أوانيَ هَمٌّ، فألقَى أواني،

أبو العلاء المعري

أوانيَ هَمٌّ، فألقَى أواني،

وقد مَرّ في الشّرْخِ والعُنفُوانِ

وضَعْتُ بُوانيَّ في ذِلَّةٍ،

وألقَيتُ، للحادِثاتِ، البُواني

ثوانيَ ضيفٌ، فلَم أقْرِهِ

أوائلَ من عَزْمتي، أو ثواني

فَيا هِندُ! وانٍ، عن المكرُما

تِ، من لا يُساوِرُ بالهُندَواني

زوانيَ خَوْفُ المَقامِ الذّميـ

ـمِ، عن أن أكونَ خليلَ الزّواني

روانيَ صَبري، فأضحتْ إليّ

عيونٌ، على غَفلاتٍ، رواني

عواني قضاءٌ، دُوينَ المُرادِ،

وما بِكرُ شأنِكَ مثلُ العَوان

وهلْ جعلَ الشائماتِ الوَميضَ

تَوانيَ، غَيرُ اتصالِ التّواني؟

فما، لرِكابكَ، هذي، الوُقوفِ

عَدَا حادييها، الذي يَرْجُوان

حَوانيَ للوِرْدِ أعْناقَها،

وما عَلِمَتْ أيَّ وقتٍ حَواني

ولم يَلْقَ، في دَهرِهِ، أجرَبيٌّ

هَوانيَ، فَلْيَنْأ عَنّي هَواني

وعنديَ سِرٌّ بَذِيُّ الحَديثِ،

كنَتْ عَنهُ في العالمينَ الغواني

إذا رَملَةٌ لم تَجىءْ بالنّباتِ،

فقد جَهِلَتْ إن سقَتها السّواني

جريتُ معَ الدّهرِ جريَ المُطيعِ،

بَينَ اللَّياحيّ والأُرجُواني

كأنّيَ في العَيشِ لدْنُ الغُصو

نِ، مَن شاءَ قَومَني أو لَواني

ولا لَونَ للماءِ، فيما يُقالُ،

ولكنْ تلوُّنُهُ بالأواني

وفي كلّ شرٍّ، دعتْهُ الخطوبُ،

شَواسعُ مَنفَعَةٍ، أو دَواني

وأجزاءُ ترْياقِهِمْ لا تَتِمُّ،

إلاّ بجُزْءٍ مِن الأُفْعُوان

فَلا تَمدَحاني يَمينَ الثّناءِ،

فأحْسنُ من ذاكَ أن تَهجُواني

وإنّيَ، من فِكرَتي والقَضا

ءِ، ما بينَ بحرَينِ لا يَسجُوان

وإنّ النّهارَ، وإنّ الظّلامَ،

على كلّ ذي غَفلَةٍ يَدْجُوان

وكَيفَ النّجاءُ، وللفَرقَدينِ

فَضلٌ، وآلَيتُ لا يَنجُوان

فلَم تَطلُبا شيمتي ناشِئَينِ،

وعَمّا لَطَفْتُ لَهُ تجفُوان

فإنْ تَقْفُوَا أثَري تُحْمَدا؛

وإنْ تَعرِفا النّهجَ لا تَقفُوان

وقد أمرَ الحِلمُ أن تَصفَحا،

ونادى بلُطْفٍ: ألا تَعفُوان؟

فلَن تَقذَيا باغتِفارِ الذّنوبِ،

ولَكنِ بغفرانِها تَصفُوانِ

ولولا القَذى طِرْتُما في الهواء،

وفي اللُّجّ أُلفيتُما تَطفُوان

فكُونا معَ النّاسِ كالبارِقَينِ،

تَعُمّانِ بالنّورِ، أو تَخفُوان

فلَمْ تُخْلَقَا مَلَكَيْ قُدْرَةٍ،

إذا ما هَفا الإنسُ لا تَهفُوان

ألَمْ تَرَنا عُصُرَيْ دَهْرِنا،

يؤودانِ بالثّقلِ، أو يأدوان؟

وما فتىءَ الفَتَيانِ، الحَياةَ،

يَرُوحانِ بالشرّ، أو يَغدُوان

عدُوّانِ، ما شَعَرا بالحِمامِ،

فكَيفَ تَظنُّهُما يَعدوان؟

ألا تَسمَعُ، الآنَ، صَوتَيهما،

بكلّ امرىءٍ فيهما يحدُوان؟

وما كَشفَ البَحثُ سرّيْهِما؛

وما خِلتُ أنّهما يَبدُوان

وكمْ سَرَوا عالَماً أوّلاً،

وما سَرُوَا، فمتى يَسرُوان؟

وبينهما أهلكَ، الغابرينَ،

ما يقرِيانِ، وما يقرُوان

إذا ما خَلا شَبَحي منهُما،

فَما يُقفِرانِ، ولا يَخلُوان

قَلَينا البَقاءَ، ولم يَبرَحا

بنا، في مَراحِلِهِ، يقلُوان

وكم أجلَيَا عن رجالٍ مَضَوا؛

وأخبارُ ما كانَ لا يَجلُوان

كَما خُلِقا غَبَرَا في العُصو

ر، لا يَرْخُصانِ ولا يَغلُوان

تَمُرُّ وتَحلُوا لَنا الحادِثاتُ،

وما يَمقَرانِ ولا يَحلُوان

إذا تَلَوَا عِظَةً، فالأنا

مُ لا يأذَنونَ لما يَتلُوان

مُغِذّانِ بالنّاسِ، لا يلغُبانِ،

وسَيفانِ للَّهِ لا يَنبُوانِ

ولو خُلِقا مثلَ خَلقِ الجيادِ،

رأيتَهما، في المدى، يكبُوان

لعلّكُما، إن تَهُبّ الصَّبا،

إلى بلَدٍ نازحٍ تَصبُوان

فَلا رَيبَ أنّ الذي تُحبيا

نِ، أفضلُ منهُ الذي تَحبُوان

فَعِيشا أبِيّيْنِ للمخزِيا

تِ، مثلَ السّماكَينِ لا تأبُوان

إذا شَبّتِ الشِّعريانِ الوَقودَ،

فَفي الحكمِ أنّهُما تخبُوان

وكونا كريمَينِ بَينَ الأنيـ

ـسِ، لا تنمُلانِ، ولا تأثوان

إذا الخِلُّ أعَرضَ لم تُلفَيا،

لسوءِ أحاديثِهِ، تنثُوان

وإنْ لم تَهيلا، إلى مُعدِمٍ،

طَعاماً، فيَكفيهِ ما تحثُوان

وجَهلٌ مُرادُ كما في المَقيظِ،

عَهداً من الوَردِ والأقحُوان

وما الحادِيانِ سوى الجُندَبَيـ

ـنِ، في حرّ هاجرَةٍ ينزُوان

وما أمِنَ البازِيانِ القِصاص،

وأن يُؤخذا بالذي يبزُوانِ

فإنْ تُهْمِلا كلَّ ما تَخزُنانِ،

فلَم يأتِ بالخَزْيِ ما تَخزُوانِ

ولا تُوجَدَا أبَداً كاهِنَينِ،

تَروعانِ قَوماً بما تخزُوان

ونُصّا، إلى اللَّهِ، مَغزاكما،

فذلكَ أفضَلُ ما تَغزُوان

ولا تَعزُوَا الخَيرَ إلاّ إلَيهِ،

فيَجني الشّفاءُ بما تَعزُوان

وإنْ عُرّيَتْ كاسياتُ الغُصو

ن، فلتكسُ بالدّفء من تكسُوان

وضنّا بعُمرِكما أنْ يَضيعَ،

ولا تُفْنِيا وقتَهُ تَلهُوان

بذِكرِ إلهِكُما، فأبَها،

لعَلّكُما بالتّقَى تبهُوان

فيا رُبّ طاهي صِلالٍ يَبيتُ،

متّخِذاً طَعمَهُ، يطهُوان

وسيرَا، وساعَينِ، في المَكرُمات

تِ، لا تدْلُجانِ ولا تقطُوان

مَطا بِكُما قَدَرٌ، لا يزالُ

جديداهُ، في غفلَةٍ، يَمطُوان

فوَيْحٌ لخاطِئَتيْ مارِدٍ،

تَنُصّانِ في ما لهُ تخطُوَان