مملكة النيل

مملكة النيل

لرضوي محمد مبارك
جامعة عين شمس , القاهرة

عندما كانت فتاة فى مقتبل العمر، كانت الأجمل بين الأخريات، وكان يٌضرب بها المثل فى النجاح والأسبقية، كانت مفخرة أهلها . اتجهت الأنظار إليها إعجاباً، وأصبح الجميع يسعى ليحوذ على إعجابها ويطمح فى الزواج بها، إلا أنها وقعت أسيرة لرجل أذل كبريائها، ومنع أهلها من لقائها بعد أن ظنوه رجلاَ صالحا لها.

إلا أنهم اكتشفوا أن الصاد حقيقتها الطاء، فقرروا تخليص فتاتهم من ذلك الطالح المخادع .

فعادت الفتاة لأحضان أهلها، ولكن لم يدم ذلك العناق كثيرا، وكأن القدر أراد أن يطيل تعاستها، فقد وقعت المسيكنة في شِباك رجلٍ كان أشد هولاً من سابقه،  وقد كان  ذلك الزواج بل الأسر رغماً عن الفتاة وأهلها الذين لا يملكون من أمرهم شيئاَ،فعادت الدموع لعيون تلك الجميلة حتى اشتكت الجفون من حريقها،ظلت أسيرة له دهراً مِنْ الزمن ، ومع كل يومٍ في سجنها كانت تفقد شيئاً فشيئاً من جمالها وشبابها، تمسك واهنةً بالقضبان التى وضعها فيها ذلك الوحشى متطلعة ًبعيون باكية إلى هواء الحرية .

أهلها منذ وقعت في أسر ذلك الرجل كانوا لا يتوقفون عن مهاجمته بشتى الوسائل، ولكن أشد سلاحٍ كان يغضبه هو المقاومة الشعبية، فظلوا يُقامون رجالاً ونساءاً جيلاً بعد جيل لاسترداد فتاتهم حتى كان النصر حليفهم، وكانت الحرية من نصيب الفتاة التى قبعت في أسر مُحتلها خمسة وسبعين عاماً، وحاول الأهل أن يخففوا عن فتاتهم وطأة الذي كان من الأسر، وأن يعيدوا لها شيئاً مِنْ مجدها وكبريائها، فكان قراراهم ” أن يكون أمرنا فى يد الله ثم فى أيدينا،  وألاَّ يكون الضعف أو الخوف قاهرنا، وأن يكون سيفنا مسلول لمقاومة الشًر، وأن نعيد تاج الكبرياء لرأس ابنتنا” . وتم تنفيذ القرار بحسم .

وعندما همت شفتا الفتاة بالإبتسام أبت حواجز الحياة أن تبقيها طويلا حتى وقعت أسيرة من جديد فى يد الوحشى الذى لم تهنأ بفراقه طويلاً، وصبيين كانا معه. كان قد أعطى أحدهما وعداً بأنه سيساعده فى اغتصاب جارة الفتاة، و بأن له كامل الحقوق فى تدمير مزارعها الزيتونية، ولكن ذلك الأسر لم يدم كثيرا، و ذهب الغاصب بعيداً عنها، ولكن الصبي الذي كان معه كان قد بدأ في تنفيذ الوعد الوغد، فترصد بالجارة الزيتونية، ودمر مزراعها، فقامت الفتاة بالرغم من ما تعرضت له وأجتمعت بأخواتها وجارتها، وقررن التصدى لذلك الصبى الوغد لنصرة الجارة الزيتونية، ولكن من كان يتصور أن النصر سيكون حليف الصبى ؟ الحق، إن هزيمتهن كانت مُتوقعة فقد كنْ يُعانين من الضعف، فلم تكن الفتاة وحدها التى تعرضت لمآسى الحياة وجشع الأخرين، وليت الأمر توقف على الهزيمة، فالصبي اللئيم لم يكتف بالنصر، فقد سرق جوهرة ثمنية تخص فتاتنا الجميلة، وهضبة خصبة تمتلكها الجارة الشامية، ولأن مصيبتيهما كانت واحدة  اتحدت الفتاة وجارتها ونيران الإنتقام تجرى في روحيهما، وبعد ستة أعوام من تلك الهزيمة النكراء كانتا قد أعدتا نفسيهما جيداً لإنتزاع حقيهما، فإتخذتا على الملأ من الضعف ستراً للقوة .

ولما حانت ساعة الصفر كان الصبى غارقاً فى سبات عميق، على غير استعداد لمعركةٍ سَطَرَ التاريخ أحداثها من النور على صفحات كتابه العتيق، فاستردت الفتاة جوهرتها الثمينة، بينما لم تفلح شقيقتها فى استراد هضبتها، ومرَّت السنون والأعوام، عاماً تلو عام، حتى جاء عام ليس كسابق الأعوام، جاء غريباً على الملكة، شهدت فيه أموراً لم تكن بالحسبان، مرَّ بعده عام وعام، حتى تساقطت الدماء على ردائها، وتعالى صوتها مُتسائلة “مَنْ الذي وصَّل الحال بأهلي إلى هنا ؟ مَنْ الضحية هم أم أنا ؟ ما بال أهلي لا يعبأون بي؟ كل قطرة مَنْ دمائهم تُقِطع شرايين روحي، إلى متى ؟؟؟” مازالت تتسأل ولن يجب سُؤلها غير الزمن، الذي يمر و يحمل معه العجيب والغريب لكل أرض ٍ تُشرق فيها الشمس أو تغيب. كان ذلك جزءا من قصة لم تنتهى لملكة اتخذت من أول الزمان الكبرياء تاجاً على رأسها، ومن النيل قلادة على صدرها.