إني لَيَنْفَعُني بَأسِي، فَيَصْرِفُني

الفرزدق

إني لَيَنْفَعُني بَأسِي، فَيَصْرِفُني

إذا أتَى دُونَ شَيْءٍ مرّةُ الوَذَمِ

وَالشّيْبُ شَرُّ جَدِيدٍ أنْتَ لابِسُهُ،

وَلَنْ تَرَى خَلَقاً شَرّاً مِنَ الهَرَمِ

ما مِنْ أبٍ حَمَلَتْهُ الأرْضُ نَعلَمُه

خَيرٌ بَنِينَ، وَلا خَيرٌ مِنَ الحَكَمِ

الحَكَم بن أبي العاصِي الذينَ هُمُ

غَيْثُ البِلادِ وَنُورُ النّاسِ في الظُّلَمِ

مِنهمْ خَلائِفُ يُستَسقى الغَمامُ بهمْ،

وَالمُقْحِمُونَ على الأبطالِ في القَتَمِ

رَأتْ قُرَيْشٌ أبَا العاصِي أحَقَّهُمُ

باثنَينِ: بالخاتَمِ المَيْمُونِ وَالقَلَمِ

تَخَيّرُوا قَبلَ هذا النّاس إذْ خُلقُوا

مِنَ الخَلائِقِ أخْلاقاً مِنَ الكَرَمِ

مِلْءَ الجِفانِ من الشِّيزَى مُكَلَّلَةً،

وَالضّرْبَ عندَ احمرَارِ المَوْتِ للبُهَمِ

ما ماتَ بعَدَ ابن عَفّانَ الذي قَتَلوا،

وَبَعْدَ مَرْوَانَ للإسْلامِ وَالحُرَمِ

مثْلُ ابنِ مَرْوَانَ وَالآجالُ لاقِيَةٌ

بحَتْفِهَا كُلَّ مَنْ يَمْشِي على قدَمِ

إنْ تَرْجِعوا قد فرَغتمْ من جَنازَتِهِ،

فَما حَمَلْتُمْ على الأعْوادِ من أمَمِ

خَليفَةً كانَ يُستَسقى الغَمَامُ بِهِ،

خَيرَ الذِينَ بَقُوا في غابِرِ الأُمَمِ

قالُوا ادْفُنُوهُ فكادَ الطّوْدُ يُرْجِفُهُ

إذْ حَرّكُوا نَعْشَهُ الرّاسِي من العَلمِ

أمّا الوَليدُ، فَإنّ الله أوْرَثَهُ

بِعِلمِهِ فِيهِ مُلْكاً ثَابِتَ الدِّعَمِ

خَلافَةً لمْ تَكُنْ غَصْباً مَشُورَتُهَا،

أرْسَى قَوَاعِدَها الرّحَمنُ ذو النِّعَمِ

كانتْ لعُثمانَ لمْ يَظْلِمْ خِلافَتَها،

فانْتَهَكَ النّاسُ منهُ أعظَم الحُرَمِ

دَماً حَرَاماً، وَأيْماناً مُغَلَّظَةً،

أيّام يُوضَعُ قَمْلُ القَوْمِ باللِّمَمِ

فَرّقتَ بَينَ النّصَارَى في كَنائِسِهِمْ،

وَالعابِدِينَ مَعَ الأسْحَارِ وَالعَتَمِ

وَهُمْ مَعاً في مُصَلاّهُمْ وَأوْجُهُهُمْ

شَتى، إذا سَجَدُوا لله وَالصّنَمِ

وَكَيفَ يَجتَمِعُ النّاقُوسُ يَضرِبُهُ

أهْلُ الصّليبِ مَعَ القُرّاءِ لمْ تَنَمِ

فُهّمتَ تَحوِيلَها عَنهُمْ كما فَهما،

إذْ يَحكُمَانِ لهمْ في الحَرْثِ وَالغَنمِ

داوُدُ وَالمَلِكُ المَهْدِيُّ، إذْ حَكَما

أوْلادَها وَاجْتِزَازَ الصّوفِ بالجَلَمِ

فَهَمَّكَ الله تَحْوِيلاً لبَيْعَتِهِمْ

عَن مَسجِدٍ فيهِ يُتحلى طَيّبُ الكَلِمِ

عَسَتْ فُرُوغُ دلائي أنْ يُصَادِفَها

بَعْضُ الفَوائضِ من أنهارِكَ العُظُمِ

إمّا مِنَ النِّيلِ إذْ وارَى جَزَائِرهُ،

وَطَمَّ فَوْقَ مَنَارِ المَاءِ والأكَمِ

أوْ من فُرَاتِ أبي العاصِي، إذا التَطمتْ

أثْبَاجُهُ بِمَكانٍ وَاسِعِ الثَّلَمِ

تَظَلُّ أرْكَانُ عَانَاتٍ تُقَاتِلُهُ

عَنْ سُورِها وَهوَ مثلُ الفالجِ القَطِمِ

يَخشَوْنَ من شُرُفاتِ السُّورِ سَوْرَتَهُ،

وَهُمْ على مثل فَحلِ الطّوْد من خِيَمِ

القاتلُ القِرْنَ وَالأبطالُ كَالِحَةٌ،

وَالجوعَ بالشّحمِ يوْم القِطقِط الشَّبِمِ