الشّاطئ المهجور

علي محمود طه

موجة السّحر من خفيّ البحور

أغمري القلب بالخيال الغمير

أفبلي الآن من شواطئ أحلا

مي و ردّي عليّ نفح العبير

و اصخبي في شعاب قلبي و ضجّي

فوق آلامه الجسام و ثوري

أيقظني فيه من فتون وسحر

ذكريات من الشّباب الغرير

إنّها ذكريات أمسية مرّ

ت و أيّام غبطة و سرور

و بريء ابتسامة في فم الايّا

م كانت عزاء قلب كسير

قد طواها النّسيان إلاّ شعاعا

غمر الرّوح في بقيّة نور

رمق ذاك من أشعة شّمس

علقت في غروبها بالصّخور

أخذ القلب لمحها من وراء

الموج يجتاز لجّة الدّيجور

فتبيّنت في الشّواطئ حولي

أثرا من غرامنا المأثور

صخرة كانت الملاذ لقلبيـ

ـن حبيبين في الشّباب النّضير

جمعتنا بها الحوادث في ظلّ

هوى طاهر و عيش قرير

كم وقفنا العشّي نرقب منها

مغرب الشّمس و انبثاق البدور

و جلسنا في ظلّها نتملّى

صفحة الماء في الضّحى و البكور

فإذا ما تهلّلت ليلة قمرا

ء هزّت بنا خفيّ الشّعور

و سرينا في ضوئها نتناجى

بهوى فاض عن حنايا الصّدور

و انتحينا من جانب البحر مجرى

مطمئنّ الأمواه شاجي الخرير

نزلت فيه تستحمّ النّجوم

الزّهر في جلوة المساء المنير

راقصات به على هزج المـ

ج عريا مهدّلات الشّعور

و على صدره الخفوق طوينا

اللّيل في زورق رخيّ المسير

و رياح الخليج دافئة الـ

ـبدر في ظلّه دفيف الطّيور

و من السّاحل الطّروب أغان

أخذتنا بكلّ لحن مثير

رجّعتها بحارة آذنتهم

ليلة المنتأى ، و بعد العشير

و سكتنا فليس إلاّ عيون

أفصحت عن جوانح و ثغور

تتلاقى على نوازع قلب

و صدّى هاجس ، و سرّ ضمير

و كأنّ الوجود بحر من النّو

ر سبحنا في لجّه المسجور

كلّ ما حولنا يشفّ عن الحبّ

و يفضي بسرّه المستور

و كأنّا نطوف في ليل أحلا

م و نسري في عالم مسحور

يا صخور الوادي يضجّ عليها الـ

ـبحر في جهشه المحبّ الغيور

يا رمال الكثبان تنقش فيها الرّيـ

ـح أسطورة الحياة الغرور

يا خفاف الأمواج تحلم بالإينا

س من كوكب المساء الصّغير

يا نسيم الشمال يبعث بالرّغـ

ـو و يهفو على الرّشاش النّثير

أنت يامن شهدت فجر غرامي

و وعيت الغداة سرّ الدّهور

أين أخفيت أمسياتي اللّواتي

نزعتها مني يد المقدور؟

أمحاها الزّمان؟ أم حجبتها

من عواديه ماحيات البدور؟

بدّلتني الأقدار منها بليل

مدلهمّ الآفاق جهم السّتور

غشي العين ظلّه و تمشّت

في دمي منه رعشة المقرور

لك يا شاهدات حبّي أتيت الآ

ن أقضي حقّ الوداع الأخير

فانظري، ما ترين غير شقيّ

طاف يبكي بالشّاطئ المهجور

راعه عاصف يرجّ السّماوا

ت و موج يضجّ ملء البحور

فكأنّالحياة في مسمعيه

ضجّة الحشر أو هزيم السّعير

و كأنّ الوجود في ناظريه

وهدة اليأس أو ظلام القبور

في هزيم الرّياح في قاصف الرّ

عد يدوّي للبارق المستطير

في الفياقي كآبة و وجوما

و المحيطات صاخبات الهدير

في الدّياجي عوابسا و نجوم الـ

ـلّيل بين الخفوق و التّغوير

إنّها الكائنات تبكي لمبكا

ه ، و تبدي ضراعة المستجير

و هي مأساة حبّه صوّرتها

ريشة اللّيل المبدع التّصوير

مثّلتها لعينة الآن شطآ

ن و موج يئنّ تحت الصّخور !!