الغناء في الاندلس

 الغناء في الاندلس

 ازدهار الغناء في الأندلس بدأ ترفا في قصور الأثرياء والأمراء والملوك ثم أدى النمو الاقتصادي والرخاء إلى دمقرطته ليدخل في الطقوس والتقاليد الشعبية في الديار والبساتين وأزقة قرطبة وإشبيلية وغرناطة وغيرها من الحواضر الأندلسية. وتعممت الظاهرة بالتالي إلى جميع الطبقات الشعبية حتى أصبح لا يكاد يوجد بيت من بيوت الأندلس لا يتوفر على آلة موسيقية وعازف أو شاعر ولا تُقام فيه سهرات السمر، حسب شهادة الفقيه التجيبي. في البداية، كان الغناء في الأندلس نسخةً طبق الأصل لما كان يغنيه فنانو دمشق وبغداد، وبشكل أكثر تميزا المدينة المنورة ومكة حيث كان من بين الفنانين والفنانات من يذهب لأداء مناسك الحج حاملا معه آلاته الموسيقية ومصطحبا جوقه مثلما فعلت الفنانة الكبيرة جميلة في العهد الأموي دون أن يرى الناس في ذلك عيبا.

ثم في مراحل لاحقة، دخلت الموسيقى والغناء في الأندلس في تفاعل وتلاقح طويليْ الأمد تمخضا عن غناء بهوية أندلسية بحتة هي حوصلة الخبرات الموسيقية العربية الحجازية والشامية والبغدادية والبربرية والزنجية والإسبانية المسيحية الكنسية – الغريغورية، وحتى الصّقْلبية (أي السّْلاَفِية) التي كانت تشمل المؤثرات البلقانية والجورجية وعددا من العناصر الموسيقية الأوروبية، لأن صفة الصقلية توسعت إلى بلدان أوروبية شرقية أخرى. هذه المؤثرات الصقلبية بالذات، التي نسيناها منذ قرون، هي التي تحدث عنهاأبو بكر الطَّرْطوُشِي (توفي عام 520هـ) في كتابه “الحوادث والبدع” وقال إن المسلمين في الأندلس  استعاروا الألحان الصقلبية حتى في ترتيلالقرآن مُقلِّدين رهبانهم وبالطقوس نفسها تقريبا. كما لا يجب أن ننسى وجود المؤثرات الفارسية في الغناء الأندلسي عبْر إشعاع المدرسة الموسيقية التي أسسها الفنان الكبير مؤنس البغدادي في القيروان برعاية عبيد الله الفاطمي الشيعي. كل هذا التنوع الثقافي – الموسيقي توفرت له الظروف المادية الملائمة بفضل الاستقرار السياسي والرخاء الاقتصادي الذي شَكِّل تدريجيا تقاسيم ما سيُعرف بالطرب الأندلسي الذي ما زالت أصداؤه تتردد في مجتمعات شمال إفريقيا بشكلخاص؛ من موريتانيا إلى ليبيا.

في البداية أيضا، اعتمدت الأندلس، خصوصا في عهد عبد الرحمن الداخل، صقر قريش، ومن خلفه على رأس السلطة الأموية في الجزيرة الإيبيرية كالحكم بن هشام(796م – 822م)  وعبد الرحمن بن الحكم بن هشام (822م – 852م)، على استقدام المغنين والقينات والجواري من المشرق واستقطابهم إياهم بإغداق الهدايا والعطاءات عليهم ثم ما لبث الأندلسيون أن حققوا الاكتفاء والاستقلالية في هذا المجال حيث أصبحت بلادهم تنتج فنانيها بنفسها وتُصَدِّر موسيقاها ليس إلى المشرق فحسب بل إلى كافة أنحاء العالم. وقد رافق ازدهارَ الموسيقى ازدهارُ صناعة آلاتها حتى أن مؤرخي ذلك العهد يؤكدون تَوَفّرَ الموسيقى في أندلس القرن 13م على الأقل، وفي إشبيلية على وجه الخصوص، على أزْيد من 70 آلة وترية ونفخية وإيقاعية، أغلبها ضاع اليوم وأصبح مجهولا. والأندلس التي أتحدث عنها هي تلك التي كانت في تفاعل حضاري – ثقافي واجتماعي دون انقطاع مع برّ العدوة، شمال إفريقيا، قبل التحامها معه منذ أن وحّد المرابطون ثم الموحدون ضفتي غرب البحر المتوسط طيلة قرون حيث تجانست  إلى حد بعيد أنماط العيش وثقافة بر العدوة والجزيرة الإيبيرية إلى الحد الذي ما زلنا فيه إلى اليوم أندلسيين، في الجزائر وتونس والمغرب وليبيا، أندلسيي الرّوح والهيكل الثقافي، ولو أن الكثير منا لا يعي ذلك.

أشهر المطربين والملحنين

الأندلس أعطت البشرية فنانين كبارا غيَّروا مجرى تاريخ الموسيقى في العالم بأسره، من بينهم أبو الحسن علي بن نافع الشهير بـ: زرياب (777م – ما بين 852م و857م)، ابن باجة (1095م – 1138م)، أمية عبد العزيز بن أبي الصلت الأندلسي (1067م – 1134م) الذي أسس مدرسة للموسيقى في مدينة بجاية، أَسْلَم بن عبد العزيز زوج حمدونة بنت زرياب، يحيى الخدج المرسي (القرن 12م)، أبو عامر بن الحَمَّارة الغرناطي، ابن جودي الذي كان ينظم الشعر إلى جانب احترافه الموسيقى، أبو الحسن بن الحاسب المُرْسِي الذي يقول عنه أحمد التيفاشي “وكل تلحين يُسمع بالأندلس والمغرب من شعر متأخر فهو من صنعته”، وأبو بكر الرّقوطي (القرن 13م) الذي كان يُعلِّم الموسيقى في مدينة مُرْسِيَّة… ومن النساء: غزلان، هنيدة، فلّة، مُتعة، قَمَر البغدادية، قَلَم البَاسْكِية المغنية الكبيرة والخطَّاطة اللامعة المُبدعة، وصُبْح البَاشْكَنْجِيَّة (أي البَاسْكِيَّة) المعروفة بصبيحة الأندلسية أو أُورُورَا(Aurora) والتي أصبحتْ سلطانةَ الحَكَم المُسْتنصِر بالله وأمّ هشام المُؤَيَّد بالله.

تلاحمت عند هؤلاء المطربين الأندلسيين الفنون الموسيقية بفنون الشعر والأنواع التي ابتكرتها مدرسة الأدب الأندلسي – المغاربي كالموشحات والأزجال. وكثيرا ما كان كبار الفنانين يلحنون أشعارهم التي ينظمونها بأنفسهم. وإذا اشتهر زرياب بوضعه أو إكماله بلورة نظام الغناء الأندلسي بنوباته الأربع والعشرين حسب عدد ساعات اليوم والمزاج النفسي البشري الخاص بكل ساعة، فإن ابن باجة نبغ في العزف والتلحين باستخدام آلة العود التي تُنسَب إضافةُ وترِها الخامس لزرياب مثلما يُنسَب له اختراع المضرب أو الريشة من قوادم النسر لتحل محل المضرب الخشبي. وبرع ابن باجة في لون جديد من الألحان يعتمد على المزج بين الموسيقى العربية السائدة في الأندلس والمغرب الإسلامي من جهة، وموسيقى الثقافات الأوروبية التي كان يستوحيها من الجاليات المسيحية الأندلسية ومما كان رائجا من موسيقى الأمم الأوروبية المجاورة. وسرعان ما تحولت هذه الموضة في التلحين إلى مدرسة قائمة بذاتها. وربما هذا من بين ما يفسر اليوم وجود مقامات موسيقية في فننا الموسيقي الذي يُعرف بـ : “العربي الأندلسي” لا وجود لها عند بقية العرب في المشرق والخليج، لكنها موجودة في بلدان أوروبية كآيرلندا.

أسلوب الغناء العربي الأندلسي

المألوف-1

المالوف هو أسلوب الغناء العربي الأندلسي الذي كان سائدا في إشبيلية، غرب الأندلس، والتي اشتهرت كعاصمة للموسيقى الأندلسية مثلما كانت قرطبة عاصمة الإنتاج العلمي والأدبي المكتوب. الأسلوب الإشبيلي انتشر مبكرا في الجزائر وتونس وترسخ نهائيا وإلى اليوم في هذين البلدين، وحتى في ليبيا، خلال الحكم الحفصي الذي وَحَّد تونس والشرق الجزائر في دولة واحدة، واتَّسم بروابط ومبادلات قوية لبجاية وتونس مع إشبيلية. وقد كان أبو زكريا يحي الأمير الحفصي (1228م –1249م) قد أقام لسنوات في إشبيلية وارتبط بعلاقات وطيدة مع أهلها ونخبتها، وعندما تولى الحُكم الحفصي، في تونس وبجاية وقسنطينة، استقدم إليها الإشبيليين، وكانت الرحلات متبادلة بكثافة بين الإشبيليين والبجائيين آنذاك. وعندما سقطت إشبيلية بيد المسيحيين عام 1248م، هاجرت أعداد كبيرة من سكانها الذين كان من بينهم عرب وأمازيغ، جزائريون وتونسيون، إلى مدينة بجاية.  فالمالوف الجزائري كان في بداياته، إذن، بجائيا قبل أن يصبح قسنطينيا ثم عنابيا وسكيكديا. بطبيعة الحال، المالوف الذي نعرفه اليوم يحمل مؤثرات محلية جزائرية تراكمت عبْر العصور من ارتجالات الفنانين المحليين وأيضا من اللمسات التركية التي دخلت عليه خلال الحقبة العثمانية من تاريخ البلاد من 1516م إلى 1830م، كالبشرافات والسماعيات.

الحوزي -2

هذا عن المالوف، أما الحوزي فهو نوع جديد أنجبه الغناء العربي الأندلسي في الجزائر بعد الرحيل عن الربوع الأندلسية، فروحه إيبيرية خالصة نابعة من إرث زرياب وابن باجة ومولده جزائري تلمساني، وتتضمن مكوِّناته جينات جزائرية عربية – بربرية واضحة المعالم. نشأ الحوزي وبرز ويفع في تلمسان ثم انتشر في باقي أرجاء البلاد، وهو ينتمي لموسيقى الأطراف الحضرية وليس المركز، أي لموسيقى الضواحي خارج الأسوار، كما يبدو من نسبته إلى الحوز أي الضاحية، لذا فإنه ليس حضريا خالصا بل يحمل في كنهه شيئا من الريف المحيط بتلمسان. ويقابل هذا النوع في مدينة الجزائر ما يُعرف بالعْرُوبِي. كما يجب أن نعرف أن كبار أقطاب الغناء الحوزي كانوا من أعظم الشعراء والمغنين الجزائريين المنحدرين من عائلات أندلسية على غرار محمد بن مسايب صاحب “مَرْيَمْ مَرْيَمْ فِيكْ لا نْسَلَّمْ  في حُبّك دَايَمْ يَالتَّائهَة عليَّ” و”القَلْبْ بَاتْ َسالِي والخَاطَرْ فَارَحْ”  ومحمد بن سهلة (القرن 18م 1797م) وابنه بومدين بن سهلة (1820م – 1860م) صاحب الأغنيتين الشهيرتين “بِالله يا ابن الوَرْشَانْ” و”يوم الخْمِيسْ آشْ ادَّانِي””…