قبر شاعر

علي محمود طه

رفّت عليه مورقات الغصون

و حفّه العشب بنوّاره

ذلك فبر لم تشهده المنون

بل شاده الشّعر بآثاره

أقامه من لبنات الفنون

و زانه المجد بأحجاره

ألقى الشّاعر عبء الشّجون

وأودع القلب بأسراره

***

و جاورته نخلة باسقة

تجثم في الوادي إلى جنبه

كأنّها الثّاكلة الوامقة

تقضي مدى العمر إلى قربه

و ترسل الأغنية الشّائقة

قمريّة ظلّت على حبّه

***

و يقبل الفجر الرّقيق الإهاب

يحنو على القبر بأضوائه

كأنّما ينشد تحت التّراب

لؤلؤة تزري بلألائه

إستلّ منها الموت ذاك الشّهاب

غير شعاع في الدّجى تائه

يظلّ يهفو فوق تلك الشّعاب

يطوف بالينبوع من مائه

***

و يذهب النّور و يأتي الظّلام

ز تبزع الأنجم في نسقه

حيرى تحوم اللّيل كالمستهام

أسهره الثّائر من شوقه

تبحث عن نجم بتلك الرّجام

هوت به الأقدار عن أفقه

أخ لها في الأرض ودّ المقام

و آثر الغرب على شرقه

و يطلق الطير نشيد الصّباح

بنغمة تصدر عن حزنه

يمدّ فوق القبر منه الجناح

و يرسل المنقار في ركنه

أفضى إلى الرّاقد فيه و باح

بأنّه الملهم من فنّه

فمن قوافيه استمدّ النّواح

و من أغانيه صدى لحنه

***

و حين تمضي نسمات الخريف

و تملأ الأرض رياح الشّتاء

و يقبل اللّيل الدّجى المخيف

فلا ترى نجما ينير السّماء

هناك لا غصن عليه وريف

يهفو ، و لا طير يثير الغناء

يظلّل الأرض الظّلام الكثيف

كأنّما تمسي بوادي الفناء

يا شاعرا ما جمعتني به

كوكب اللّيل و شمس النّهار

لكنّه الشّرق و في حبّه

ينأى بنا الشّوق و تدنو الدّيار

سكبت من شجونك في قلبه

و من مآقيك الدّموع الغزاز

فودّ لو أن نمت في تربه

ليشفي النّفس بهذا الجوار

***

صوّر لي القبر الذي تنزل

تخيّل الشّعر و وحي الشّعور

فجئت للقبر بما يجمل

من صور الدّنيا الفتون الغرور

قل لي بحقّ الموت ما يفعل

بالشّاعر الموت و هذي القبور؟

و هل وراء الموت ما نجهل

من عالم الرّحعى و يوم النّشور؟

***

قد راعني موتك يا شاعري

في ميعة العمر و فجر الشّباب

و هزّني ما فاض من خاطر

كان ينابيع البيان العذاب

و نفاثات القلم السّاحر

في جوبك ألافق و طيّ السّحاب

و وقفة بالكوكب الحائر

رأى بساط الرّيح يدنو فهاب

لكنّه شعرك لمّا يزل

يردّد الكون أناشيده

شعر كصوب الغيث أنّى نزل

أرقص في الرّوض أماليده

و علّم الطّير الهوى و الغزل

فأسمع الزّهر أغاريده

و غنّت الرّيح به في الجبل

فحرّكت منه جلاميده

***

يا قبر لم تبصرك عيني و لا

رأتك إلاّ في ثنايا الخيال

ملأت بالرّوع فؤاد خلا

إلاّ من الحبّ و نور الجمال

أوحيت لي السّر الرّدى فانجلى

عن عيني الشّكّ و ليل الضَلال

غدا ستطوي القلب ايدي البلى

و ينقص النّجم عقاب اللّيال

***

و هكذا تمضي ليالي الحياه

و القبر ما زال على حاله

دنيا من الوهم و دهر تراه

يغرّر القلب بآماله

يسخّر من مبتسمات الشّفاه

و جامد الدّمع و سيّاله

دهر على العالم دارت رحاه

فلم تدع رسما لأطلاله