أيُّ العُيُونِ تُجَانِبُ الأقْذاءَ

الشريف الرضي

أيُّ العُيُونِ تُجَانِبُ الأقْذاءَ

ام اي قلب يقطع البرجاءَ

وَالمَوْتُ يَقنِصُ جَمْعَ كُلّ قَبيلَة ٍ

قنص المريع جأ ذراً وظباءَ

يتناول الضب الخبيث من الكدى

ويحط من عليائها الشغواءَ

تبكي على الدنيا رجال لم تجد

للعُمْرِ مِنْ داءِ المَنُونِ شِفَاءَ

والدهر مخترم تشن صروفه

في كُلّ يَوْمٍ، غَارَة ً شَعوَاءَ

انا بنو الدنيا تسير ركابنا

وَتُغالِطُ الإدْلاجَ وَالإسْرَاءَ

وكأننا في العيش نطلب غاية

وَجَميعُنا يَدَعُ السّنِينَ وَرَاءَ

اين المقاول والغطارفة الاولى

هَجَرُوا الدّيارَ، وَعَطّلُوا الأفنَاءَ

فاخلِطْ بصَوْتِكَ كلَّ صَوْتٍ وَاستَمعْ

هل في المنازل من يجيب دعاءَ

واشمم تراب الارض تعلم انها

جَرْبَاءُ تُحدِثُ كُلّ يَوْمٍ داءَ

كَمْ رَاحِلٍ وَلّيْتُ عَنهُ، وَمَيّتٍ

رجعت يدي من تربة غبراءَ

وكذا مضى قبلي القرون يكبهم

صَرْفُ الزّمَانِ تَسَرُّعاً وَنَجَاءَ

هَذا أمِيرُ المُؤمِنِينَ، وَظِلُّهُ

يَسَعُ الوَرَى ، وَيُجَلّلُ الأحْيَاءَ

نَظَرَتْ إلَيْهِ مِنَ الزّمَانِ مُلِمّة ٌ

كَاللّيثِ لا يُغضِي الجُفُونَ حَيَاءَ

واصابه صرف الردى برزية

كالرّمْحِ أنْهَرَ طَعْنَة ً نَجْلاءَ

ماذا نؤمل في اليراع اذا نشت

ريح تدق الصعدة الصماءَ

غصف الردى بمحمد ومذمم

فكانما وجد الرجال سواءَ

ومصاب ابلج من ذؤابة هاشم

وَلَجَ القُبُورَ وَأزْعَجَ الخُلَفَاءَ

وَتَرَ الرّدَى مَنْ لَوْ تَناوَلَ سَيفَهُ

يَوْماً، لَنَالَ مِنَ الرّدَى مَا شَاءَ

غصن طموح عطفته منية

للخابطين وطاوع النكباءَ

يا رَاحِلاً وَرَدَ الثّرَى في لَيْلَة ٍ

كاد الظلام بها يكون ضياءَ

لما نعاك الناعيان مشى الجوى

بَينَ القُلُوبِ وَضَعضَعَ الأحْشَاءَ

واسود شطر اليوم ترجف شمسه

قَلَقاً، وَجَرّ ضِيَاؤهُ الظّلْمَاءَ

وَارْتَجّ بَعدَكَ كُلُّ حيٍّ بَاكِياً

فكانما قلب الصهيل رغاءَ

قبرٌ تشبث بالنسيم ترابه

دُونَ القُبُورِ، وَعَقّلَ الأنْوَاءَ

تلقاه ابكار السحاب وعونها

تَلقَى الحَيَا، وَتُبَدّدُ الأنْداءَ

متهلل الجنبات تضحك ارضه

فَكَأنّ بَينَ فُرُوجِهِ الجَوْزَاءَ

أوْلى الرّجَالِ بِرَيّ قَبْرٍ مَاجِدٍ

غَمَرَ الرّجَالَ تَبَرّعاً وَعَطَاءَ

وَلَوَ أنّ دُفّاعَ الغَمَامِ يُطِيعُني

لجَرَى عَلى قَبْرِ اللّئِيمِ غُثَاءَ

لا زال تنطف فوقه قطع الحيا

بمجلجل يدع الصخور رواءَ

وَتَظُنّ كُلَّ غَمَامَة ٍ وَقَفَتْ بِهِ

تبكي عليه تودداً وولاءَ

وَإذا الرّياحُ تَعَرّضَتْ بتُرَابِهِ

قلنا السماء تنفس الصعداءَ

ايها تمطر نحوك الداءُ الذي

قرض الرجال وفرَّق القرباءَ

إنّ الرّمَاحَ رُزِئْنَ مِنكَ مُشَيَّعاً

غَمْرَ الرّداءِ مُهَذَّباً مِعطَاءَ

وطويل عظم الساعدين كانما

رفعت بعمته الجياد لواءَ

ولقين بعدك كل صبح ضاحك

يَوْماً أغَمّ وَلَيْلَة ً لَيْلاءَ

انعاك للخيل المغيرة شزباً

وَاليَوْمَ يَضْرِبُ بالعَجاجِ خِبَاءَ

ولخوض سيفك والفوارس تدعى

حَرْباً يَجُرّ نِداؤها الأسْمَاءَ

وَغَيَابَة ٍ فَرّجْتَها، وَمَقَامَة ٍ

سددت فيها حجة غراءَ

وخلطت اقوال الرجال بمقول

ذرب كما خلط الضراب دماءَ

ومطية انضيتها وكلاكما

تَتَنَازَعَانِ السّيْرَ وَالإنْضَاءَ

ان البكاء عليك فرض واجب

وَالعَيشُ لا يُبكَى عَلَيْهِ رِيَاءَ

بأبيكَ، يَطمَحُ نَحوَ كُلّ عَظيمَة ٍ

طرف تعلم بعدك الاغضاءَ

فاسلم امير المؤمنين ولا تزل

تجري الجياد وتحرز الغلواءَ

فَإذا سَلِمْتَ مِنَ النّوَائِبِ أصْبَحتْ

تَرْضَى ، وَنَرْضَى أنْ يكُونَ فِداءَ

وَلَئِنْ تَسَلّطَتِ المَنُونُ لَقد أتَتْ

ما رد لوم اللائمين ثناءَ

وَهَبَتْ لَنَا هَذا الحُسَامَ المُنْتَضَى

فِينَا، وَهَذي العِزّة َ القَعسَاءَ

نهنهت بادرة الدموع تجملاً

والعين تؤنس عبرة وبكاءَ

فاستَبقِ دَمعَكَ في المَصائبِ وَاعلَمن

أنّ الرّدَى لا يُشْمِتُ الأعْداءَ

وتسل عن سيف طبعت غراره

وَأعَرْتَ شَفْرَتَهُ سَناً وَمَضَاءَ

فَلَقَدْ رَجَعْت عنِ المُطيعِ بسَلوَة ٍ

مِنْ بَعد مَا جَرَتِ الدّموعُ دِمَاء

والابن للاب ان تعرض حادث

أوْلَى الأنَامِ بأنْ يَكُونَ وِقَاء

وَإذا ارْتَقَى الآبَاءُ أمنَعَ نَجوَة ٍ

فدع الردى يستنزل الابناءَ

وَرَدَ الزّمَانُ بِهِ وَأوْرَدَهُ الرّدَى

بَغياً، فأحسَنَ مَرّة ً، وَأسَاءَ

ورمى سنيه الى الحمام كانما

ألقَى بِهَا عَنْ مَنكِبَيهِ رِداءَ

فلتعلم الايام انك لم تزل

تفري الخطوب وتكشف الغماءَ

خَضَعَتْ لكَ الأعداءُ يَوْمَ لَقِيتَها

جلداً تجرد للمصاب عزاءَ

وَتَمَطّتِ الزّفَرَاتُ، حتى قَوَّمَتْ

ضلعاً على اضغانها عوجاءَ

وَمُضَاغِنٍ مَلآنَ يَكْتُمُ غَيْظَهُ

جزعاً كما كتم المزاد الماءَ

مُتَحَرِّقٌ، فَإذا رَأتْكَ لِحَاظُهُ

نَسِيتْ مَجامِعُ قَلبِهِ الشّحْناءَ

وأما وجودك انه قسم لقد

غمر القلوب وانطق الشعراءَ

وانا الذي واليت فيك مدائحاً

وَعَبَأتُ للباغي عَلَيْكَ هِجَاءَ

وَنَفَضْتُ إلاّ مِنْ هَوَاكَ خَوَاطرِي

نَفْضَ المُشَمِّرِ بالعَرَاءِ وِعَاءَ

فَاسْلَمْ، وَلا زَالَ الزّمَانُ يُعِيرُني