الصاحب ابن عباد

الصاحب ابن عباد

326 هـ – 385 هـ

هو أبو القاسم إسماعيل بن عباد بن عباس بن عباد بن أحمد بن إدريس القزويني، الطالقاني، الاصفهاني، المعروف بالصاحب وكافي الكفاة.

من مفاخر علماء وأدباء الشيعة الإمامية الرافضية، مشارك في مختلف العلوم كالحكمة والطب والنجوم والموسيقى والمنطق، وكان محدثاً ثقة، شاعراً مبدعا، وأحد أعيان العصر البويهي. كان وزيراً، ومن نوادر الوزراء الذين غلب عليهم العلم والأدب.

ولد باصطخر، وقيل بالطالقان في السادس عشر من ذي القعدة سنة 326 هـ، وقيل سنة 324 هـ، وكان أصله من شيراز، وقيل من الري، وقيل من اصفهان.

توفي بالري في الرابع والعشرين من صفر سنة 385 هـ، ونقل جثمانه إلى اصفهان ودفن بها في باب دريه. رثاه الشريف الرضي بعد وفاته بقصيدة مطولة.

له مؤلفات وآثار عديدة منهاالمحيط في اللغة:

الكشف عن مساوئ المتنبي– ديوان رسائل– ديوان شعر– عنوان المعارف في التاريخ

الوزراء– أسماء الله وصفاته– جوهرة الجمهرة– الأعياد– الامامة– الإبانة عن الإمامة

الوقف والابتداء– الفصول المهذبة– الشواهد– القضاء والقدر

قال عنه ابن خلكان في كتابه وفيات الأعيان“:

الصاحب أبو القاسم إسماعيل بن أبي الحسن عباد بن العباس بن عباد بن احمد ابن إدريس الطالقاني؛ كان نادرة الدهر وأعجوبة العصر في فضائله ومكارمه وكرمهأ وأخذ الأدب عن أبي الحسين أحمد بن فارس اللغوي صاحب كتابالجملفي اللغة، وأخذ عن ابي الفضل ابن العميد، وغيرهما.

وقال أبو منصور الثعالبي في كتابه اليتيمة في حقه: ليست تحضرني عبارة أرضاها للإفصاح عن علو محله في العلم والأدب، وجلالة شأنه في الجود والكرم، وفرده بالغيات في المحاسن، وجمعه أشتات المفاخر، لأن همة قولي تنخفض عن بلوغ أدنى فضائله ومعاليه، وجهد وصفي يقصر عن أيسر فواضله ومساعيه.

ثم شرع في شرح بعض محاسنه وطرف من أحواله.

وقال أبو بكر الخوارزمي في حقه: الصاحب نشأ من الوزراة في حجرها، ودب ودرج من وكرها، ورضع أفاويق درها، وورثها عن آبائه كما قال أبو سعيد الرستمي في حقه:

 

ورث الوزارة كابراً عن كابرٍ

 

موصلة الإسناد بـالإسـنـاد

يروي عن العباس عبـاد وزا

 

رته وإسماعيل عن عـبـاد

 

 

وهو أول من لقب بالصاحب من الوزراء لأنه كان يصحب أبا الفضل ابن العميد، فقيل له: صاحب ابن العميد، ثم أطلق عليه هذا اللقب لما تولى الوزارة وبقي علماً عليه. وذكر الصابىء في كتاب التاجي أنه إنما قيل له الصاحب لأنه صحب مؤيد الدولة بن بويه منذ الصبا وسماه الصاحب، فاستمر عليه هذا اللقب واشتهر به، ثم سمي به كل من ولي الوزارة بعده.


وكان أولاً وزير مؤيد الدولة أبي منصور بويه بن ركن الدولة بن بويه الديلمي تولى وزارته بعد أبي الفتح علي بن أبي الفضل ابن العميد المذكور في ترجمة أبيه محمد، فلما توفي مؤيد الدولة في شعبان سنة ثلاث وسبعين وثلاثمائة بجرجان استولى على مملكته أخوه فخر الدولة أبو الحسن علي، فأقر الصاحب على وزارته، وكان مبجلاً عنده ومعظماً نافذ المر. وأنشده أبو القاسم الزعفراني يوما أبياتا نونية من جملتها:

 

 

أيا من عطاياه تهدي الغنى

 

إلى راحتي من نأى أو دنا

كسوت المقيمين والزائرين

 

كسا لم نخل مثلها ممكنـا

وحاشية الدار يمشون فـي

 

صنوف من الخز إلا أنـا

 

 

فقال الصاحب: قرأت في أخبار معن بن زائدة الشيباني أن رجلاً قال له: احملني أيها الأمير، فأمر له بناقة وفرس وبغل وحمار وجارية، ثم قال: لوعلمت أن الله سبحانه وتعالى خلق مركوبا غير هذا لحملتك عليه، وقد أمرنا لك من الخزبجية وقميص وعمامة ودراعة وسراويل ومنديل ومطرف ورداء وكساء وجورب وكيس، ولو علمنا لباسا آخر يتخذ من الخز لأعطيناكه.


واجتمع عنده من الشعراء ما لم يجتمع عند غيره، ومدحوه بغرر المدائح. وكان حسن الجوبة سريعها، رفع الضرابون من دار الضرب إليه رقعة في مظلمة مترجمة بالضرابين، فوقع تحتها في حديد بارد. وكتب بعضهم إليه ورقة أغار فيها على رسائله وسرق جملة من ألفاظه فوقع فيها هذه بضاعتنا ردت إلينا. وحبس بعض عماله في مكان ضيق بجواره، ثم صعد السطح يوماً فاطلع عليه فرآه فناداه المحبوس بأعلى صوته فاطلع فرآه في سواء الجحيم فقال الصاحب اخسأوا فيها ولا تكلمون ونوادره كثيرة. وصنف في اللغة كتاباً سماه المحيط وهو في سبع مجلدات، رتبه على حروف المعجم، كثر فيه الألفاظ وقلل الشواهد فاشتمل من اللغة على جزء متوفر، وكتاب الكافي في الرسائل وكتاب الأعياد وفضائل النيروز وكتاب الإمامة يذكر فيه فضائل علي بن أبي طالب رضي الله عنه ويثبت إمامة من تقدمه، وكتاب الوزراء وكتاب الكشف عن مساوئ شعر المتنبي وكتاب أسماء الله تعالى وصفاته وله رسائل بديعة ونظم جيد، فمنه قوله:

 

 

وشادن جـمـالـه

 

تقصر عنه صفتي

أهوى لتقبـيل يدي

 

فقلت قبل شفتـي

 

 

وله في رقة الخمر:

 

 

رق الزجاج ورقت الخمر

 

وتشابها فتشاكل الـمـر

فكأنما خـمـر ولا قـدح

 

وكأنما قدح ولا خـمـر

 

 

وله يرثي كثير بن أحمد الوزير وكنيته أبو علي:

 

 

يقولون لي أودى كثير بن أحمدٍ

 

وذلك مرزوء علي جـلـيل

فقلت دعوني والعلا تبكه معا

 

فمثل كثير في الرجال قلـيل

 

 

وحكى أبو الحسين محمد بن الحسين الفارسي النحوي أن نوح بن منصور أحد ملوك بني سامان كتب إليه ورقة في السر يستدعيه ليفوض إليه وزارته وتدبير أمر مملكته، فكان من جملة أعذاره إليه أنه يحتاج لنقل كتبه خاصة إلى أربعمائة جمل، فما الظن بما يليق بها من التجمل.


وفي هذت القدر من اخباره كفاية.


وكان مولده لأربع عشرة ليلة بقيت من ذي القعدة سن ست وعشرين وثلثمائة يإصطخر، وقيل: بالطالقان، وتوفي ليلة الجمعة الرابع والعشرين من صفر سنة خمس وثمانين وثلثمائة بالري، ثم نقل إلى أصبهان، رخمه االه تعالى، ودفن في قبة بمحلة تعرف بباب دزيه، وهي عامرة إلى الآن، وأولاد بنته يتعاهدونها بالتبيض.


قال أبو القاسم بن أبي العلاء الشاعر الأصبهاني: رأيت في المنام قائلا يقول لي: لم لم ترث الصاحب مع فضلك وشعرك؟ فقلت: ألجمتني كثرة محاسنه فلم أدر بم أبدأ منها، وقد خفت أن أقصر وقد ظن بي الاستيفاء لها، فقال: أجز ما أقوله، فقلت: قل، فقال: ثوى الجود والكافي معاً في حفيرة فقلت: ليأنس كل منهما بأخيه فقال: هما اصطحبا حيين ثم تعانقا فقلت: ضجيعين في لحدٍ بباب دزيه فقال: إذا ارتحل الثاوون عن مستقرهم فقلت: أقاما إلى يوم القايامة فيه ذكر هذا البياسي فيحماسته.


ورأيت في أخباره أنه لم يسعد أحد بعد وفاته كما كان في حياته غير الصاحب فإنه لما توفي أغلقت له مدينة الري واجتمع الناس على باب قصره ينتظرون خروج جنازته، وحضر مخدومه فخر الدولة المذكور أولا وسائر القواد وقد غيروا لباسهم، فلما خرج نعشه من الباب صاح الناس بأجمعهم صيحة واحدة وقبلوا الأرض، ومشى فخر الدولة أمام الجنازة مع الناس وقعد للعزاء أياماً.

 

ورثاه أبو سعيد الرستمي بقوله:

 

أبعد ابن عباد يهش إلى السرى

 

أخو أمل أو يستمـاح جـواد

أبى الله إلا يموتـا بـمـوتـه

 

فما لهما حتى المعاد مـعـاد

 

وتوفي والده أبو الحسن عباد بن العباس في سنة أربع أو خمس وثلاثين وثلثمائة، رحمه الله تعالى؛ وكان وزير ركن الدولة بن بويه، وهو والد فخر الدولة المذكور، ووالد عضد الدولة فناخسرو ممدوح المتنبي.

وتوفي فخر الدولة في شعبان سنة سبع وثمانين وثلثمائة، رحمه الله تعالى، ومولده في سنة إحدى وأربعين وثلثمائة.

والطالقاني بفتح الطاء المهملة وبعد الألف لام مفتوحة ثم قاف وبعد الألف الثانية نون هذه النسبة إلى الطالقان، وهو اسم لمدينتين: إحداهما بخراسان والأخرى من أعمال قزوين، والصاحب المذكور أصله من طالقان قزوين، لا طالقان خراسان“.