز بالـود طائلا * * * جزى الله خيـرا ما أعف وأمجـدا
فقالت: بغيري كنت تهتف دائبا * * * وكنت صبـورا للغـواني مصيـدا
فقلت: فمن ذا تيّم القلب غيركم * * * وعوّده غيـر الذي كـان عـوّدا
فقالت لتربيها لتصديق قولهـا: * * * هلما اسمعها منه المقالة واشهدا
فقالت: وهل في ذاك بأس وإنما * * * أريـد لكيما تسعـداني وتحمـدا

لا لا أبوح بحب بثنة إنها * * * أخذت علي مواثقا وعهودا

حلّـت بثينة من قلبـي بمنزلة * * * بين الجوانح لم ينزل بها أحد
يا ليتنا – والمنى ليست مقربة * * * أنا لقيناك والأحراس قد رقدوا
فيستفيـق محـبّ قد أضرّ به * * * شوق إليك ويشفى قلبه الكمد
وعاذلون لَحَوني في مودّتهـا * * * يا ليتهم وجدوا مثل الذي أجد

إذا قلتُ: ما بي يا بثينـة قـاتـلـي * * * من الوجـد، قالت: ثابت ويزيد
وإن قلتُ: ردّي بعض عقلي أعش به * * * مع الناس، قالت: ذاك منك بعيد
فمـا ذُكـر الخـلان إلا ذكـرتـهـا * * * ولا البخل إلا قلتُ: سوف تجود
إذا فكرَتْ قـالـت : قد أدركـت ودّه * * * وما ضرّني بخـلٌ ففيم أجـود
علقت الهـوى منهـا وليـدا فلم يزل * * * إلى اليوم ينمي حبّهـا ويزيد
يمـوت الهـوى مني إذا ما لقيتهـا * * * ويحيـا إذا فارقتـهـا فيعـود
يقولـون جاهـد يا جميـل بغـزوة * * * وأي جهـاد غيـرهـن أريـد

ونغّص دهر الشّيب عيشي ولم يكن * * * ينغّصه إذ كنت والرأس أسود
نخصّ زمـان الشّيـب بالذّم وحده * * * وأي زمـان يا بثينـة يحمـد

ليت شعري أجفوة أم دلال * * * أم عـدوّ أتى بثنـة بعـدي
فمريني أطعك في كل أمر * * * أنت واللهِ أوجه الناس عندي

يكاد فضيض الماء يخدش جلدها * * * إذا اغتسلت بالماء من رقة الجلد

فلا تكثرا لومي، فما أنا بالذي * * * سننت الهوى في الناس أو ذقته وحدي

قافية الراء

ومما شجاني أنها يـوم ودّعـت * * * تولّت وماء العين في الجفن حائر
فلمّا أعـادت من بعيـد بنظـرة * * * إليّ التفاتا أسلمتـه المحـاجـر
يقولون لا تنظـر وتلـك بليّـة * * * بلى كلّ ذي عيـن لا بدّ نـاظـر
أُلامُ إذا حنّت قلوصي من الهوى * * * ولا ذنب لي في أن تحـنّ الأباعر

والحـب أول ما يكون لجـاجـة * * * تأتي به وتسوقه الأقـدار
حتى إذا اقتحم الفتى لجج الهوى * * * جاءت أمور لا تطاق كبار

لا والذي تسجد الجباه له * * * ما لي بما دون ثوبها خبر
ولا بفيها ولا هممت بـه * * * ما كان إلا الحديث والنّظر

أقلّب طرفي في السّماء لعله * * * يوافق طرفي طرفها حين تنظر

إني عشيّة رُحْتُ وهي حزينة * * * تشكو إليّ صبابة لصبور
وتقول: بِتْ عندي فديتك ليلة * * * أشكو إليك فإنّ ذاك يسير
غرّاء مبسـام كأن حديثهـا * * * درّ تحدّر نظمـه منثـور
لا حسنها حسـنٌ ولا كدلالها * * * دلٌّ ولا كوقارها توقيـر

ألا قاتل الله الهوى كيف قادني * * * كما قيد مغلول اليدين أسير

وكان التفرّق عند الصباح * * * عن مثل رائحة العنبر
خليـلان لم يقربا ريبـة * * * ولم يستخفا إلى المنكر

يقولـون: مسحـور يجنّ بذكرها * * * فأقسم ما بي من جنون ولا سحر
* * *
تجـود علينـا بالحديـث وتـارة * * * تجود علينا بالرضاب من الثّغـر
فلو سألـت مني حيـاتي بذلتهـا * * * وجدت بها إن كان ذلك من أمري
هي البـدر حسنا والنساء كواكب * * * وشتّان ما بين الكواكـب والبـدر
بقد فُضِّلتْ حُسْنا على الناس مثلما * * * على ألف شهرٍ فُضِّلتْ ليلة القدر

عليها سلام الله من ذي صبابـة * * * وصبّ معنّى بالوسـاوس والفكـر
مضى لي زمـان لو أخيّر بينـه * * * ويبن حياتي خـالدا آخـر الدهـر
لقلـت: ذروني سـاعـة وبثينـة * * * على غفلة الواشين ثم اقطعوا أمري
مفلّجـة الأنيـاب لـو أن ريقهـا * * * يُداوى به الموتى لقاموا من القبـر
إذا ما نَظَمْتُ الشّعْرَ في غير ذكرها * * * أبى وأبيها أن يطـاوعني شعـري

وآخر عهدٍ لي بها يوم ودّعـت * * * ولاح لها خـدّ مليـح ومحجـر
عشّية قالـت لا تضيعنّ سرّنـا * * * إذا غبت عنّا وارعه حين تدبـر
وطرفـك إما جئتنـا فاحفظنّـه * * * فزيغ الهـوى باد لمن يتبصّـر
وأعرض إذا لاقيت عينا تخافها * * * وظاهـر ببغـضٍ إن ذلك أستـر
فإنك إن عرّضت بي في مقالـة * * * يزد في الذي قد قلت واشٍ مكثّر
وينشر سرّاً في الصديق وغيره * * * يعزّ علينا نشـره حيـن ينشـر
وما زلت في إعمال طرفك نحونا * * * إذ جئت حتى كاد حبّـك يظهـر
لأهليَ حتى لامنـي كل ناصـح * * * شفيـق لـه قربى لدينـا وأيصر
وقطّعني فيك الصديـق ملامـة * * * وإني لأعصي نهيهـم حين أُزْجَر
وما قلـت هذا فاعلمـنّ تجنّبـا * * * لصرم ولا هذا بنـا عنـك يقصر
ولكنني –أهلي فـداءك- أتقـي * * * عليك عيـون الكاشحيـن وأحذر
وأخشى بني عمّي عليـك وإنما * * * يخـاف ويبقي عرضـه المتفكّر
وأنت امرؤ من أهل نحد وأهلنا * * * تهـام ومـا النجـدي والمتغـوّر
غريـب إذ ما جئت طالب حاجة * * * وحولي أعـداء وأنـت مشهّـر
وقد حدّثوا أنا التقينا على هوى * * * فكلهـم من حمله الغيـظ موقـر
فقلت لها: يا بثن أوصيت حافظا * * * وكل امـرئ لم يرعه الله معـور
فإن تك أم الجهم تشكي ملامـة * * * إليّ فما ألفـي من اللـوم أكثـر
سأمنح طرفي حين ألقاك غيركم * * * لكيما يروا أن الهـوى حيث أنظر
وأكني بأسمـاء سـواك وأتقي * * * زيـارتكـم والـحـبّ لا يتغيّـر
فكم قد رأينـا واجـدا بحبيبـه * * * إذا خاف يبدي بغضه حين يظهر

قافية العين

ديـار ليـلى إذ نحلّ بهـا معـا * * * وإذ نحن منها بالمودّة نطمـع
إلى الله أشكو لا إلى الناس حبها * * * ولا بد من شكوى حبيب يروّع
ألا تتقيـن الله فيمـن قتلـتـه * * * فأمسى إليكم خاشعـا يتضـرّع
فإن يك جثمـاني بأرض سواكم * * * فإن فـؤادي عندك الدهر أجمع
ألا تتقين الله في قتـل عاشـق * * * لـه كبـد حرّى عليـك تقطّـع
فيا ربّ حببنـي إليهـا وأعطني * * * المـودّة منها أنت تعطي وتمنع
وإلا فصبّرني وإن كنت كارهـا * * * فإني بها يـا ذا المعارج مولـع
تمتّعْتُ منها يوم بانـوا بنظـرة * * * وهل عاشـقٌ من نظـرةٍ يتمتّع

كفى حزنا للمرء ما عاش أنه * * * ببين حـبـيـب لا يـزال يـروّع
فوا حزني لو ينفع الحزن أهله * * * ويا جزعي إن كان للنفس مجزع
فأي قلـوب لا تذوب لما أرى * * * وأي عيـون لا تجـود فتـدمـع

أبت مقلتـي كتمان ما بي وبيّنت * * * مكان الذي أخفي وفـاض المدامع
غداة لقيناهـا على غير موعـد * * * بأسفـل خيـم والمطيّ خواضـع
وأومت بجفن العين واحتار دمعها * * * لتقتلنـي مملوحـة الـدّلّ مانـع
كمت دمعها عين الصحيح وبيّنت * * * مكان ذوي الشوق العيون الدوامع
ورقرقت دمـع العيـن ثم ملكته * * * مجال القذى فالدمع في الجفن ناقع
أحقّا عبـاد الله أن لست زائـرا * * * بثينـة إلا أُصْغِيَتْ لي المسـامـع
وإلا عدانـي دون بثنـة أعيـنٌ * * * حـداد ولامتها النسـاء الهلامـع

قافية الفاء

أتاركتي للمـوت أنـت لميّـتٌ * * * وعندك لي لو تعلميـن شفـا
فوا كبدي من حبّ من لا يحبّني * * * ومن عثـرات ما لهن شفـا

فما سرت من ميل ولا سرت ليلة * * * من الدهر إلا اعتادني منك طائف
ولا مرّ يوم مذ ترامت بكِ النـوى * * * ولا ليلـة إلا هـوى منك رادف
أهـمّ سلـوّا عنـك ثـم تردّنـي * * * إليك وتثنيني عليـك العواطـف
فلا تحسبنّ النـأي أسلى مودتـي * * * ولا أن عيني ردّها عنك عاطف
وكم من بديـل قد وجدنا وطرفـة * * * فتأبى عليّ النفس تلك الطرائف

قافية اللام

بثينة من صنف يقلّبن أيدي * * * الرماة وما يحملن قوسـا ولا نبلا
ولكنما يظفرن بالصيـد كلما * * * جلون الثنايا الغر والأعين النجلا
يخالسن ميعادا يرعن لقولها * * * إذا نطقـت كانت مقالتها فصـلا

وقالوا: تراها يا جميل تبدّلت * * * وغيّرها الواشي فقلت: لعلها

أظن هواها تاركي بمضيعة * * * من الأرض لا مال لديّ ولا أهل
ولا أحد أوصي إليه وصيّتي * * * ولا وارث إلا المطيّة والرّحـل

تصدّ إذا ما النّاس بالقول أكثروا * * * علينا وتجري بالصّفـاء الرسائل
فإن غفل الواشون عدنا لوصلنا * * * وعاد التّصـافي بيننا والتّراسـل
فيا حسنها إذ يغسل الدمع كحلها * * * وإذ هي تذري الدّمع منها الأنامل
عشيّة قالت في العتاب : قتلتني * * * وقتلـي بما قالـت هناك تحـاول
فقلت لها: جودي! فقالت مجيبة * * * أللجدّ هذا منك أن أنـت هـازل؟
لقد جعل الليل القصيـر لنا بِكُمْ * * * عليّ لروعات الهـوى يتطـاول
ألا رُبَّ لاحٍ لو بلا الحبّ لم يَلُمْ * * * ولكنته من سورة الحـب جاهـل

فما هكذا أحببت من كان قبلها * * * ولا هكذا فيما مضى كنت تفعل
فيا قلـب دع ذكرى بثينة إنها * * * وإن كنت تهواها تضنُّ وتبخل

فما غاب عن عيني خيالك لحظة * * * ولا زال عنها والخيال يزول

أتتني و العـوائـد مسنداتي * * * فقالت: صحّ جسمك يا جميل
فقلت لها: وأنت جزيت خيرا * * * فأنت العائد الحَسَنُ الجميـل

ألا ليت قلبي عن بثينة يذهل * * * ويبدو له الهجران أو يتبدّل

أريد لأنسى ذكرها فكأنما * * * تمثّل لي ليلى بكل سبيل

ولو أن ألفاً دون بثنة كلهم * * * غيارى وكل حارب مزمع قتلـي
لحاولتها إما نهارا مجاهرا * * * وإما سرى ليل ولو قطعت رجلي

فلا تقتليني يا بثين ولم أصب * * * من الأمر ما فيه يحِلّ لكم قتلـي
فأنت لعينـي قرّة حين نلتقي * * * وذكرك يشفيني إذا خدرت رجلي

يقولون: مهلا يا جميـل وإنني * * * لأقسم ما لي عن بثينـة من مهـل
إذا ما تراجعنا الذي كان بيننـا * * * جرى الدمع من عيني بثينة بالكحل
فلو تركت عقلي معي ما طلبتها * * * ولكن طلابيها لما فات من عقلـي
خليليّ فيما عشتما هل رأيتمـا * * * قتيـلا بكى من حـبّ قاتلـه قبلي

ولست على بذل الصفاء هويتها * * * ولكن سبتني بالدّلال مع البخل

أيا ريح الشمـال أما تريني * * * أهيم وأنني بادي النحول
هبي لي نسمة من ريح بثنٍ * * * ومُنّي بالهبوب إلى جميل
وقولي يا بثينة حسب نفسي * * * قليلك أو أقل من القليـل

وإني ليرضيني قليل نوالكم * * * وإن كنت لا أرضى لكم بقليل

أشاقتـك المعـارف والطلول * * * عَفَوْنَ وخفّ منهـنّ الحمـول
نعم فذكـرت دنيـا قد تقضّت * * * وأيّ نعيـم دنـيـا لا يـزول
أسائـل دار بثنـة أين حلّـت * * * كأن الـدار تخبـر ما أقـول
فمـن هـذا يبلّغهـا رسـولاً * * * كذاك لكـل ذي حاج رسـول
فيسألهـا وينظـر هل إليهـا * * * لخلـوة ساعـة منها سبيـل
وقلت لها: اعتللت بغير ذنـب * * * وشرّ الناس ذو العلل البخيـل
ففاتيني إلى حَكَـمٍ من اهلـي * * * وأهلـك لا يحيـف ولا يميـل
فقالـت: أبتغي حكما من اهلي * * * ولا يدري بنا الواشي المحول
فولّينـا الحكومـة ذا سجوف * * * أخـا دنيـا له طـرف كليـل
فقلنـا: ما قضيـت به رضينا * * * وأنت بما قضيـت بـه كفيـل
قضـاؤك نافـذ فاحكـم علينا * * * بما تهـوى ورأيـك لا يفيـل
فقلـت لـه: قُتِلْتُ بغير جـرم * * * وغِبُّ الظلـم مرتعـه وبيـل
فسل هذي: متى تقضي ديوني * * * وهل يقضيك ذو العلل المطول؟
فقالـت: إن ذا كـذب وبطـل * * * وشـرّ من خصومتـه طويـل
أأقلتـه ومـا لي من سـلاح * * * ومـا بي لـو أقاتلـه حويـل؟
ولـم آخـذ لـه مـالا فيلفى * * * لـه ديـن علـيّ كمـا يقـول
وعند أميـرنا حكـم وعـدل * * * ورأي بعـد ذلـكـم أصـيـل
فقال أميـرنا: هاتوا شهـودا * * * فقلـت: شهيـدنا الملك الجليل
فقـال يمينهـا وبذاك أقضي * * * وكـل قضائـه حسـن جميـل
فبتّت حلفـة مـا لي لديهـا * * * نقـيـر أدّعيـه ولا فـتـيـل
فقلت لها وقد غلب التّعزّي : * * * أما يُقضى لنا يا بثـن سـول؟
فقالـت ثم زجّت حاجبيهـا * * * أطلت ولسـت في شيء تطيـل
فلا يجدنّك الأعـداء عنـدي * * * فتثـكـلنـي وإيـاك الثكـول

أبثين إنك قد ملكـت فأسجحي * * * وخذي بحظّك من كريـم واصل
فلربّ عارضـة علينا وصلها * * * بالجـدّ تخلطه بقـول الهـازل
فأجبتهـا بالقـول بعد تستّـر * * * حبّي بثينة عن وصالك شاغلي
لو كان في صدري كقدر قلامة * * * فضـل وصلتك أو أتتك رسائلي
ويقلن: إنك قد رضيـت بباطل * * * منها فهل لك في اجتناب الباطل
ولبـاطل ممن أحـبّ حديثـه * * * أشهى إليّ من البغيـض الباذل
ليزلن عنك هـواي ثم يصلنني * * * وإذا هويـت فما هـواي بزائل
صادت فؤادي يا بثين حبـالكم * * * يوم الحجون وأخطأتـك حبائلي
منّيتنـي فلويت مـا منّيتنـي * * * وجعلت عاجل ما وعدت كآجـل
وتثاقلـت لما رأت كلفي بهـا * * * أحبـب إليّ بـذاك من متثاقـل
وأطعـت فيّ عواذلا فهجرتني * * * وعصيت فيك وقد جهدن عواذلي
حاولنني لأبتّ حبـل وصالكم * * * مني ولست وإن جهـدن بفاعـل
فرددتهنّ وقد سعيـن بهجركم * * * لمّا سعيـن لـه بأفوق ناصـل
يمشيـن حول عقيلة منسوبة * * * كالبـدر بيـن دمالـج وخلاخـل
نصح الحميم يجول في أقرابها * * * حول الحباب إلى الحباب الجائل
يعضضن من غيظ لعيّ أنامـلا * * * ووددت لو يعضضن صمّ جنادل
ويقلـن : إنك يا بثين بخيلـة * * * نفسي فـداءك من ضنين باخل
ولن ألفتك أو وصلـت حبالكم * * * لعلى المودّة من ضمير الواصل
فصلي بحبلك يا بثيـن حبائلي * * * وعدي مواعـد منجز أو ماطل

قافية الميم

أتوهـا بقـولٍ لم أكـن لأقولـه * * * وكلّهـم حـرف عليّ ظلـوم
بقولٍ جزيت النـار إن كنت قلته * * * وكلّ جـزاء الظالميـن أليـم
لكِ الخير هلاّ عجت حتى تفهمي * * * وذو اللّب في كل الأمور فهيم
فتستيقني أن لم يكن من خلائقي * * * وذلك أمـر يا بثيـن عظيـم

ألا ليتني أعمى أصمّ تقودني * * * بثينة لا يخفى عليّ كلامها

قافية النون

شهـدت بأني لم تغيّر مودّتي * * * وأني بكم حتى الممات ضنين
وأن فؤادي لا يلين إلى هوىً * * * سواكِ وإن قالوا : بلى سيلين
وإني لأستغشي وما بي نعسةٌ * * * لعلّ لقـاءً في المنـام يكون

أرى كل معشوقين غيري وغيرها * * * يلذّان في الدنيـا ويغتبطان
وأمشي وتمشي في البـلاد كأننا * * * أسيـران للأعـداء مرتهنان
أصلي فأبكي في صلاتي لذكرهـا * * * لي الويل مما يكتب الملكان
ضمنت لها أن لا أهيـم بغيرهـا * * * وقد وثقت مني بغير ضمان
ألا يا عبـاد الله قوموا لتسمعوا * * * خصومة معشوقين يختصمان
وفي كـل عـام يستجدّان مـرة * * * عتابا وهجـرا ثم يصطلحان
يعيشان في الدنيـا غريبين أينما * * * أقاما وفي الأعوام يلتقيـان

فما لك لمّا خبّر الناس أنني * * * أسأت بظهر الغيب لم تسليني
فأبلي عذرا أو أجيء بشاهد * * * من الناس عدل أنهم ظلموني
تجنّى عليّ الذّنب أهلي وأهلها * * * ولو عرفوا وجدي بها عذروني

قافية الهاء

خليليّ إن قالـت بثينـة : ما له * * * أتانا بلا وعدٍ؟ فقولا لها : لها
أتى وهو مشغولٌ لعظـم الذي به * * * ومن بات يرعى السّها سهـا
بثينة تزري بالغزالة في الضحى * * * إذا برزت لم تبث يوما بِها بَها
لها مقلة كحـلاء نجـلاء خلقة * * * كأن أباها الظّبي أو أمّها مهـا
دهتني بودّ قاتـل وهـو متلفي * * * وكم قتلت بالودّ من ودّها دها

أبلغ بثينـة أني لست ناسيهـا * * * ما عشت حتى تجيب النّفس داعيها
بانت فلا القلب يسلو من تذكّرها * * * يوما ولا نحن في أمـر نلاقيهـا
على الـدار التي لبست بلاهـا * * * قفـا، يـا صاحبيّ، فسائلاهـا
ومـا يبكيـك من عرصات دار * * * تقـادم عهدهـا وبـدا بلاهـا
ذكـرت بها التي ترمي فتوري * * * إذا ما أرسلت سهمـا شواهـا
أتيحـت لـي ونفسي قد تجّلت * * * عمايـة غيّهـا ورأت هداهـا
وزايلها السفاه فليـس منهـا * * * وتـاب الحلم واجتنبت صباهـا
وقـد طالبتهـا حتـى مللنـا * * * مواعدهـا وأعيانـا منـاهـا
فما جـادت لنـا حتى وردنـا * * * حياض المـوت أو كدنا نراها
ذكرتـك إذ رأينـا أم خشـف * * * بذي ضـال تريع إلى طلاهـا
رأتنـا قاصديـن لهـا فولّـت * * * أمام الخشف مضطربا حشاها
وقـد حفّ الرّمـاة بجانبيهـا * * * وكلّهـم على حنـق يـراهـا
فجالـت ساعـة ثم استظلّـت * * * إلى سنـد تحـاول ملتجاهـا
إليه تـارة تـرمـي بطـرف * * * وأخرى نحونا قلقـا حشاهـا
وقد آليـت خشيتهـم عليهـا * * * اكلّـم منهـم رجـلا رماهـا
فقالوا: ما دهاك؟ فقلت: نفسي * * * وبيـت الله تعلم ما دهـاهـا
وما بي فاعلموا من حبّ ظبيٍ * * * ولكنّي ذكـرت بهـا سواهـا
ألا يا شبـه ذات الخـال قرّي * * * بأرضك لن تراعي في رباهـا
فقد أشبهـت ذات الخـال إلا * * * مناط القـرط منهـا أو شواها
وساقـك حمشة والسّاق منها * * * خدلّجة يغـضّ بهـا براهـا
ولو ماشيتهـا لعجلـت عنها * * * وذات الخال مقصور خطاهـا
ولكنّ الـذي أشبهـتِ منهـا * * * مقلّدهـا العتيـق ومقلتاهـا

قافية الياء

أعدّ الليالي ليلة بعد ليلة * * * وقد عشت دهرا لا أعدّ اللياليا
ألم تعلمي يا عذبـة المـاء أنني * * * أظلّ إذا لم أُسقَ مـاءك صاديا
وودت على حبّي الحيـاة لو أنّها * * * يزاد لها في عمرها من حياتيا
فما زادني الواشـون إلا صبابـة * * * ولا زادني النّاهون إلا تماديـا
وقالـوا بـه داء عيـاء أصابـه * * * وقد علمت نفسي مكان دوائيا
هي السّحـر إلا أنّ للسّحـر رقية * * * وإنّي لا ألفي لها الدّهـر راقيا
أحبّ من الأسماء ما وافق اسمها * * * وأشبهه أو كان منـه مدانيـا