نمرود بن كنعان

نمرود بن كنعان

نمرود بن كنعان، وعرف عند المسلمين بنمروذ، هو شخصية تاريخية ذكرت لأول مرة في التوراة اليهودية بالاسم كملك جبار تحدى الله. وربط المفسرون للقرآن نمرود هذا مع الشخصية القرآنية للملك الذي تجادل مع إبراهيم وعاقبه بالحرق. كما ذكر بعض المؤرخين انه الملك الذي بنى برج بابل تحديا لله. واعتبرت العديد من الثقافات أن نمرود يرمز لقوى الشر. وسميت العديد من المدن التراثية في العراق باسمه.

هو نمروذ بن كنعان بن كوش بن سام بن نوح” أو أنه “نمرود بن فالخ بن عابر بن شالخ بن أرفخشذ بن سام بن نوح” أو أنه ابن ماش ابن ارام ابن سام.

ورد في “تـاريخ الأمم والملوك” للطبري عن أمر النمرود:

” في الخبر عن عدو الله وعدو إبراهيم الذي كذب بما جاء به من عند الله، وردَّ عليه النصيحة التي نصحها له جهلاً منه، واغتراراً بحلم الله تعالى عنه، نمرود بن كوش بن كنعان بن حام بن نوح، وما آل إليه أمره في عاجل دنياه حين تمرد على ربه، مع إملاء الله إياه، وتركه تعجيل العذاب له على كفره به، ومحاولته إحراق خليله بالنار حين دعاه إلى توحيد اللهو البراءة من الآلهة والأوثان، وأن نمرود لما تطاول عتوه وتمرده على ربه مع إملاء الله تعالى له – فيما ذكر- أربعمائة عام، لا تزيده حجج الله التي يحتج بها عليه، وعبره التي يريها إياه إلا تمادياً في غيه، عذبه الله – فيما ذكر – في عاجل دنياه قدر إملائه إياه من المدة بأضعف خلقه، وذلك بعوضة سلطها عليه توغلت في خياشيمه فمكث أربعمائة سنة يسب بها في حياته الدنيا.

ذكر الأخبار الواردة عنه بما ذكرت من جهله وما أحل الله به من نقمته: حدثني الحسن بن يحيى، قال: أخبرنا عبد الرزاق، قال: أخبرنا معمر، عن زيد بن أسلم، أن أول جبار كان في الأرض نمرود، وكان الناس يخرجون فيمتارون من عنده الطعام، فخرج إبراهيم يمتارُ مع من يمتارُ، فإذا مر به ناس قال: من ربكم؟ قالوا: أنت،حتى مرّ به إبراهيم، قال: من ربك؟ قال: “ربي الذي يحيى ويميتُ قال أنا أحيي وأميت قال إبراهيم فإن الله يأتي بالشمس من المشرق فأت بها من المغرب فبهت الذي كفر”.

قال: فرده بغير طعام، قال: فرجع إبراهيم إلى أهله فمر على كثيب أعفر، فقال: هلا أخذ من هذا فآتي به أهلي فتطيب أنفسهم حين أدخل عليهم! فأخذ منه، فأتي أهله. قال: فوضع متاعه ثم نام، فقامت امرأته إلى متاعه ففتحته فإذا هي بأجود طعام رآه أحدٌ، فصنعت له منه، فقربته إليه – وكان عهد أهله ليس عندهم طعام – فقال: من أين هذا؟ قالت: من الطعام الذي جئت به، فعلم أن الله قد رزقه، فحمد الله.

ثم بعث إلى الجبار ملكاً: أن آمن بي وأتركك على ملكك، قال: فهل رب غيري؟ فجاءه الثانية فقال له ذلك، فأبى عليه، ثم أتاه الثالثة فأبى عليه، فقال له الملك: اجمع جموعك على ثلاثة أيام، فجمع الجبار جموعه، فأمر الله الملك، ففتح عليه باباً من البعوض، فطلعت الشمس فلم يروها من كثرتها، فبعثها الله عليهم، فأكلت لحومهم وشربت دماءهم، فلم يبق إلا العظام، والملك كما هو لم يصبه من ذلك شيء، فبعث الله عليه بعوضة فدخله في منخره، فمكث أربعمائة سنة يضرب رأسه المطارق، وأرحم الناس به من جمع يديه ثم ضرب بهما رأسه. وكان جباراً أربعمائة عام فعذبه الله أربعمائة سنة كملكه وأماته الله، وهو الذي بنى صرحاً إلى السماء، فأتى الله بنيانه من القواعد، وهو الذي قال الله: “فأتى الله بنيانهم من القواعد” حدثنا موسى بن هارون، قال: حدثنا عمرو بن حماد، قال: حدثنا أسباط، عن السدي في خبر ذكره عن أبي مالك وعن أبي صالح، عن ابن عباس – وعن مرة ابن مسعود، وعن ناس من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم، قال: أمر الذي حاج إبراهيم في ربه بإبراهيم، فأخرج – يعني من مدينته – قال: فأخرج فلقي لوطاً على باب المدينة – وهو ابن أخيه – فدعاه فآمن به، وقال: “إني مهاجر إلى ربي”، وحلف نمرود أن يطلب إله إبراهيم، فأخذ أربعة أفرخُ من فراخ النسور، فرباهن باللحم والخمر، حتى إذا كبرن وغلظن واستعلجن، قرنهن بتابوت، وقعد في ذلك التابوت، ثم رفع رجلاً من لحم لهنّ، فطرن به، حتى إذا ذهبن في السماء أشرف ينظر إلى الأرض، فرأى الجبال تدب كدبيب النمل، ثم ربع لهن اللحم، ثم نظر فرأى الأرض محيطاً بها بحر كأنها فلكة من ماء، ثم رفع طويلاً فوقع في ظلمة، فلم ير ما فوقه ولم ير ما تحته، ففزع فألقى اللحم فاتبعته منقضات، فلما نظرت الجبال إليهن وقد أقبلن منقضاتٍ وسمعن حفيفهن فزعت الجبال، وكادت أن تزول من أمكنتها ولم يفعلن، وذلك قوله عز وجل: “وقد مكروا مكرهم وعند الله مكرهم وإن كان مكرهم لنزول منه الجبال”،وهي في قراءة ابن مسعود: “وإن كاد مكرهم” فكان طيرانهن به من بيت المقدس، ووقوعهن في جبل الدخان، فلما رأى أنه لا يطيق شيئاً أخذ في بناء الصرح، فبنى حتى إذا أسنده إلى السماء ارتقى فوقه ينظر – يزعمه – إلى إله إبراهيم، فأحدث ولم يكن يحدث، وأخذ الله بنيانه من القواعد: “فخر عليهم السقفُ من فوقهم وأتاهم العذابُ من حيث لا يشعرون”، يقول: من مأمنهم، وأخذهم من أساس الصرح، فنتفض بهم. ثم سقط فتبلبلت ألسن الناس، من يومئذ من الفزع، فتكلموا بثلاثة وسبعين لساناً، فلذلك سميت بابل، وإنما كان لسان الناس قبل ذلك السريانية.

حدثنا ابن وكيع، قال: حدثنا أبو داود الحفري، عن يعقوب، عن حفص بن حيمد – أبو جعفر – عن سعيد بن جبير: “وإن كان مكرهم لنزول منه الجبالُ”، قال: نمرود صاحب النسور، أمر بتابوت فجعُل وجعل معه رجلاً، ثم أمر بالنسور فاحتملته، فلما صعد قال لصاحبه: اي شيء ترى؟ قال: أرى الماء والجزيرة – يعني الدنيا – ثم صهد وقال لصاحبه: أي شيء ترى؟ قال: ما نزداد من السماء إلا بعداً، قال: اهبط، وقال غيره: نودي: أيها الطاغية، أين تريد؟ فسمع الجبال حفيف النسور، وكانت ترى أنه أمر من السماء فكادت تزول، فهو قوله تعالى: “وإن كان مكرهم لنزول منه الجبال”.

حثدنا الحسن بن محمد، قال: حدثنا محمد بن أبي عدي، عن شعبة، عن أبي إسحاق، قال: حدثنا عبد الرحمن بن دانيل، أن علياً عليه السلام قال في هذه الآية: “وإن كان مكرهم لنزول منه الجبال”، قال: أخذ ذلك الذي حاج إبراهيم في ربه نسرين صغيرين، فرباهما حتى استغلطا واستعلما فشبا، قال: فأوثق رجل كل واحد منهما بوتر إلى تابوت، وجوعهما وقعد هو ورجل آخر في التابوت، قال: ورفع في التابوت عصاً على رأسه اللحم، فطارا، وجعل يقول لصاحبه: أنظر ماذا ترى؟ قال: أرى كذا وكذا، حتى قال: أرى الدنيا كأنها ذباب، فقال: صوب، فصوبها، فهبطا. قال فهو قوله عز وجل: “وإن كان مكرهم لنزول منه الجبال”. قال أبو إسحاق: ولذلك هي في قراءة عبد الله: “وإن كاد مكرهم”.

فهاذ ما ذكر من خبر نمرود بن كوش بن كنعان.

وقد قال جماعة: إن نمرود بن كوش بن كنعان هذا ملك مشرق الأرض ومغربها، وهذا قول يدفعه أهل العلم بسير الملوك وأخبار الماضين، وذلك أنهم لا يدفعون ولا ينكرون أن موالد إبراهيم كان في عهد الضحاك بن أندرماسب الذي قد ذكرنا بعض أخباره فيما مضى، وأن ملك شرق الأرض وغربها يومئذ كان الضحاك. وقد قال بعض من أشكل عليه أمر نمرود ممن عرف زمان الضحاك وأسبابه فلم يدر كيف الأمر في ذلك مع سماعه ما انتهى إليه من الأخبار عمن روي عنه قال: ملك الأرض كافران ومؤمنان، فأما الكافران فنمرود وبختنصر، وأما المؤمنان فسليمان بن داود وذو القرنين. وقول القائلين من أهل الأخبار إن الضحاك كان هو ملك شرق الأرض وغربها في عهد إبراهيم نمرود: هو الضحاك. وليس الأمر في ذلك عند أهل العلم بأخبار الأوائل، والمعرفة بالأمور السوالف، كالذي ظن، لأن نسب نمرود في النبط معروف، ونسب الضحاك في عجم الفرس مشهور، ولكن ذوي العلم بأخبار الماضين وأهل المعرفة بأمور السالفين من الأمم ذكروا أن الضحاك كان ضم إلى نمرود السواد وما اتصل به يمنة ويسرة، وجعله وولده عماله على ذلك، وكان هو ينتقل في البلاد، وكان وطنه الذي هو وطنه ووطن أجداده دنباوند، من جبال طبرستان، وهنالك رمي به أفريدون حين ظفر به وقهره موثقاً بالحديد. وكذلك بختنصر كان أصبهبذ ما بين الأهواز إلى أرض الروم من غربي دجلة من قبل لهراسب، وذلك أن لهراسب كان مشتغلاً بقتال الترك، مقيماً بإزائهم ببلخ، وهو بناها -فيما قيل – لما تطاول مكثه هنالك لحرب الترك، فظن من لم يكن عالماً بأمور القوم بتطاول مدة ولايتهم أمر الناحية لمن ولوا له أنهم كانوا هم الملوك. ولم يدع أحدٌ من أهل العلم بأمور الأوائل وأخبار الملوك الماضية وأيام الناس فيما نعلمه أن أحداً من النبط كان ملكاً برأسه على شبر من الأرض، فيكف يملكُ شرق الأرض وغربها! ولكن العلماء من أهل الكتاب وأهل المعرفة بأخبار الماضين ومن قد عانى النظر في كبت التأريخات، يزعمون أن ولاية نمرود إقليم بابل من قبل الأزدهارق بيوراسب دامت أربعمائة سنة، ثم لرجل من نسله من بعد هلاك نمرود، يقال له نبط بن قعود مائة سنة، ثم لداوص بن نبط من بعد نبط ثمانين سنة، ثم من بعد داوص بن نبط لبالش بن داوص مائة وعشرين سنة، ثم لنمرود بن بالش من بعد بالش سنة وأشهراً. فذلك سبعمائة سنة وسنة وأشهر، وذلك كله في أيام الضحاك، فلما ملك أفريدون وقهر الأزدهاق قتل نمرود بن بالش وشر النبط وطردهم، وقتل منهم مقتلة عظيمة، لما كان منهم من معاونتهم بيوراسب على أموره، وعمل نمرود وولده له.

وقد زعم بعض أهل العلم أن بيوراسب قد كان قبل هلاكه تنكر لهم. وتغير عما كان لهم عليه”.