اترى السحاب اذا سرت عشراؤه

الشريف الرضي

اترى السحاب اذا سرت عشراؤه

يمرى على قبر ببابل ماؤه

يا حَادِيَيْهِ قِفَا بِبُزْلِ مَطِيّهِ

فإلى ثَرَى ذا القَبْرِ كانَ حُداؤهُ

يسقى هوى للقلب فيه ومعهدا

رَقّتْ مَنَابِتُهُ وَرَقّ هَوَاؤهُ

قد كان عاقدني الصفاءَ فلم ازل

عَنْهُ، وَمَا بَقّى عَليّ صَفَاؤهُ

ولقد حفظت له فاين حفاظه

وَلَقَدْ وَفَيْتُ لَهُ، فأينَ وَفَاؤهُ

اوعى الدعاء فلم يجبه قطيعة

أمْ ضَلّ عَنْهُ مِنَ البعَادِ دعَاؤهُ

هَيهَاتَ أصْبَحَ سَمْعُهُ وَعِيَانُهُ

في الترب قد حجبتهما اقذاؤه

يُمْسِي، وَلِينُ مِهَادِهِ حَصْبَاؤهُ

فِيهِ، وَمُؤنِسُ لَيلِهِ ظَلْماؤهُ

قد قلبت اعيانه وتنكرت

أعْلامُهُ، وَتَكَسّفَتْ أضْوَاؤهُ

مغف وليس للذة اغفاؤه

مغض وليس لفكرة اغضاؤه

وجه كلمح البرق غاض وميضه

قَلْبٌ كصَدْرِ العَضْبِ فُلَّ مَضَاؤهُ

حَكَمَ البِلَى فيهِ، فَلَوْ يَلقَى بهِ

اعداؤه لرثى له أعداؤه

إنّ الّذِي كَانَ النّعِيمُ ظِلالَهُ

أمسى يطنب بالعراء خباؤه

قد خف عن ذاك الرواق حضوره

أبداً وعن ذاك الحمى ضوضاؤه

كانَتْ سَوَابِقُهُ طِرازَ فِنَائِهِ

يجلو جمال روائهن رواؤه

و رماحه سفراؤه وسيوفه

خفراؤه وجياده ندماؤه

مَا زَالَ يَغدُو، وَالرّكَابُ حُداؤهُ

بين الصوارم والعجاج رداؤه

انْظُرْ إلى هَذا الأنَامِ بِعِبْرَة ٍ

لا يُعْجِبَنّكَ خَلْقُهُ وَبَهَاؤهُ

بيناه كالورق النضير تقصفت

أغْصَانُهُ وَتَسَلّبَتْ شَجْرَاؤهُ

أني تحاماه المنون وإنما

خلقت مراعي للردى خضراؤه

أمْ كَيْفَ تَأمُلُ فَلتَة ً أجْسَادُهُ

من ذا الزمان وحشوها ادواؤه

لا تَعجَبَنّ، فَمَا العَجيبُ فَنَاؤهُ

بيَدِ المَنُونِ، بَلِ العَجيبُ بَقَاؤهُ

أنَّـا لنعجب كيف حم حمامه

عَنْ صِحّة ٍ، وَيَغيبُ عَنّا داؤهُ

من طاح في سبل الردى آباؤه

فليسلكن طريقه ابناؤه

وَمُؤمَّرٍ نَزَلُوا بِهِ في سُوقَة ٍ

لا شَكْلُهُ فيهِمْ وَلا قُرَنَاؤهُ

قد كان يفرق ظله اقرانه

و يغض دون جلاله اكفاؤه

وَمُحَجَّبٍ ضُرِبَتْ عَلَيهِ مَهابَة ٌ

يُغْشِي العُيُونَ بَهَاؤهُ وَضِيَاؤهُ

نَادَتْهُ مِنْ خَلْفِ الحِجابِ مَنِيّة ٌ

أمم فكان جوابها حوباؤه

شُقّتْ إلَيْهِ سُيُوفُهُ وَرِمَاحُهُ

و اميط عنه عبيده وإماؤه

لم يغنه من كان ودّ لو انه

قَبْلَ المَنُونِ مِن المَنُونِ فِداؤهُ

حرم عليه الذل إلا انه

أبَداً ليَشْهَدُ بالجَلالِ بِنَاؤهُ

متخشع بعد الانيس جنابه

متضائل بعد القطين فناؤه

عريان تطرد كل ريح تربه

و تطيع أول امرها حصباؤه

وَلَقَدْ مَرَرْتُ بِبَرْزَخٍ، فسألتُهُ:

اين الأولى ضمتهم ارجاؤه

مِثْلِ المَطِيّ بَوَارِكاً أجْداثُهُ

تسفى على جنباتها بوغاؤه

ناديته فخفى علي جوابه

بالقَوْلِ إلاّ مَا زَقَتْ أصْداؤهُ

مِنْ نَاظِرٍ مَطْرُوفَة ٍ ألحَاظُهُ

أو خاطر مطلولة سوداؤه

أوْ وَاجِدٍ مَكْظُومَة ٍ زَفَرَاتُهُ

أوْ حَاقِدٍ مَنْسِيّة ٍ شَحْنَاؤهُ

و مسندين على الجنوب كانهم

شَرْبٌ تَخَاذَلَ بالطِّلا أعْضَاؤهُ

تحت الصعيد لغير اشفاق إلى

يَوْمِ المَعَادِ تَضُمّهُمْ أحْشَاؤهُ

أكلتهم الارض التي ولدتهم

أكل الضروس حلت له أكلاؤه

حياك معتلج النسيم ولا يزل

سحراً تفاوح نوره اصباؤه

يمري عليك من النعامى خلفه

من عارض متبرل اندؤاه

فَسَقاكَ مَا حَمَلَ الزّلالَ سِجَالُهُ

ونحاك ما حر الزحوف لواؤه

لَوْلا اتّقَاءُ الجَاهِلِيّة ِ سُقْتُهُ

ذَوْداً تَمُورُ عَلى ثَرَاكَ دِمَاؤهُ

و اطرت تحت السيف كل عشية

عُرْقُوبَ مُغْتَبِطٍ يَطُولُ رَغاؤهُ

لكن سيخلف عقرها ودماؤها

أبَدَ اللّيَالي، مَدْمَعي وَبُكاؤهُ

أقْني الحَيَاءَ تَجَمُّلاً لَوْ أنّهُ

يَبْقَى مَعَ الدّمْعِ اللّجُوجِ حَياؤهُ

وَإذا أعَادَ الحَوْلُ يَوْمَكَ عَادَني

مِثْلَ السّلِيمِ يَعُودُهُ آنَاؤهُ

داءٌ بقلبي لا يعود طبيبه

يَأساً إليّ، وَلا يُصَابُ دَوَاؤهُ

فاذهب فلا بقي الزمان وقد هوى

بكَ صَرْفُهُ وَقضَى عَلَيكَ قَضَاؤهُ