وَمَطْرُوفَةِ العَيْنَينِ قد قُدْتُ الصِّبا،

الفرزدق

وَمَطْرُوفَةِ العَيْنَينِ قد قُدْتُ الصِّبا،

تُقادُ إلى أخْرَى لَذِيذٍ شَمِيمُهَا

وَكَيْفَ بعَيْني وَالتي طُرِفَتْ بهَا

لهَا حِينَ ألْقَاهَا يَمُوتُ سُجُومُهَا

وَدَوّيّةٌ نَاءٍ مِنَ الخِمْسِ مَاؤهَا،

تَقَمَّسُ في طَافي السّرَابِ أرُومُهَا

وَلَيْلَةِ أسْرَابٍ نُزُولٍ مِنَ القَطَا

يُثَارُ بِألِحْي المُرْقِلاتِ جُثُومُهَا

أثرْتُ بِا جُونَ القَطا حِينَ عَسكرَتْ

على الأرْضِ دَيّورٌ تَداعى خُصُومُهَا

كأنّ حديثَ الدّارِجاتِ مِنَ القَطَا

تَراطُنُ أنْبَاطٍ تَلاقَتْ ورُومُهَا

بمُستَأنِسٍ بالقَفْرِ فَرْدٍ تَقاذَفَتْ

على الأرْضِ دَيمُوماتُها وَحُزُومُهَا

كأنّ رِجالَ الدّاعِرِيّةِ تَحْتَهَا،

قِلاصُ نَعَامٍ يَنْتَحِيهَا ظَليمُهَا

وَلَيْلَةِ لَيْلٍ لِلْمَهَارِي طَوِيلَةٍ،

وَأيّامُهَا اللاتي طِوَالٌ حُسُومُهَا

أقَمْتُ بهَا أعْنَاقَ غيدٍ، كَأنّها

سُكَارَى تُفَدّى تَارَةً، وَتَلُومُهَا

وَسَوْداءَ مِنْ لَيْلِ التَّمامِ اعتَسَفتُها

إلى أنْ تَجَلّى عَنْ بَياضٍ هُدومُهَا

كَأنّ بِها مَوصُولَتَينِ طَعَنْتُهَا

بِأعْنَاقِ أطْلاحٍ دَوَامٍ كُلُومُهَا

أقَمْتُ لَهَا أعْناقَ لازِقَةِ الذُّرَى،

إلى أنْ تَجَلّى بِالبَيَاضِ بَهِيمُهَا

وَمَا جُشّمَ الأظْهَارَ مِثلُ شِمِلّةٍ،

وَحَامِلَةٍ للهَمّ مَاضٍ صَرِيمُهَا

تَخَوّنَهَا تَهْجِيرُ كُلِّ وَدِيقَةٍ،

إلى أنْ أتَتْ مُخَّ السُّلامَى شُحومُهَا

وَهاجِرَةٍ كَلّفْتُ نَفْسِي وَنَاقَتي،

من المُنضِجاتِ اللّحمِ نِيّاً سُمومُها

فَهُنّ شِفَاءُ الهَمّ، إذْ جاءَ طارِقاً

لَدَى البَدَوَاتِ المُسْمَهِرِّ عَزِيمُهَا

وَحَمرَاءُ مِنْ لَيْلِ الشّتاءِ قَتلتُها

منَ القَرّ، يَأبَى كَلبُها لا يُرِيحُهَا

يَعَضّ عَلى النّارِ الّذينَ يَلُونَهَا،

إذا كانَ ثَوْبَ الكلبِ منها جَحيمُهَا

جَعلتُ لحَافَ القَرّ للمُبتَغي القِرَى،

بضَرْبَةِ سَاقٍ قَدْ أُفِرَّ صَمِيمُهَا

أنَخْنَا ثَلاثاً تَحتَ ضَامِنَةِ القِرَى،

مِنَ الغَلْي يَسْمُو بالمَحالِ هَزِيمُهَا

فَلَيْتَ أمِيرَ المُؤمِنينَ قدِ انْتَهَتْ

إلَيهِ مِنَ الصُّهْبِ المَهارِي رَسِيمُهَا

عَلَيها امرُؤٌ لا يَنقُضُ اللّيلُ عَزْمَهُ،

وَلا يُدْرِكُ الحاجاتِ إلاّ حَميمُهَا

بِذِعْلِبَةٍ مَا مَسّ إلاّ مُنَاخُها

لِنصْفِ صَلاةٍ، وَهيَ دامٍ رَثيمُهَا

لهَا الأرْضُ إلاّ أرْبَعٌ ثِفنَاتُهَا،

إذا اللّيْلَةُ السّوداءُ نَاداهُ بُومُهَا

وَلا يَقْتُلُ اللّيْلَ المُبَيَّتَ هَمُّهُ

مِنَ الصّهْبِ بالرُّكْبَانِ إلاّ كُتومُهَا

وَلَيْلَةِ لَيْلٍ قَدْ حَمَلْتُ ثَقِيلَهَا

عَلى رَحْلِ مِذْعانٍ بَطيءٍ سُؤومُها

خَبَطْتُ بهَا الظَلماءَ، حتى أضَاءَهَا

عَمُودُ ضِيَاءٍ بالبَيَاضِ يَضِيمُهَا

وَلَيْلَةِ لَيْلٍ مُرْجَحِنٍّ ظَلامُهَا،

سَوَاءٌ عَلَيْنَا طَلْقُهَا وَغُيُومُهَا

كَأنّ بهَا الأيّامَ وَاللّيْلَ وُصِّلا

وَظَلْمَاءَ مُسْوَدٌّ عَلَيْهَا بَهِيمُهَا

إذا مَا رَجَوْنَا ضَوْءهَا اعتكَرَتْ لهَا

شَآمِيّةُ الألْوَانِ ضَوْءٌ بَرِيمُهَا

فَذلِكَ من لَيلِ الطِّوَالِ إذا التَقَتْ

عَلَيْنَا بهِ ظَلْمَاؤهُ وَعُتُومُهَا

إذا قُلْتُ للحُرّاسِ هَلْ لَيْلَتي دنتْ

من الصّبْحِ أوْ كانَتْ جُنوحاً نجُومُهَا

يَقُولُونَ: ما يَنْزِلْنَ إلاّ تَنَزُّلاً

بَطِيئاً، وَمُسْوَدّاً عَلَيْنَا أدِيمُهَا

فَلَيْتَ مَكَانَ الأرْبَعِينَ الّتي لهَا

بِسَاقَيّ آثارٌ مُبِينٌ وَشُومُهَا

أخا نَجْدَةٍ عندي أخُوهُ فجَعتُهُ

بهِ، وَالمَنَايَا جَانِيَاتٌ حُتُومُهَا

فَنَازَلَني بِالسَّيْفِ عَنْهُ وَدُونَهُ

مع السيْفِ حِضْبُ الأرْضِ بادٍ شكيمُها