وذهب الحب

وذهب الحب

 

ويلتقط جاسم خيط الحوار ويبادرها بعتاب رقيق . . .

جاسم: نوره، أراك تبتعدين عني يوماً بعد يوم، وقلبك الذي ملكته منذ الطفولة يفر من بين جوانحي، تمرين كظبية هاربة وكلما مددت يدي كي أمسك بك وجدت أصابعي تمسك بالسراب. فأنت حبيبتي منذ أن عرفت عيناي الحياة، هل ملني قلبك أم هذا غنج ودلال؟

نورة: جاسم، أرجوك لا تتجنن عليّ هكذا، يكفي ما يعتمل في قلبي من مد وجزر . . .

جاسم: أتغلقين قلبك دوني وقد جمعنا الدم والحب حتى بتنا شخصاً واحداً، يحزنني ما يحزنك ويفرحني ما يفرحك . . . خبريني بما يثقل قلبك ان كنت ما زلت ملكه. . .

نورة: ما زال مكانك في القلب موضعه، لكنني أقف على منعطف مظلم أبحث عن طريق بين الأحلام والواقع، بين العقل والقلب.

جاسم: أي أحلام تلك وأحلامنا واحدة وآمالنا واحدة. . . هل نسيت طفولتنا ونحن نبني بيتا من الرمال على شاطىء البحر، تملؤه بالحب والضحك. . .

نورة: كيف أنسى قصرًا من الرمال بنيناه لحظة بلحظة وضحكة بضحكة وبراءة الطفولة تجمعنا. . . ومع أول هبة ريح هوى القصر واندثر وداست رماله الاقدام حتى تلاشت جدرانه مع لحظات العبث الطفولي . .

جاسم: هل نسيت حبًا زرعناه في القلب بذرة، فأينعت أحلاماً تضج بالسعادة والجمال . . .

نورة: لا . . . لم أنسَ حبك لحظة واحدة من عمري . . . لكني كبرت على الأحلام . . . ومع أول ضربة شمس محرقة أفقت من حلم الطفولة كي أرى واقع الحياة بأفراحها ومآسيها.

جاسم: لماذا تتعبين رأسك الجميل بآلام الحياة وأيامنا مرسومة أحرفها بالحب والفرح. . . عودي كما كنت وردة فواحة تمثلين الكون بطيب أريجك، وضجيج بسمتك . . . أمنيتي يا حبيبتي أن نحيا سعادتنا لحظة بلحظة . . فان مللت البحر حملتك بين ذراعي الى أقاصي الجبال . . .

نورة: وماذا نفعل بعد أن نمل الفضاء والجبال . . . بعد أن تمتلكني وتنزل بأحلامك الى ارض الواقع وترتطم قدماك بعثرات الزمن . . . ؟

جاسم: بالحب وحده سوف نتخطى الأحلام سويًا كي نصل الى الواقع . . . لا بهروبك متعللة بالرغبة في العلم . . .

          وبرزت صورة وائل أمامها تقول بوضوح:

وائل: إجعلي لحياتك معنى، واجعلي العلم وسيلة لا هدفـًا محدودًا. . . فالانسان يقف عند بلوغ أول هدف ويستريح ناسيًا أن العلم لا ينتهي عند حدود معينة . . . وان بحر المعرفة يتجدد مع طلوع كل شمس . . . فليكن العلم وسيلتك لبناء ذاتك ولتكن التجربة وسيلة لاثراء عقلك. .

نورة: جاسم، ان كنت تحبني حقـًا ومن أجل استمرار حبنا أرجو أن تلبي طلبي هذا.

جاسم: عيوني لك، وأنت تأمرين . .

وقالت نورة وهي تتلعثم بكلماتها:

–         لماذا لا تلتحق أيضًا باحدى الجامعات . . . فالسنين ما زالت أمامنا والحياة لا تعترف اليوم بالثانوية العامة طريقـًا للنجاح . . .

وتراجع جاسم خطوات للوراء وامتقع وجهه وعلت نبرات صوته وهو يردد قائلاً:

–         ألست رجلاً كفوءًا دون تلك الشهادة . . . فأموال وأعمال أبي تنتظرني وباستطاعتي توفير أرغد عيش تحلم به فتاة . . . لماذا أعود للدراسة ومتاعبها وقد نسيت جل ما حفظته عن ظهر قلب . . . دعيك من التعلل بأعذار واهية . . فالحب لا يعترف بالأرقام والشهادات . . . أم أنك تتهربين مني لأي عذر . . .

وشردت نورة بعيدًا وجاسم ما زال يتحدث بانفعال شديد . . . وجاء صوت وائل الهادىء يقول:

–         لا تصغي الكتاب في صندوق مقفل . . . فالكتاب كنز لا يوضع في قمقم مسحور . . . بل طبقيه علماً وخبرة في كل يوم من أيام حياتك . . . كي تورق شجرة الكتاب وتزهر.

وجاءها صوت جاسم يعيدها لوجوده قربها . . .

–         نورة . . . ما الذي غيّرك؟ ماذا جرى لحبنا الذي توسدنا أحلامه منذ الطفولة . . . أهناك شيء لا أعرفه ذهب بكل ذاك الحب . . .؟

          وخرج جاسم وبقيت نورة مسمرة في مجلسها. . وعلت شفتيها ابتسامة باهتة، مهزومة… وعيناها تتبعانه وقلبها يجري . . . يتعثر ثم يجري يود أن يلحق بجاسم قبل خروجه…

          وتذكرت نورة يوم جاء وائل الى البيت . . .

          ودخلت مع أخيها خالد خلف أمها الى صالة جانبية في البيت الكبير وكان في تلك الصالة رجل وقف يحيي أمها بأدب جم حين دخولهم . . . ورمقته هي خلسة بنظرة استهزاء من قمة رأسه حتى أخمص قدميه..

          قالت الأم: أهلاً استاذ وائل . . . انني سعيدة لتفضيلك أبنائي على الكثير من الطلبة . . . فأنت خير من يساعد خالد ونورة على اجتياز الامتحانات المقبلة . . . خاصة نورة فهي تحضر للمرة الثانية للثانوية العامة . . . فهي ضعيفة في العلوم والرياضيات . . . وتحتاج بعض التوجيه في المواد الأخرى فأرجو أن تكون قاسياً حيث يلزم فقد اتعبتني واتعبت نفسها . . . وأرجو أن تنال بمساعدتك شهادتها هذا العام . . . أما بالنسبة لخالد فيكفي أن تساعده بعض الشيء على اجتياز امتحانات النقل فهو ناجح في معظم المواد الا أنه يحتاج الى بعض التركيز في اللغة العربية . . .

وتململت نورة في مجلسها وتمتمت بين أسنانها بكلمات خافتة لم تصل الى أذنه:

–         أجل . . . يحتاج الى بعض التركيز في التجسس والمراقبة.

          ونظر اليها وائل نظرة سمرتها في مقعدها.

          وابتدأت نورة بالتهرب من الدرس كعادتها مع المدرسين السابقين بالانشغال بصديقة أو بالحديث مع جاسم على التليفون تاركة خالد معظم الوقت مع الأستاذ . . . ولم يتعب وائل أو يمل ولم يتوجه الى أمها شاكيًا متأففاً كما توقعت . . . بل بدا مصمماً أن يمس شغاف عقلها مهما طال الوقت أو قصر.

          تذكر نورة يوم قررت بعد طول صبر أن تثير غضبه وتستفز الهدوء في طبعه حين سألته بغطرسة مفتعلة . . قالت وهي تمج الكلمات:

–         استاذ، لماذا تتعب نفسك وتضيع وقتك وأنت واثق من عدم جدوى ذلك معي . . . أمن أجل أجر زهيد لا يسمن أو يسد جوعاً؟

وتذكر كيف امتقع وجهه وتطاير الشرر من عينيه للحظة واحدة ثم عاد الهدوء الى صفحة وجهه وبقيت آثار الصفعة خيطاً قرمزياً في عينيه وقال:

–         ماذا تعرفين عن جوع العقل والجسد . . . وعقلك يا بنيتي يعيش وللأسف في نوم أزلي.

          وثارت نورة وتركت الغرفة لأخيها والاستاذ . . . لكنها عادت في اليوم التالي مشدودة اليه . . . الى قيثارة الحزن في نبرات صوته وجحاف الألم في نظراته الحنونة الهادئة.

          واصبحت نورة تنتظر موعد الاستاذ . . . وكأنه موعد مع الحبيب . . . ومع كل يوم يتفجر بداخلها احساس جديد . . . احساس يغمرها بالحب لكل ما هو حولها، وشعرب بأهميتها… وأهمية الكتاب الذي تجاهلته ونبذته . . وبالرغبة لمعرفة المزيد عن نفسها وبيئتها وما يدور حولها من أحداث . . . فكل كلمة تقرأها معه كانت عالماً مليئاً بالتجارب وكل موضوع أثاره كان مجالاً جديداً واسعاً لا حدود له . . .

          وفي ذات يوم سألته بحذر:

–         استاذ، أعجب من الشعور بالحرمان الذي تعيشه لتعلقك بوطن ربما لم تقع عيناك على بحره وسمائه ولم تطأ قدماك تربته ورماله. . . وكلما امتد الزمن اشتد ارتباط أجيال شعبك بوطن كأنه الحلم . . .

وقفزت من عينيه العسليتين نظرة كنصل سيف مغروس في القلب تاركاً ذاك الخيط القرمزي يغلف ناظريه وربت على كتفها برفق أبدي وقال:

–         ان الوطن يا بنيتي سنبلة مزروعة في القلب . . . كما رويتها بالدم والحب اينعت خيرًا وعطاء.

          نورة: لكنني لم أشعر قط بهذا الحب الجارف الذي تصوره كسنبلة مزروعة في خلايا الجسد . . . بل طالما ضقت بالقيود حولي من الأهل والمجتمع وجدران الوطن الصغير تضيق بي وتكاد تخنق أنفاسي. . فانطلق الى بلاد الله الواسعة حيث الحرية والجمال والانعتاق من القيود. . .

          وائل: القيود تكمن في أعماقنا نحن لا بجدران الوطن صغر أم كبر . . . والجمال الأزلي يكمن في حب هذه الأرض وعطائها لأبنائها دون أن تطلب ثمناً سوى الوفاء. . . فعلى تربتها العطشى ترعرعت ومن مياهها ارتويت حتى اصبحت عوداً صلباً وزهرة ندية. وتحت نخيلها تظللت من عاديات الزمن . . . وعلى شوارعها وشواطئها اينعت سنون عمرك وأزهرت. فالوطن يا بنيتي قلب كبير يحتويك بينما تضيق بك بقاع الدنيا على رحابتها.

          وجاء صوت أمها ليعيدها الى الواقع حولها . . .

–         نورة . . . لقد رأيت جاسم خارجاً من البيت مكفهر الوجه وهو يرغي ويزيد . . . ما الذي حصل اليوم أيضاً؟

نورة: لا شيء جديد . . . فهو ما زال يصر على الزواج قريبًا.

الأم: الم تكن هذه امنيتك حتى قبل حصولك على الشهادة لولا اصراري واصرار والدك . . . فماذا تريدين أكثر من حب جاسم واقتناعه بك كما أنت . . .

نورة: أريد أن أقتنع أنا به زوجاً وشريك عمر . . . فأنا اليوم أكبر من الأمس وجاسم ما زال يرى الحياة من منظار واحد . . . وكلما خطوت خطوة الى الأمام تراجع هو خطوات . . . فكيف أربط مصيري برجل لا أكن له من الاحترام كما أحمل له من الحب . . . فالحب وحده لا يحيل الرمل خبزًا . . .

الأم: لم أفهم شيئاً بعد . . .

نورة: أماه . . . أشعر أن سنين عمري السابقة كانت مثل نهر هائج جفت جميع روافده . . . سنين لا تحسب في سجل حياتي وقد عشتها في سطحية بعيدة كل البعد عن الواقع حولي . . . بعيدة عن الأحاسيس التي تخلق الشفافية في الانسان . . . بعيدة عن الانتماء لكل ما هو خير وجميل . . . ومثالاً على ذلك . . . فأنا أحبك اليوم أكثر مما أحببتك طوال سنين عمري . . . وأتشوق للعودة الى دفء منزلي الذي كنت أهرب منه للضياع دعيني أكتشف نفسي فأنا ما زلت في أول الطريق. . . والعمر ما زال في أوله . . . أم أنكم ضقتم بوجودي بينكم . . .

          واحتوت الأم نورة بين ذراعيها وقالت:

          كيف تقولين هذا وأنت حبة العين . . . ولكن كل ما ذكرته الآن جديد لم أسمعه منك قبل – لو أنني لم أفهم جله، ولكن أتظنين أن حب جاسم سيبقى حتى تكتشفي ذاتك . . . أم أنه قد خرج من حياتك فعلاً وذهب الحب . . .؟

نورة: لا أدري يا أماه . . . ولكن الأيام كفيلة بأن تنير لي الطريق . . .

وتراءت لها صورة جاسم مهزوزة هزيلة . . . ونظرات وائل الهادئة نبراساً ونورًا.