حب في غرناطة

غادة السمان

أطرق الليل برأسه مهموماً،

فانسللت من وجومه واضرمت الحرائق في الذاكرة

عند منتصف الليل في غرناطة…

ومضيت في قطار الغجر والغيتار…

لأقطف لك ضوء القمر عن رؤوس الأشجار،

أخطّ بمائة بطاقة بريدية لعينيك…

رفيقي البوم،

أمير الطيران الليلي والدهشة والأسرار.

حين أتذكرك، يلوح ضوء آخر النفق.

بكل ذلك الحب العتيق المسوّر بالصمت،

أكتب لك بالأثير فوق الريح،

وأخطّ أعذب رسائل الحب الخفي كي أمزقها!

أسطّر أكثرها رقة،

بأصابع من الشوك لجسد من الأسلاك الشائكة.

مثلك أنا، لا أؤمن بالحب من الرسالة الأولى،

والفتوحات العاطفية على صهوة مكالمة هاتفية،

لكنني أعرف أننا التقينا منذ قرون،

في هذه التلال الغرناطية المحيطة بقصر الحمراء،

وها أنا أسري خارج الزمان

روحاً تسعى إلى أنفاسك الأليفة.

أنصت إلى ثرثرة النيلوفر والبنفسج عنا،

والماء الحيّ في نوافير "جنة العريف" يروي كالحكواتي

حكاية حبنا الأندلسية، والأشجار تنصت على زند الماء

العاري،

وأنا مزدهرة بلقائك

بعد قرون من تيهك عني بين العصور والنساء…

في أيام غابرة كان لقاؤنا الأول.

يومها كنا سادة نرفل في العزّ،

لا نتسول تأشيرات سفر على بوابات القارات العدوانية.

ها نحن نلتقي من جديد خارج الزمان والمكان.

أتأملك . عيناك سوداوان كالحبر الصيني،

أغمس فيهما أبجديتي وأخطّ لك هذه البطاقة البريدية

الغرناطية.

ويصرخ الليل: "أوليه"!