شطح

أدونيس

لِملائِكَ من فضّة ورصاصٍ

لِرمالٍ تجرّ جلابيبَها الذّهبيّهْ

تَتَهاوَى وتنشجُ في قَفص الأبجديّه،-

– إنّها أرضهُ الرّثةُ النّازِفَهْ

مثلما يفقد النّهر مجراهُ، والبرقُ

شعلته الخاطِفَهْ

وأراها تَنامْ

غيرَ أنّي أواجهُ هذي الصّحارَى كأنّي فجرُ الكلامْ

وأقولُ بلا دهشةٍ

زمَنٌ شَهْوةٌ وأرامِلُ من معدنٍ

والمكانُ انشقاقٌ

– دائماً كان هذا المكانُ انشقاقاً

وخرائطَ من طُحلبٍ وغبارٍ،

دائماً كان هذا المكانْ

يَتَكسّرُ في قبضتينْ

مِن حصارٍ وفَتْكِ…

غيرَ أنّي أُواجه هذا المتاهَ كأنّيَ فجرُ الكلامْ

وأقولُ بلا دهشةٍ

ظَهرتْ نجمةُ أكَلتْها

نملةٌ

وأُكرّر أنّ الدّخانْ

عُرُسٌ للرّياحِ – اقْبَلي ما تَبقّى

مِن دمي: وَرْدتينْ-

قَلَقي وحنيني

وَانْسجي يا رياحُ مناديلَكِ الخفيّهْ

منهما، ولنكن باسْمنا تحيّه

للرّحيلِ وأطلالِه العَربيّهْ.

وأقول بلا دهشةٍ

وَطَنٌ بعضُ ظَنٍّ ، وهو الآنَ…

– لا تتفوّهْ

أتُرى ضَلّلَتْكَ الرّؤى أم جُنِنْتْ؟

وهو الآن مقبرَةٌ: شُرطيٌّ

مِن حديدٍ، وَوَأْدٌ، ومِن أين أنتْ؟

لو عبرتَ هنا أو هناك الحدودْ

ورأيتَ الذين يتوقونَ لِلنّورِ يُطْوَوْنَ طَيّ الثياب ويُرمَوْنَ في

دَرَكاتِ الظّلامْ

لَتمنّيتَ ألا يعود الكلامْ

غيرَ هَدْمٍ ونارٍ

وَلمزّقتَ هذي الخرائطَ هذي البنودْ

ولَجدّفْتَ مثلي

وطَنٌ بعضُ ظَنّ…

وأقول بلا دهشةٍ

أَلملايين خضراء والصّوت منها ومنها الصّدى

وأنا ذِئبُ هذا المدى

وحديَ الهالك المتخبّطُ لا كوكبٌ لا هُدَى

ضائعٌ بين حَقْلٍ وحَقْلٍ

أتقرّى عروقَ النباتِ وأسأل عن زَهْرَةٍ أختَها

وأقول بلا دهشةٍ

واتِني يا زمانَ التّعبْ

صِرتُ أهوى الجلوسَ إلى صَخْرَةِ المستحيلْ

مثلَ طِفْلٍ يحبّ الرّحيلْ

في الفضاءِ على صَهْوةٍ مِن قَصَبْ.

– لا تقولوا: هروبٌ ويأسٌ

تَهربُ الرّيحُ كي تحضنَ الأرضَ

واليأسُ يفتح أبوابَه الملكيّهْ

لانفجار المداراتِ، قولوا: نذيرٌ

واسمعوا الشّاهدَ المُغطّى

بجذوعِ النخيلْ

واقرأوا الشّاهِدَ المُدوّنَ بالتّمْرِ والزّنْجَبيلْ

في صحائِف إسْتَبْرَقٍ…

وأقولُ بلا دهشةٍ للنّدى

هل رأيتَ المكانَ خبرتَ الحقولْ

بَشَرٌ هؤلاء الذي يُغطّونَها أم بُقُولْ؟

هكذا أتجرّأ أن أعشقَ النّدى

وَأُغنِّيه، يَجْري كأنّ السّحَرْ

ضِفّتاه

ويَفضّ حقائبهُ كالرّسائلِ بين غصون الشّجَرْ

ما الذي حملتْهُ يداكَ؟ لِمن يكتب الأفْقُ أسرارَهُ؟

والطّريقُ الذي يتطاوَلُ في ضِفّتَيْكَ – دَمٌ آخر،

أم بريقٌ يغامرُ، أم شاعرٌ يُحْتَضَرْ؟

وأقول بلا دهشة

عَجَبي أنّني لم أُشَيّخْ

عَجبي أنّ هذا الحطامْ

لم يَزِدْنيَ إلا بهاءً،-

– هي ذي وَرْدَةٌ تتشهّى

بين أحضانِهِ

– هي ذي تتوهّجُ نيرانُهُ المُطْفأَهْ

وأنا الآنَ طِفْلٌ كأنّ القمر

(..) في خطايَ / بلا دهشةٍ أقولْ

لي هوايَ ولي سَكْرةٌ لا تزولْ

والحروف نساءٌ تُوَشْوِشني ما تُحبّ وأَمنَحُها شَطَحَاتي

ونَقيّاً من الوَهْمِ أَجْهرُ هذي حياتي

شَرَرٌ وخيولٌ من الضّوء تُفْلِتُ من عربات الصُّوَرْ.