لَقَدْ هَاجَ من عَيْنيّ ماءً على الهَوَى

الفرزدق

لَقَدْ هَاجَ من عَيْنيّ ماءً على الهَوَى

خَيَالٌ أتَاني آخِرَ اللّيْلِ زَائرُهْ

لِمَيّةَ، حَيّا بِالسّلامِ كَأنّمَا

عَلَيْهِ دمٌ لا يَقْبَلُ المالَ ثَائِرُهْ

كَأنّ خُزَامَى حَرّكَتْ رِيحَها الصَّبا،

وَحَنوَةَ رَوْضٍ حِينَ أقلَعَ ماطِرُهْ

لَنَا إذ أتَتْنَا الرّيحُ مِنْ نَحْوِ أرْضِها

وَدارِيَّ مِسْكٍ غَارَ في البَحرِ تاجِرُهْ

دَعَتني إلَيها الشمسُ تحتَ خِمارِهَا

وَجَعْدٌ تَثَنّى في الكَثيبِ غَدائِرُهْ

كَأنّ نَوَاراً تَرْتَعي رَمْلَ عَالِجٍ

إلى رَبْرَبٍ تَحنُو إلَيْهِ جَآذِرُهْ

مِنَ أينَ أُلاقي آلَ مَيٍّ، وَقَدْ أتَى

نَبيُّ فُلَيْجٍ دُونَهَا وَأغَادِرُهْ

يُرِيدونَ رَوْضَ الحَزْنِ أن يُنفِشوا بهِ

إذا استَأسَدَتْ قُرْيَانُهُ وَظَوَاهِرُهْ

إلَيْكَ ابنَ عَبدِ الله أسنَفْتُ نَاقَتي

وَقد أقلق النِّسعَينِ للبَطْنِ ضَامِرُهْ

وَكَائِنْ لَبِسْنَا مِنْ رِدَاءِ وَدِيقَةٍ

إليْكَ وَلَيْلٌ كَالرُّوَيْزِيّ سَائِرُهْ

أُبَادِرُ مَنْ يأتيكَ مِنْ كُلّ جانِبٍ

مُشَاةً وَرُكْبَاناً، فإني مُبَادِرُهْ

أُبَادِرُ كَفّيْكَ اللّتَيْنِ نَداهُمَا

عَلى مَنْ بِنَجْدٍ، أوْ تهامةَ، ماطِرُهْ

دَعي النّاس وأْتي بي المُهَاجِرَ إنّهُ

أرَاهُ الّذِي تُعطي المَقَالِيدَ عامِرُهْ

وَمَنْ يَكُ أمسى وَهُوَ وَعرٌ صُعودُهُ

فإنّ ابنَ عَبْدِ الله سَهْلٌ مَصَادِرُهْ

نمَى بِكَ مِنْ فَرْعَيْ رَبِيعَةَ للعُلى،

بحَيْثُ يَرُدّ الطَّرْفَ للعَينِ نَاظِرُهْ

مَرَاجِيحُ سَادَاتٌ عِظَامٌ جُدُودها

وَفِيهِمْ لأيّامِ الطِّعَانِ مَساعِرُهْ

وَمَنْ يَطّلِبْ مَسعاةَ قَوْمٍ يجدْ لهمْ

شَمَارِيخَ مِنْ عِزٍّ، عِظَامٍ مآثرُهْ

وَجَدْتُ القَنَا الهِنْدِيَّ فيكُمْ طعانُهُ

وَضَرْبٌ يُدَهْدي للرّؤوس فوادرُهْ

إذا مَا يَدُ الدرْعِ التَوَى ساعِدٌ لَهُ

بِأسيافِهِمْ وَالمَوْتُ حُمْرٌ دَوَائِرُهْ

رَأيْتُ النّسَاءَ السّاعِيَاتِ رِمَاحُنَا

مَعاقِلُها، إذْ أسلَمَ الغَوْثَ ناصرُهْ

إذَا المُضَرَانِ اكْرَمَانِ تَلاقيَا

إلَيكَ فَقدْ أرْبَى على النّاس فاخرُهْ

إذا خِندِفٌ جاءتْ وَقَيْسٌ إذ التَقتْ

بِرُكْبَانِهَا، حَجٌّ مِلاءٌ مَشَاعِرُهْ

بحَقّ امْرِىءٍ لا يَبْلُغُ النّاسُ قِبصَهُ

بَنو البَزَرَى من قيس عيلان ناصرُهْ

إليهِمْ تَناهتْ ذِرْوَةُ المَجدِ وَالحصَى

وَقِبصُ الحصَى إذ حصّل القبص خَابرُهْ

تَميمٌ وَما ضَمّتْ هَوَازنُ أصْبَحتْ

وَعَظمُهُمَا المُنهاضُ قد شدّ جابرُهْ

رَأيْتُ هِشاماً سَدّ أبْوَابَ فِتْنَةٍ

بِرَاعٍ كَفَى من خَوْفهِ ما يُحاذِرُهْ

بمُنتَجِبٍ منْ قَيسِ عَيلانَ صَعّدتْ

يَدَيْهِ، إلى ذاتِ البُرُوجِ، أكَابِرُهْ

فَمَا أحدٌ مِنْ قَيْسِ عَيْلانَ فاخراً

عَلَيْهِ وَلا مِنْهُمْ كَثِيرٌ يُكَاثِرُهْ

وَنَامَتْ عُيُونٌ كَانَ سُهِّدَ لَيْلُهَا

وَفَتّحَ بَاباً كُلُّ بَادٍ وَحَاضِرُهْ

ألَمّا يَنَلْ لي أنْ تَعُودَ قَرَابَةٌ،

وَحِلْمٌ عَلى قَيسٍ رِحابٌ مَصَادرُهْ

رَفَعتُ سِناني من هَوَازِنَ إذْ دنَتْ

وَأسْلَمَها مِنْ كُلّ رَامٍ مَحاشِرُهْ

وَحُلّلَتِ الأوْتَارُ إذْ لَمْ يَكُنْ لهَا

نِضالٌ لِرَامٍ دَمّغَتْهَا نَوَاقِرُهْ

لَقدْ عَلِمتْ عَيلانُ أنّ الذي رَسَتْ

لَئيمٌ وأنّ العَيْرَ قَدْ فُلّ حافِرُهْ

وَكُلُّ أُنَاسٍ فِيهِمُ مِنْ مُلُوكِنَا

لهُمْ رَبُّ صِدْقٍ والخَلِيفَةُ قاهِرُهْ

وَإني لَوَثّابٌ إلى المَجْدِ دُونَهُ،

مِن الوَعْثِ أوْ ضِيقِ المكانِ نَهابرُهْ

وَمِنّا رَسُولُ الله أُرْسِلَ بِالهُدَى،

وَبالحَقّ جَاءَتْ بِاليَقِينِ نَوَادِرُهْ