هارباً من وحدتي

أحمد أبو سليم


صَدَّقتُ نارَ القَلبِ لَمّا كانَ

عَرشُ اللهِ مَرفوعاً عَلى ماءٍ

وَكانَ الوَقتُ ماءْ

وَالأَرضُ حُبلى

وَالسَّماءُ تُرَتِّبُ الأَسماءَ

في أُسطورَةِ التَّكوينِ مِن نارٍ وَطينْ

وَتَقِدُّ مِن ضِلعي بُذورَ النُّطفَةِ الأُولى

وَتَعجِنُ مِن تُرابِ الأَرضِ عَرشَ المَرأَةِ الأُولى

وَتَبعَثُها

تُتَوِّجُها عَلى فَلَواتِ رُوحي

رَعشَةً

وَخَطيئَةً

أُسطورَةً أُخرى

تُعلِّمُها مِنَ الأَسماءِ أَسماءً

جُنونَ الرَعشَةِ الأُولى

وَطَعمَ القُبلَةِ الأُولى

وُضُوحَ الرُّوحِ في جَسَدٍ

مِنَ الصِّلصالِ مَسكوناً بِقَلبٍ قُدَّ مِن نورٍ وَنارْ

يَمشي

يُضيءُ الأَرضَ

يَبحَثُ في سُكونِ اللَّيلِ عَن قَلبٍ يُرَفرِفُ ساخِناً

وَيُكَسِّرُ الصَّمتَ الَّذي ما زالَ يَجري في عُروقي آيةً

وَكأنَّهُ قَدَرٌ حَزينْ

وَحدي أَنا في السِرِّ أَستَرِقُ النَّظَرْ

مِن خَلفِ أَبوابِ السَّماءِ لِصَدرِها العاري

يُبَلِّلُهُ رَذاذُ الماءِ مُختَلِطاً بِدَمعي

أَلفُ عامٍ بَينَنا

لا الصَّوتُ يَختَرِقُ الهَواءَ مُمَزِّقاً جُدرانَ حُزني في الظَّلامِ

لِكَي أُعانِقَها

وَلا أَحَدٌ يُقاسِمُني بُكاءَ القَلبِ حينَ يَنامُ مَكسوراً

عَلى حَجَرٍ وَحيداً في العَراءِ وَفي المَطَرْ

يَتَقَمَّصُ الأَسماءَ مُحتَرِقاً:

رَحيلُ الظِلِّ نحَوَ الشَّمسِ مُرتَعِشٌ

مِياهُ النَّهرِ حينَ تَلوذُ بِالأَشجارِ خائفةً

وَدوريٌّ يُلَملِمُ ما تَبَقّى مِن حُطامِ العُمرِ

كَي يَبني عَلى الأَشجارِ أَعشاشاً لِدوريٍّ صَغيرْ

وَالبَحرُ مِرآةُ العَذارى

والنَّدى

والرِّيحُ أُولى الأُغنِياتْ

وَالعُشبُ في جَسَدي

وَصَوتُ النّايِ- آهاتي-

أَنيني خَلفَ جُدرانِ الغُروبِ مُعَلَّقاً

ما بَينَ رُؤيايَ الَّتي خَبَّأتُها في القَلبِ يَوماً بَعدَ يَومٍ

مُنذُ صارَ القَلبُ ناراً

وَاعتَنَقتُكِ مَذهَباً في السِرِّ لي وَحدي

وَخوفي

أَلفُ عامٍ بَينَنا مَزَّّقتُها

وَتَركتُها خَلفي رَماداً بارِداً

وَأَنَرتُ مِن قَلبي شُموعي

جِئتُ أَزحَفُ عارِياً مِن كُلِّ عُمري

جِئتُ وَحدي هارِباً مِن كُلِّ أَشعاري

وَأَحلامي

إِلى عَينيكِ أَبكي

كانَ وَجهُكِ كُلَّ ما عَتَّقتُ مِن أَمسي

وَحُزنُكِ كانَ يَشرَبُني عَلى مَهلٍ

عَلى مَهلٍ

أُفَتِّشُ في ثَنايا الحُزنِ

عَن غَيمٍ يُظَلِّلُني مِنَ الأَحزانِ

عَن صَدرٍ يُدَفِّئُني

أُنادي كُلَّما ضاقَ المَكانُ وَأَوجَعتني الذِّكرَياتُ

وَضَجَّ صَمتُ الأَرضِ مِنّي

كُلَّما حارَ السُّؤالُ مِنَ السُّؤالِ

وَعادَ صَوتي مُطفَئاً يَشكو

أُفَتِّشُ عَنكِ بَينَ خُطايَ

فَوقَ الرَّملِ

في صَوتي

وَأَسئلَتي

وَفي خَوفي

وَحينَ أَراكِ قادِمَةً مِنَ الآتي

بِعَكسِ الرِّيحِ تَخنُقُني دُموعي

أَلفَ عامٍ حاوَرتني أَلفَ عامٍ

أَلفَ عامٍ قاوَمتني

أَلفَ عامٍ

وَانكَسَرتْ

الوَجهُ ماءٌ كَالمَرايا

وَالنَّخيلُ مُسافِرٌ سُحُباً مِنَ الأَحزانِ

في أَعماقِ عَينيها

تَمُرُّ الآنَ في جَسَدي عَلى مَهلٍ

عَلى مَهلٍ

تَفيضُ الآنَ مِن ضِلعي

تُعانِقُني

وَتُطفِئُني بماءِ القَلبِ

تحَمِلُني إِلى مِحرابِ عَينيها

أُصَلّي هائماً في الصَّمتِ

وَحدي لِلتُّرابِ وَلِلمَطَرْ

الآنَ تَسجُدُ نارُ قَلبي لِلحَمَأْ

لِلطِّينِ أَسجُدُ عاصِياً

مُتَمَزِّقاً

لا وَجهَ لي

وَالرُّوحُ تَهذي

ألفَ عامٍ

ألفَ عامٍ

ها أَنا أَمشي وَراءَكِ مِثلَ ظِلِّ شارِدٍ

مَلعونَةٌ رُوحي

وَقلبي لَم يَزَل ناراً تُعَذِّبُني

وَتحَرِقُ ما تَبَقّى مِن حُطامِ العُمرِ

عاماً

بَعدَ عامٍ

بَعدَ عامٍ

لِلأَبَدْ