هالة

هالة

–       الفصل الأول –

 وقفت هالة في صالة شقتها الصغيرة وعيناها تجول برضى وتأنٍّ.. فالمخدات الملونة مرصوصة على الكنبة في حالة تأهب وانتظار، ورف الكتب يحوي بانتظام ما تيسر لها شرائه من الكتب، وطاولة الوسط تتوسطها زهرية بها بعض الأزهار التي أحضرتها في عصر ذاك اليوم.. وتقدمت لا شعوريا لتعدل وضع الأزهار في الزهرية وتمسح بعض اللقاح الأصفر الذي تناثر على الطاولة. وتحركت نحو النافذة لتسدل الستائر فبدا الأفق البعيد والشمس تغوص في الحقول رويدا رويدا على امتداد لا نهائي لبصرها تبحث في الحقول الشاسعة عن نقطة واحدة تجمع بين بصرها وغياب الشمس ومرت بخيالها صور متقطعة من حياتها.. من طفولتها في بدروم إحدى البنايات الشاهقة في المدينة.  كانت في طفولتها البريئة لا تعي الفرق بين السكن في البدروم والشقق الفخمة في البناية الشاهقة وتتفاخر بين أتراب الحي بأنها تسكن في تلك القلعة الجميلة الرابضة على كتف الشارع الطويل. ومع الأيام أدركت الفرق كلما انزوت في خجل وهي تنحدر نحو السلالم الرطبة كي تصل إلى شقتهم.. غرفتهم في بدروم البناية.

     كانت الشقة تتكون من غرفة نوم فسيحة متصلة بصالة صغيرة هي مدخل الشقة وعلى يمين المدخل مطبخ صغير به وابور جاز وبعض الأواني القديمة رصت فوق صندوق خشبي طويل حوَّله والدها إلى نملية (خزانة) وضع على أرففها بعض الصحون والبرطمانات والطعام. وبجانب المطبخ حمام عربي صغير، المكان الوحيد للاستحمام والاختلاء وأمور أخرى.

     وفي غرفة النوم سرير عالِ رصت تحته صناديق كرتون أو خشب حوت ثياب وأغراض العائلة.  وفي الزاوية خزانة خشبية صغيرة لثياب الوالدين ولكل ما يعتبر أنه قيِّما من أوراق وأشياء. وفي الزاوية الأخرى صندوقا خشبيا حوَّلته الأم إلى مقعد رصت فوقه بعض المراتب التي تستعملها للنوم في الليل. أما الصندوق الآخر في الصالة فكان بخلاف وظيفته مجلس يحوي بداخله الأغطية والمخدات.  وفي وسط الصالة طاولة مستديرة حولها كراسي قش بيضاء مخصصة لأصدقاء رب العائلة يختلس الجلوس عليها الابن الأكبر هلال ثم هالة وأختها سامية لإتمام واجباتهم المدرسية قبل عودة الأب إلى البيت.

           كانت هذه الشقة عالم الأسرة الوحيد ومملكة الأم الطيبة تدور في أرجائها الضيقة عاماً تلو عام ومع كل عام بطن منفوخ وأطفال يولدون.. فلا تنتهي من حمل ونفاس ورضاع حتى ينتفخ بطنها من جديد، ويزداد وجهها الشاحب بخطوط الألم والحرمان، فتقسو على أطفالها تشتم هذا وتضرب تلك كلما ازدادت قسوة زوجها وجبروته، والأفوه الجائعة قيدْ يحيط برقبته وعلقم يلفظ مرارته نارا ولهباً على أهل بيته.

           وجالت هالة ببصرها في شقتها الصغيرة بنظرة رضى وسعادة، هذه الشقة لها وحدها ولزميلتها التي تشاركها السكن – هذا الهدوء الآسر لها وحدها، لا تدافع وصراخ كخلية نحل ضربها الزلزال بهزة كلما أشرقت شمس الصباح.  لها سريرها وخزانتها تتفنن في رصِّ ثيابها وأغراضها الخاصة، فهذا القسم للفساتين وذاك للبلوز والكنزات الشتوية.   وفي الأدراج وضعت ثيابها الداخلية وثياب النوم.  حلم تحقق بعد مرارة طويلة، تختار ثيابها بنفسها بعد أن اعتاد جسدها على الرث القديم الذي كانت تجود به بعض قاطنات البناية عليها وعلى أمها وأخوتها شفقة أو لقاء خدمات.  ورنَّ في أذنها صوت الجارة الحاد يناديها.

 اذهبي يا هالة إلى الفرن واشتري كيلو خبز وبعض الكعك. 

 وتهرع هالة تحمل بعض الدراهم في كفها الصغيرة فرحة وكأنها تمتلك كنزا ولو لبضع دقائق، وعند عودتها تجري مسرعة وهي تمنِّي النفس ببعض القروش أو بنصف كعكة ساخنة، فتدفع إليها الجارة بتفاحة فسد نصفها أو تعدها بفستان قديم أو حذاء بالٍ.

 ويمتلئ رأسها بصوت أمها يناديها والسباب يسبقه:

 اذهبي إلى أبو العبد(البقال) واشتري رب كيلو شاي بلدي على الحساب فلدى والدك بعض الضيوف الليلة. ولا تنسي أن تمري على أم اسكندر كي تسأليها عما تُريد من أبو العبد وتصرخ هالة في صمت:

 هالة     –  لا أريد أن أطلع عند أم اسكندر فلتأتِ هي بما تريد من أبو العبد.

الأم      – لا تتطاولي على أسيادك يا كلبة.

هالة     – حتى لو قلت لكِ بأن اسكندر يضايقني بحركاته وتحرشاته، إنه سمج سمج..

 الأم      – عيب يا بنت، اسكندر شاب وأنت لسه ما طلعتي من البيضة، لا تتطاولي على الناس الأوادم – والله لو سمعك أباكِ لقتلك.

 هالة     –  لن أذهب عند أبو العبد، لن اذهب.

 وهوت كف الأم على وجه هالة وهي تهرول خارج البيت والسباب يلاحقها.. وتحسست هالة خدها وكأنها تتلقى تلك الصفعات لحظتها، والدموع تغمر عينيها غطت فمها بيدها كي تمنع نفسها من التقيؤ وهي تصرخ بداخلها، لن أذهب عند أبو العبد.. لن أذهب. وتذكرت صاحب البقالة البدين وكرشه المتدلي أمامه يهش لقدومها كلما جاءت تشتري لأمها شيئا، طفلة لم تكمل عامها السابع، يفرح بها ويحتضنها ثم يجلسها على ركبتيه ريثما يجهَّز صبي البقالة طلبات أمها – يشتغل فمها بحبات الشيكولاته اللذيذة، وهي لا تفقه أمر نظراته الجائعة البغيضة وكأنه أمام عنقود حصرم لذيذ، يتحسسه بكفه اللزجة يجوس في الجسد الصغير وهي تتكوم تقززا وقرفا فتبعد يده ويسكت فمها بحبة شيكولاته أخرى وأصابعه تدنِّس طهارة جسدها الطفولي وتحيله إثما بوسع العالم القذر حوله.     

هرعت هالة إلى الحمام والدموع تغطي وجهها والقرف يملأ فمها حتى الغثيان لتغسل وجهها وفمها مرارا، ثم جلست على حافة البانيو حتى استعادت بعض رباطة جأشها، ثم وقفت أمام المرآة لتعيد زينتها، فهي اليوم أمام امتحان صعب، ضوء ينير لها الطريق وهي ما زالت في أول الطريق، شابة في الرابعة والعشرين من العمر، كافحت حتى انتشلت نفسها من بؤرة الفقر والمهانة بإصرارها على إكمال دراستها الثانوية مما أدهش سكان البناية وصاحبها الذي توسط لها بعد إصرار حتى حصلت على وظيفة تضمن لها بعض حريتها واستقلالها في هذه القرية النائبة بعيداً عن عُقَدِ الماشي وآلامه، بعيداً عن زيف المدينة وريائها.

        خرجت هالة إلى الصالة وهي في أوج زينتها ورباطة جأشها وكان الليل قد بدأ يخيم على القرية الهادئة، والليل في خريف القرى يسرع الخطى لتحتضن الحقول قرص الشمس بحنان ودفء، كدفء حضن الأم لوليدها. وتذكرت لحظات الحب والصفاء العائلي على ندرتها وشعرت بحنين جاف لأخوتها، وللمسة حنان صادقة، وكف أمها المعروقة تربت على رأسها المتكئ على صدر الأم المتهدل، وتمنت لو تطير إليها كي تسمع نصائحها وشتائمها، علها تنير لها الطريق وهي التائهة بين الأفق ونقطة البداية، بين الحقيقة والأحلام وبين الواقعية والضياع.

           وانحنت هالة لتضيء مصباح الطاولة وتذكرت كلمات أمها في زيارتها الأخيرة…

 الأم      –  اسمعي يا ابنتي – لكم أسمعتك كلاماً عن الصبيان والرجال، وبأنهم ذئاب كلهم يصلون لغرضهم من الفتاة ثم يرمونها كنواة عفنة في سلة المهملات. قلت هذا ولكن من غلبي ومذلتي مع أبيك ولكن ليس كل الرجال مثله وأنت وقد أصبح علمك وعملك درعا يحميك وقد تعديت سن الزواج المتعارف عليه. يجب أن تفكري الآن بالزواج بعد أن رفضتيه مراراً. فمصير كل فتاة الزواج، طريق مرسوم لها منذ الخليقة زوج يحميها وبيت يسترها.

 وفجأة سمعت هالة قرعا خفيفا على الباب.. هبت وهي تقول:

 لقد وصل رفيق.