وجه في المرآة

وجه في المرآة

الدنيا مساء . . . والرجل يستعد ليقضي سهرة مع الاصدقاء . . ينسى بصحْبتهم تعب يومه ويعيش من خلالهم أفراح الآخرين . . . وقف بقامته ينظر في مرآة طويلة في غرفته . . لطالما أحب الوقوف أمام مرآته . . يرى قامته المديدة أكثر طولاً . . ونظراته تقدح بأمارات القوة والبطش . . فيزداد ايمانا وثقة بنفسه . . لكن مرآته اليوم يكتنفها الغموض والوجوم . . تقفز أمامه صوراً مجسمة . . تكاد تخرج من الاطار الزجاجي فتهشمه . . كأنها أفكار تتزاحم للظهور على السطح . . كانت الصور الاولى . . كشريط وردي جميل . . صور طفولته . . ووجه الطفولي والبراءة تكسو نظرات عينيه وشقاوة الاطفال تغلب على ملامح وجهه. وخصلات شعر طائشة تتطاير على جبهته العريضة . . . وافكار الطفل فيه تتزاحم بكل ما يريد ويشتهي . . فطلباته كثيرة دائماً . .يحصل عليها من امه أو أبيه . . بالبكاء تارة والتملق والدلال تارة، غير مكترث بتضحية الابوين من أجله . . وتهون لعبة وترخص بعد أن يحصل عليها . . فهي عزيزة عند حرمانه منها . . رخيصة عند حصوله عليها. وفي خلوته . . يهزأ من طيبة أبويه وحنان أمه، وفي نفس الوقت يحبهما أكثر ما في الوجود . . يتمسك بثوب أمه ويستلهم الرشاد من أبيه . . وفي أعماقه ثور هائج لا يهدأ وملاك رحيم يحمل روحه الطاهرة . . . 

وتغيب صور طفولته من المرآة رويداً . . رويداً . . وهو يتمسك بها .. يأمل أن لا تغيب أبداً . . ما أجمل تلك الأيام . . مع كل ما فيها من تناقضات وممنوعات . . مع كل ما ارتبط بذهنه الغض من خير وشر . . فهي أجمل أيامه وأحسنها . . .

ثم . . يظهر وجهه في المرآة أمامه . . وهالة من النور تحيط رأسه . . وثياب بيضاء ناصعة تلف جسده . . وكأنه ملاك نزل من السماء، يمنحه الخلاص . . . مد بيده على وجه المرآة، يتلمس صورته المجسدة كالملاك . . واذا بصوت هادئ يردعه . . . . .

–         كف يدك . . . لا تلمسني . . لا تفسد أقدس ما في أعماقك . . طهارة روحك بلمسة من أصابعك . . فهي ملوثة بالدماء . . . .

–         ولكن هذه صورتي . . دعني ألمس طهارة نفسي في ثوبك الأبيض الطاهر . .  .

–         لا . . . فالطهارة لا تلمس باليد . . بل تعرف بالقلب والروح . . . أترك ما بقي من روحك الطيبة . . شعلة ضئيلة تنير روحك . . فما زال قلبك يحمل بقايا من الحب والخير.. وما زال في روحك احساس بالحياة . . تحزن لفقدان عزيز . . تفرح بلقاء حبيب.. تعترف وتفكر بمباهج الأيام ومخازيها . . والتفكير بحد ذاته شكل من اشكال حياة الضمير . . .

–         كم بعدت عنك يا ملاكي . . يا الهامي كم جفوتني وجفوتك . . لماذا لا تلتصق بي . . تحميني من الظلام في نفسي . . تطهر بنورك قلبي وعقلي . . وتجلو ببياض ثوبك خطايا جسد بالي . .  .

–         الخطايا . . هي خطايا الروح قبل الجسد . . ولكن أنت بخير . . طالما شعلة الحب والخير تضيئ بعض حياتك . . حافظ على اشعالها . . فباحتراقها تطهر أدران الخطايا المعششة في داخلك . . فتطفو الأنا الطاهرة فيك الى السطح . . . ويحكم ساعات عمرك عند ذلك. . الحب والخير . . . .

–         وغابت صورة الملاك من المرآة، وأصابعه تطول، تحاول أن تتمسك بأهداب ثوبه الابيض . . كي تستبقيه ولكنه غاب كغيمة زرقاء بعيدة، واذا بقهقهة بعيدة اصداؤها، تنبعث من قرار داخل ملايين الالواح من الزجاج واذا بها تتحول الى ضحكة شيطانية ماجنة تصدر من صورة أمامه في المرآة . . . صرة لقزم مشوه بشع . . تطل منه ملامح وجهه هو . . فأشاح بوجهه عنه ، واذا بلسان القزم يطول حتى يملاء الغرفة كلها . . وعيون جاحظة حمراء كقطعتي جمر . . يقفز منهما الجشع والجوع . . . وأيد مسلوخة الجلد قصيرة . . تنبت منها أصابع رخوة وكأنها أطراف أخطبوط عجيب . . وبطن منتفخ يكاد يصل لركبتيه . . ونعال كبيرة . . كبيرة يدوس بها أطفال المدينة كلها . . . ولعاب لزج يتطاير من فمه . . يغرقه في بحر من القرف . . . فرّ بناظريه عن صورة القزم . . والتقزز باد على قسمات وجهه . . . واذا بصوت كفحيح ثعبان يصدر من فم ذلك القزم في المرآة . . . .

–         أتشيح؟؟ بوجهك عني . . . أتغضبك رؤية نفسك بهذه الصورة . .  ..

–         مستحيل . . . أن تكون صورتي بهذا الشكل . . فصورة الشيطان على قباحتها، أرحم من هذه . . .

–         أجل لأن صورة الشيطان صفاتها محددة . . ومعترف بها لدى الجميع . . فنبتعد عنها . . ونخاف منها . . حتى لو جاء بشكل ملاك وقرني ثور . . .

–         اذا ما هذه الصورة التي أراها أمامي . . تملأني بالغثيان . . .

–         إنها صورتك . .

–         أنت أيها القزم المشوه . . هو أنا . . . ؟

–         نعم أنت . .

–         ولكن لماذا على شكل قزم . . . ؟

–         الانسان . . ما هو الا حشرة صغيرة في هذا الكون . . مهما طال وجاز رأسه قمم الجبال.. فما هو الا حشرة تزحف على التراب تملأ جوفها به واليه تعود . . .

–         والعيون الحمراء الجاحظة . . .

–         كقطعتي جمر تحترقان ابداً . . . تريد المزيد حتى تستمر في الاشتعال . . . لا مياه البحر تطفئها . . ولا رمال الصحراء تخمد الطمع والجوع فيهما . . . جاحظة . . حتى لتخرج من مآقيها في طلب المزيد . . . لا تشبع أبداً . . ولا تخمد الشهوة فيهما أبداً . . .

–         ولسان بل ألسنة . . تملأ الغرفة حولي بسيل من اللعاب . . .

–         هذا لسانك الذي لا يكف عن النيل والتشهير بخلق الله أجمعين . . . لا يكف عن الكذب، لا يكف عن الالتواء . . يتلون بألف لون . . يطول ويطول، ليبتلع الأخضر واليابس . . . يلعق يدا ثم يبصق عليها . . . يجدف . . ثم يلهث بالدعاء . . يمضغ الشهد ويبصق الحنظل . . . هذا لسانك أنت أيها الانسان . . .

–         واليدان . . أبهذا القصر . . ؟ وأصابع كأطراف الأخطبوط . . .

–         قصيرة يد الانسان . . قصيرة بإمكانيات وجوده . . قصيرة بمقياس جشعه الذي لا ينتهي.. وطمعه وجوعه يزيد كل يوم . . . وتمتد أصابعه الملتوية الخبيثة . . تسد جوعه وجشعه.. بطرق ملتوية حتى لتسرق البيض من حضن العصفورة المسكينة . . . حتى لتخطف اللقمة من فم طفل جائع . . . وكلما زاد جشعك نبتت لك أصابع جديدة . . تبني ثم تهدم وتحرق ما بنت . . . تمتد مريضة . . . قوية ترسم، لهذا العالم المجنون، نهايته القريبة. . وبدا الامتعاض واضحاً على الرجل .. وهمّ بالذهاب . . فناداه القزم في المرآة . . .

–         أمللت نفسك بهذه السرعة . . أم أن الحقيقة تصيب جرحاً في الصميم . . ألا تسألني عن بطنك المتدلي حتى قدميك . . . فكلما امتلأت معدتك وأصبت بتخمة . . حرمت فقيراً أو مسكيناً . . . وكلما عريت ضعيفاً . . شعرت بدفء أكثر . . وكلما أذللت ذليلاً . . شعرت بقوة وعظمة . . بطنك هذا لو فتحته لرأيت عجبا . . عيون باكية وشفاه تمتص من أمعائك.. فكما أنت حشرة تدب وتزحف على التراب . . ففي أحشائك حشرات تمتص دماءك . . وكما تلعق أنت أيادي حتى القرف . . كذلك في جوفك شفاه تمتص دمك حتى الثمالة . . .

–         والنعال الكبيرة هذه . . ؟

–         النعال الصغيرة تتعب القدمين . . ومن غير الانسان يحتاج لنعال كبيرة تساعده في سيره الطويل على طريق الحياة الوعر فالنعال الكبيرة تساعده في السير أشواطاً طويلة على دروب الجشع والرذيلة . . يدوس بها الضعيف كما تداس الحشرة في التراب تكتم أنفاسها.. وتموت حشرجتها الأخيرة تحت وطأة نعالك الكبيرة . . والنعال الكبيرة كالثوب الفضفاض . . . تعطيك عظمة وأبهة . . يخفي خوفاً متأصلاً في قلبك . . ينخر في جسدك حتى العظم. فثوبك الفضفاض يغطي عيوباً بداخلك . . ويمنحك الراحة والأمان . . حتى لو كان ما بداخل الثوب الفضفاض شبحاً هزيلاً . . ان خلعه يصبح عارياً حافي القدمين .. وتدوسه النعال الأخرى ويصبح حشرة ميته يهال عليها التراب . . .

وغاب القزم رويداً رويداً . . وهو يقهقه وصوته يملأ أذان الرجل وعقله . . . وجلس على حافة السرير منهكاً وكأنه عائد من عراك عنيف . . ورأسه بين كفيه . . ودماء الالم تنزف من قسمات وجهه . . واذا بطيف يشبهه أمامه في المرآة . . صورته هو . . يبتسم له الطيف وينظر اليه نظرات ثاقبة تكاد تخترق رأسه . . .

–         أليس عندك ما تقوله أنت أيضاً . . أم أن ما رأيته كان حلماً مزعجاً . . .

–         الاحلام نصف حياة الانسان . . وليست مزعجة كلها . . .

–         ما لي انا والأحلام . . فليستمتع بها النائمون . . .

–         الانسان . . يا صديقي . . حالم كبير . . في نومه ويقظته . . من طفولته الى شيخوخته وكلما كبرت أحلامه ضاع في فيافيها . . يبحث عن حقيقته في زرقة أحلامه . . فلا يجد الا طيفاً هزيلاً يضمحل شيئاً فشيئاً . . .

–         اذا ما رأيت كان حلماً . . اضمحل وغاب عن ناظري . . رويداً . . رويداً . .

–         لا . . لم يكن حلماً . . بل حقيقة . . .

–         أين الحقيقة فيما رأيت . .

–         أنت كل ما رأيت . . الطفل والملاك . . والشيطان والقزم المشوه . . أنت الانسان بكل تناقضاته . . بكل جهله ونبوغه . . بكل طيبته وشره . . أرأيت يوماً رجلاً يقف في الصباح الباكر أو عند الظهيرة . . أمام قفص مزخرف جميل . . تغرد به طيور سجينة . . كروح ذاك الرجل سجينة داخل أسوار جسده . . يجلس الساعات يقطع التفاح او الخبز قطعاً صغيرة صغيرة . . . يطعمها بيديه للعصافير داخل القفص الجميل تلتقطها بمناقيرها من راحه يده . . . وفي المساء يجلس نفس الرجل وبين يديه سلاح يحشوه بالبارود ليقتل روحاً . . ويزهق نفساً كنفسه السجينة داخل أسوار سجنه . . وهكذا يكون الرجل ملاكاً وشيطاناً . . فالرحمة موجودة في أكثر القلوب قسوة . . . وأشدها فظاظة . . .

–         كيف أكون طفلاً بريئاً . . . وشيطاناً رجيماً . . .؟

–         طفل أنت ما زال في فمك ثدي أمك . . وعندما تثور تكسر اللعبة في يديك . . طفل أنت تدهش كلما اكتشفت خبايا جسدك . . وقوة عقلك . . ملاك أنت كلما غمرك الحب وأضاء طريقك . . .

شيطان أنت ببطشك وقسوتك . . .

شيطان أنت بجشعك وحسدك . . بكرهك وطعمك . . .

إنسان الحاضر أنت مع أحلام الماضي وآلام المستقبل . . .