نزهة في قطار مشبوه

نزهة في قطار مشبوه

 

          يوم رمادي آخر، غائم مظلم  رغم انتصار النهار، الشمس؟ اين تذهب؟ تختفي؟ تغيب في احضان القمر تنهل من روعة رجولته ليالٍ وأشهر طويلة تنصهر سطوتها شوقاً وحباً حتّى تبدو في اطلالتها القصيرة هزيلة باهتة عقب ليالي الشبق الطويلة.

          أتمدد على سريسري وخدر الدفء يقيد قدمي الى الفراش، وشعري الاسود المتعثر ينعم بعشق الوسادة المحنون. يدق جرس المنبه للمرة الثانية فأتمطّى في الفراش مرة وأخرى وعيناي معلقتان بالصورة المعلقة على الحائط امامي أبحث ككل صباح عن سر خفي يشدني الى تلك السهول الخضراء يقطعها نهر يتدفق بالحياة وكوخ صغير على ضفته اليمنى معلق بالهواء بسلالم وهمية ونور خافت يخترق القلب بدفئه يدعوك ان تصعد لتختلس نظرة من خلال ستائر تهفو على نافذة وحيدة.

          ومددت أناملي الى المنضدة الملصقة بالسرير لأوقف رنين المنبه قبل ان يقتلعني من حلم جعل من الجسد ريشة تطير تخفة  محلقة فوق سهول اللوحة الجميلة. رفعت رأسي ثم جذعي وانزلقت بقدمي اليمنى الى الارض لترتطم بها كجزع شجرة هرمة هرمة ثقيلة تحولت كالسحر الى رماد وتراب. عجبي كيف يفقأ الواقع عين الاحلام بوقاحة وغدر.

          لا شيء يبدو في وجهي سوى عينين وجبهة… كل الوجوه تشابه وجهي. عيون وجباه وأجساد تنوء تحت أكوام من الثياب، كي تحتمي من البرد القارص ولسع الرذاذ المتواصل. وكأن السماء تعبت من المطر الطويل الكثير وفرغت جعبتها فباتت تقذف الرذاذ وكأنه يتطاير بعشوائية من انف مريض.

          الشارع طويل يعج بالمشاة يسير بهم ويسيرون عليه… اقدام كبيرة او دقيقية، احذية ضخمة او مدببة. رؤوس مصطنعة وعيون تخترق بالمجهول بآلية رتيبة!

          تحدق في الفراغ الرمادي الموحشي، وجوه باهته تحمل هموم نفوسها مع اطلالة كل صباح محاولة التخلص منها، تجري، تسير، تركض ثم تتدحرج على السلالم نحو محطة المترو. يقف بعظهم ويجلس آخرون، وتتحرر الأجساد من بعض دثارها حين تشعر بالانفاس حولها، بالدفء الممزوج برائحة عفن الرطوبة والبول، تحملق العيون حولها الى مصادر الدفء البشري بنظرات تائهة لا تبحث عن نظرة او عن عين ان شخص بعينه بل تغوص في البحث عن المجهول عن الضياع المنتشر في العيون المبعثرة على رصيف المحطة.

          يتهادى القطار بخفة، فأندفع نحوه كغير لا رغبة في الوصول مع الفوج الاول او الاخير بل بالية تتحكم في قدمي، تدفعني الى الجري، كغيري. الكل يجري خوفاً من ان يمضي القطار، فيمضي النهار دون الوصول الى المحطة ويمضي العمر دون الوصول الى النهاية. أجري كما تجري الجموع ولكن دون موعد محدد او هدف، هروب من النفس، هروب من الفراغ والحدة الفردية اي الفراغ والضياع الجماعي. مثلي كمثل المبعثرون على المقاعد في المحطة، مثلي كمثل القانطور؟؟ من ظلام النهار وبرده والغاضبون من الأيام وتلاحقها السريع مع دفء الانفاس المتنافرة الغريبة تنفرج اسارير الوجوه لتخلق جواً من الالفة بين النفوس الهاربة تتطلع نحو هدف واحد يجمعهم، وصول القطار لينقلهم الى عالم مجهول آخر.

          يتدافع القوم نحو المقاعد، شباباً وشيبًا، يميناً او يسارًا، فالكل يهرع لاقتناص فرصة تلك اللحظة مقعد او موقع لقدم. وتتلاحم الاجساد المتنافرة الغربية في نشاز غريب. وفرصة عمري عندئذٍ كان مقعد قرب النافذة ملأته بحشر جسدي بجانب رجل ضخم لم يعرف الماء طريقاً لجسده او ثيابه لألف يوم.

          وتنقلت بوصلة وجهي بين الوجوه المتعبة مثلي، مع مطلع النهار أو آخر الليل، وليل الصقيع طويل طويل، حتى استقرت عند النافذة محشوة بين زجاجها المشبع بالانفاس وبين ارطال اللحم التي تصهر عظام جسدي المتعب. وتوقف القطار ليفظ ما في جوفه ثم يملأه بألية كألية الاجساد التي تتحرك صاعدة اليه او نازلة، تقف ان تجلس تتجرد من دثارها مع الدفء الممزوج برائحة الرطوبة والانفاس. وعلى رصيف المحطة صور بشرية تتكرر لامرأة او رجل رث الثياب، مشعث الشعر وملتحٍ يختضن أكياسًا تحتوي زجاجات وبقايا طعام، صورٌ حية لا تسترعي انتباه أحد كملصقات النساء العاريات على جدران المحطة يسوقن اي شيء وكل شيء. كمنظر سلة المهملات الخالية من ركن بعيد او كمقعد خالٍ عليه جريدة قديمة.

          وتذكرت الجريدة التي حشرتها في حقيبتي عند شرائها في طريقي الى المحطة كي أبدد بها وحدتي وأشغل بها عيناي كما يفعل الآخرون خوفاً من ان تلتقي العيون في لحظة صدق مع نظرة صادقة او لفتة جميلة تخترق اسوار الوحدة وزنازين الاحزان التي تحوي نفوسهم المعدبة بسادية غريبة، فينشغلون بكتاب او جريدة تسرح العيون فوق أحرفها هروباً من الصقيع الممتد من القطبين الى قلبه. ووأدًا لذخيرة من الاحزان والعذابات تمتد كالسرطان على مساحات جسده.

          مانشيتات حمراء وأخرى سوداء تملأ نصف الصفحة الاولى. صور روبوت ألي، صور لرجال تفتعل وجوهها الوقار تحت نظارات الزيف الزمنية، وصور لنساء عاريات او كاسيات كالملصقات على الجدران المتعاقبة في  محطات المترو. الحروف السوداء البارزة في صدر الجريدة تعلن بأن الحرب على الأبواب – حرب السماء على الارض – وحرب القمر مع النجوم. الحرب على الأبواب والدول الفقيرة تحارب الفقر بالجوع والمرض. ودول العالم الثالث تحارب العلم بالجهالة والجهل، كما يفعل ذلك الرجل الملقى على فارغة المحطة اذ يحارب الفقر والحزن بالادمان. كحروب السماء الفصلية حين تقصف الارض برعدها ورياحها وثلوجها. فتبيد سهول الارض الخضراء وتفرض البيات الشتوي على الحيوان والانسان ليحاربون البرد القارص بالجنس الآلي والانجاب ليزيد الفقراء فقرًا والجوعى جوعًا والحزانى حزنًا، محجم التكاثر النوعي جحيم، كرة تتوالد لتصبح مسخاً بحجم قرص الشمس.

          وتوقف القطار وتكرر منظر رتيب  كدقات ساعة فاضحة، فتدافعت الاجساد نحو الباب ليتقيأها على الرصيف ويبتلع أجسادًا اخرى. تجري، تجلس او تقف وتتحرر مع دفء المكان المخصب برائحة العفن والقرف من بعض الثيابها. وجلس في المقعد المقابل شاب وفتاة في حالة حب قصوى. تحول اللمس بعض لحظات لقبل مجموعة رفعت من حرارة المكان حتى كادت ان تذيب وتصهر الحديد. والعيون كل العيون تمر، تلمس المنظر لمسًا خشية ان ترى الحب واضحًا فاضحًا فتتحرك بعض الكوامن من مخبأ الاحزان النفسية فترمش عين حسدًا وعتابًا او تشجيعًا ومشاركة. فتجمدت العيون حتى انها تغاضت عن انصهار الحديد حثاً لوصول القطار الى المحطة والوصال.

          وتوقف القطار في محطته الاخيرة وجلست وحدي دقيقة واحدة حسبتها دهراً من العذاب الوحشي، دلف نحو الباب أجر جسدي جراً الى الشارع الموحش بفراغه رغم الضجيج والصخب القاتل، أبحث في لسع هوائه القارص عن لحظة دفء صادقة تملأ فراغ قلبي برعشة حب او أمل، بنور يبدد الانتحار النفسي البطيء، بوهم حلم يقتلع أغراض العدم المنتشرة كالسرطان على مسام جلدي وحواسي.   

          وتراءت لي في لحظة عليقة كانت تربض على باب دارنا، تقوم الضياع وسط غابة من الاشجار بالتمدد والانتشار. وكلما حاولت الصعود بأغصانها كالاشجار الى السماء ارتطمت بالآرض ثانية  لتتكوم على نفسها تدمي جسدها العاري باشواكها الجارحة.