أرق الغيوم

محمد الماغوط

1

اكتب

ما أروعها من كلمة

إنها حتمية المعركة

بين أرقام فيثاغورث ونسبية أنشتاين

والعواصف الثلجية ومركب رامبو السكران

***

اكتب..

إنها أمر الغزاة الأوائل والعظام المحطّمين

وليكن رمحاً برمح

وشراعاً بشراع

وعاصفة بعاصفة

ونصراً مقابل نصر

وهزيمة مقابل هزيمة…

ثم تابعوا الطريق يا فرسان الكلمة المستديرة

فمركب رامبو السكران ما زال يبحر

وعليكم أن تجدوه في بحر الظلمات هذا

أو أن تهتدوا بحطامه.

2

داخل شجرة صنوبر

كنت أختبئ ذات ليلة

هرباً من البرد والحكام والمدرسين

وهناك سمعت لأول مرة

صوت عبد الوهاب

وأم كلثوم

واسمهان

وفيروز

وعبلة الخوري

وأوامر الإعدام الجلية بحق البحر..

والإبقاء على الصحراء…

3

كنت مزارعاً ولا حقول لي

عاملاً ولا مصانع لي

رياضياً ولا فريق لي

مطرباً ولا جمهور لي

فعرفت بعد كثير من الدراسات والأرقام والاحصائيات

والاستشارات والانطباعات

أنني عبد وعليّ تحطيم سلاسلي

وبعد خمسين سنة من الأرقام والاحصائيات والشروح والمطولات

والمناقشات والمراجعات والمداولات والتوصيات والهتافات

صرت أتباهى بها.

4

تلك الغيوم كانت في بلادي

وتلك الطيور في سمائي

وذلك الضباب في قريتي

وذلك الياسمين على شرفتي

وذلك الهديل على نوافذي

وذلك الحنين في ضلوعي

وكل ذلك التصميم في ملامحي

وكل ذلك الغبار ورائي

وكل تلك الآفاق أمامي

وكل تلك البطولات في ذاكرتي

وكل ذلك الدخان في مضاربي

وكل تلك المهابة في مجلسي

وكل ذلك الحداء في حنجرتي

وكل تلك الملاحم في دفاتري

***

كل ذلك رأيته

وأنا أبيع ما تبقى من أصابعي

لأحد السياح

من تجار الآثار والعاديات.

5

مجرم سفاح من يشغلني بزيارة، بمكالمة هاتفية، بمصافحة،

بعتاب، بتهنئة، بتعزية، بإشاعة، بنبأ زواج أو طلاق، أو محاضرة، أو

ندوة، أو نكتة مهما كانت ساخرة وموفقة.

لأنه كمن يشغل رفاً من السنونو عند حلول الظلام، في وطن

مريب بدودة أو كسرة خبز.

ومجرم أكثر من يعبث بأدراجي ودفاتري وملاحظاتي في غيابي،

إنه كمن يعبث بعفاف طفلة وهي في نعش.

لأنني "مشغول" من رأسي حتى قدمي ببناء محكمة أسطورية

على قمة جبل أو قمة آلام هذه الأمة متابعاً بنفسي أدق التفاصيل،

من اختبار الموقع، إلى قفص الاتهام، إلى منصة الشهود والقضاة

وأروابهم وباروكاتهم، وحياد المحلفين وجنسياتهم وميزان العدالة

ومطرقة الرئاسة ومحامي الدفاع والنائب العام.

أما المتهمون، فسآتي بهم سوقاً بالعصي ولو من عرض الشارع…

فلا بد من أن يحاكم أحد ما بتهمة ما، في هذه المرحلة!!