الحصري القيرواني

الحصري القيرواني
تو – 488 هـ / – 1095 م

هو علي بن عبد الغني الفهري الحصري الضرير أبو الحسن.

شاعر مشهور كان ضريراً من أهل القيروان انتقل إلى الأندلس ومات في طنجة حفظ القرآن بالروايات وتعلم العربية على شيوخ عصره.
اتصل ببعض الملوك ومدح المعتمد بن عباد بقصائد، وألف له كتاب المستحسن من الأشعار..

وقد ذاعت شهرته كشاعر فحل، شغل الناس بشعره، ولفت أنظار طلاب العلم فتجمعوا حوله، وتتلمذوا عليه ونشروا أدبه في الأندلس.

له ديوان شعر بقي بعضه مخطوطاً و(اقتراح القريح واجتراح الجريح) مرتب على حروف المعجم في رثاء ولد له، و(معشرات الحصري) في الغزل و(النسيب على الحروف والقصيدة الحصرية) و كتاب المستحسن من الأشعار.

وجاء في “وفيات الأعيان” لابن خلكان: أبو الحسن علي بن عبد الغني الفهري المقرئ الضرير الحصري القيرواني الشاعر المشهور.

قال ابن بسام صاحب ” الذخيرة ” في حقه: كان بحر براعة، ورأس صناعة، وزعيم جماعة، طرأ على جزيرة الأندلس منتصف المائة الخامسة من الهجرة بعد خراب وطنه من القيروان، والأدب يومئذ بأفقنا نافق السوق، معمور الطريق، فتهادته ملوك طوائفها تهادي الرياض بالنسيم، وتنافسوا فيه تنافس الديار في الأنس المقيم، على أنه كان فيما بلغني ضيق العطن، مشهور اللسن، يتلفت إلى الهجاء تلفت الظمأن إلى الماء، ولكنه طوي على غره، واحتمل بين زمانته وبعد قطره، ولما خلع ملوك الطوائف بأفقنا اشتملت عليه مدينة طنجة، وقد ضاق ذرعه، وتراجع طبعه.

قلت: وهذا أبو الحسن ابن خالة أبي إسحاق الحصري صاحب ” زهر الآداب “؛ وذكره ابن بشكوال في كتاب “الصلة ” والحميدي أيضاً، وقال: كان عالماً بالقراءات وطرقها، وأقرأ الناس القرآن الكريم بسبتة وغيرها، وله قصيدة نظمها في قراءة نافع عدد أبياتها مائتان وتسعة، وله ديوان شعر، فمن قصائده السائرة القصيدة التي أولها:

يا ليل الصب متى غده
أقيام الساعة موعـده
رقد السمار فـأرقـه
 
أسفٌ للـبـين يردده
وهي مشهورة فلا حاجة إلى إيرادها. وقد وازنها صاحبنا الفقيه نجم الدين موسى بن محمد بن موسى بن أحمد بن عيسى الكناني أبو الفضائل المعروف بالقمراوي، رحمه الله تعالى – والقمراوي بفتح القاف وسكون الميم وبعد الراء ألف ثم واو، هذه النسبة إلى قمراء وهي ضيعة بالشام من أعمال صرخد – والأبيات:

قد مل مريضك عـوده
ورثى لأسيرك حسـده
لم يبق جفاك سوى نفسٍ
زفرات الشوق تصعده
هاروت يعنعن في السح
ر إلى عينيك ويسنـده
وإذا أغمدت اللحظ فتك
ت فكيف وأنت تجرده

ومنها:

كم سهل خدك وجه الرضا
والحاجب منك يعـقـده
ما أشرك فيك القلب فلـم
في نار الهجر تخـلـده

ومن شعر الحصري أيضاً:

أقول له وقـد حـيا بـكـأسٍ
لها من مسك ريقتـه خـتـام
أمن خديك تعصر قـال كـلا
متى عصرت من الورد المدام

ولما كان مقيماً بمدينة طنجة أرسل غلامه إلى المعتمد بن عباد صاحب إشبيلية، واسمها في بلادهم حمص، فأبطأ عنه، وبلغه أن المعتمد ما احتفل به، فعمل:

نبت الركب الهجوعا
ولم الدهر الفجوعـا
حمصٌ الجنة قالـت
لغلامي لا رجوعـا
رحم الله غـلامـي
مات في الجنة جوعا

وقد التزم في هذه الأبيات لزوم ما لا يلزم.

وحكى تاج الدين العلا أبو زيد المعروف بالنسابة، قال: حدثني أبو أصبغ نباتة ابن الأصبغ بن زيد بن محمد الحارثي الأندلسي عن جده زيد بن محمد، قال: بعث المعتمد بن عباد صاحب إشبيلية إلى أبي العرب الزبيري خمسمائة دينار، وأمره أن يتجهز بها ويتوجه إليه، وكان بجزيرة صقلية وهو من أهلها -وهو أبو العرب مصعب بن محمد بن أبي الفرات القرشي الزبيري الصقلي الشاعر – وبعث مثلها إلى أبي الحسن الحصري وهو بالقيروان، فكتب إليه أبو العرب:

لا تعجبن لرأسي كيف شاب أسـىً
واعجب لأسود عيني كيف لم يشب
البحر للروم لا تجري السفين بـه
 إلا على غررٍ والبر لـلـعـرب

وكتب إليه الحصري:

أمرتني بركوب البحـر أقـطـعـه
غيري لك الخير فاخصصه بذا الراء
ما أنت نوحٌ فتنجينـي سـفـينـتـه
ولا المسيح أنا أمشي على الـمـاء

ثم دخل الأندلس بعد ذلك، وامتدح المعتمد وغيره. وتوفي سنة ثمان وثمانين وأربعمائة بطنجة، رحمه الله تعالى ومولد القمراوي سنة إحدى وتسعين وخمسمائة تقديراً، وتوفي راجعاً من اليمن في أواخر صفر سنة إحدى وخمسين وست مائة، على ساحل بحر عيذاب بموضعٍ يقال له رأس دواير بين عيذاب وسواكن، ودفن في بر عيذاب مقابل موضع موته.