بحر الظلمات

 بحر الظلمات

لرضوي محمد مبارك
جامعة عين شمس , القاهرة

نظرتْ فى مرآتها وتعمقت فى تفاصيل ملامحها، تنقد بعينيها البراقتين صور ممثلات السينما العالمية، تبحث فى مرآتها عن أي شبه طفيف، تحاول أن تختلق الشبه، وتقنع نفسها به، تجوب بخيالها فتُحول الغرفة إلى قصر، تنظْر من نافذتها، تتخيل ملايين المعجبين والمصورين ينتظرون على أمل أن يحظوا بنظرة منها، تعود لمرآتها تُمعن النّظر لتؤكد ما أقنعت نفسها به.

 ترتدي القناع المُختلق وتذهب فى رحلة مع صديقاتها اللاتي يفوقنها جمالاً، فتمسك بمرآة الأحلام فترى الحلم الذى كان بالأمس وكأنه لم يكن، فيتملكها الإحباط الذى عهدته، فترنْ فى أسماعها كل المقولات التى وصفتها بالقبح  .

 تتسابق الدموع من عينيها فى السقوط على وجنتيها، فتسألها الفتيات والإجابة الصادقة محبوسة فى أعماقها، تجد عذراً تافهاً لدموعها، ثٌّم تفِر هاربةٍ إلى منزلها. وتمر أيام تخشى فيها الخروج بعيداً عن غرفتها، وتفضَل الإنطواء على نفسها.
ففى غرفتها لا يوجد من هي أجمل منها, ومرآتها تشهد لها بذلك، فقط عندما تكون فى صومعتها وتبحر فى عالمها الواسع مع أحلامها المُختلقة.

 أصبحت ْكثيرة الهروب إلى أحلامها لدرجة يٌخيل إليك فيها أنها فى عالم آخر.

فما عادت ترغب في العودة إلى ذلك القاسى المرير الذى لا يعاملها بلطف مثل عالمها الشخصى الذى يصنع منها ما تريده فى ثوانٍ، وبدون جهد أو صعوبة.

 ولأن الزمن قد لا يتوقف فى عالمها الشخصى فهو يتوقف عند القاسى المرير، فعلى الرغم من عشقها لعالمها الخاص إلا أنها مٌرغمة على العودة إلى العالم الحقيقي الذي منه تهرب، فتجده قد ازداد قسوة عليها، فهو لا يتهمها فقط بالقَبح وإنما بالفشل أيضاً، ولأنها تؤمن بما يُوجه إليها من اتهامات، تعود هاربةً  لعالمها الخاص مجدداً، ولكن من الواضح أنه هرب منها هو الآخر، تحاول استعادته ولكن كيف تنجح فى استعادته إن كان الفشل قد دخل فى مكنونات نفسها؟!!

 يحاول  كل من حولها انقاذها من بحر الظلمات الذى وقعت فيه, ولكن ثمة مشكلة فى هذا البحر وهى أن سفن الإنقاذ تعجز عن الإبحار فيه، فمن يقع فيه عليه أن يٌخرج منه نفسه بنفسه. و بمرور الأيام يزداد الأمر سوءاً، فتجد نفسها قد وصلت إلى قاع بحر الظلمات، تراودها فكرة الفناء الذاتى. هل تُفنى نفسها وإن  كان هذا آخر ما تتصوره. كم عصيبة تلك الليالى عليها!! إذ أصبح أمامها خياران لا ثالث لهما إما الفناء أو التحدى والبقاء، وكلاهما صعب المنال وإن كان الخيار الثانى أصعب وأطول فى التنفيذ عن الأول.

 اختارت البقاء، وقررت التحدي، وفجاءة عاد مجدداً الذى كان له الفضل فى سقوطها فى بحر الظلمات، كرهت العودة إليه ولكن روحها أحبت عودتها إليه، فقد كان هذه المرة معيناً لها على سيده، أحاطها بأحلام عن النجاح و التفوق و الثقة.انتشلها بشعاع الأمل من القاع المٌظلم، عرَّفت بعدها كيف تنسج أحلاماً تُعينها على مواجهة الواقع بكل عقباته، فأثبتت لنفسها أنها قادرة على أن تربح فى سباق الحياة. أمسكت مرآتها وتعمقت فى ملامحها بضع ثوانٍ،ثم ألقت بها في خبايا النسيان، ماعاد الجمال عندها جمال الملامح الظاهر، فالجمال الحقيقى يكمُن هناك حيث تكمُن الروح فى أعماق النفس البشرية، والربح فى سباق الحياة لا يتعلق بالجمال الخارجى على أهميته إلا أن هذه الأهمية لا تضاهي الجمال الروحى .