قضبان العصفور الأزرق

قضبان العصفور الأزرق

مرت سنوات خمس، وأنا أعيش في باريس حلم الكثير من النساء في العالم أجمع . . وبيتي الصغير تحيط به أشجار، تصل الى السماء . . . وبسيطة خضراء على امتداد النظر . . وبيوت أخرى منتشرة كورود منثورة على بساط سندسي . . . السكون حولي يوحي بالخشوع والتأمل، سكون يغلف بيتي الصغير، لا يعكره سوى صوت قطرات المطر على النوافذ الزجاجية العريضة، قطرات المطر كقرع طبول الحرب بعيدة الصدى وعصافير تهرع بجلبة تختبئ بين الأغصان خوفاً من غضب السماء . . . ودقات الساعة تذكرني بأن يوماً آخر يمر من عمري.. ساعة بساعة . . والساعة في عمر السكون عام بأكمله . . فكيف واعوام خمسة والصمت يغلف دقائق عمري . . والفراغ المدمر يعشش في نفسي كخيوط العنكبوت . . والحنين الموحش يقيدني داخل جدرانه العالية . .

وفي مساء كل يوم، أغسل آثار الملل عن وجهي .  .. وأصبغه بالفرح المزيف كي أحضن الحبيبتين ريما ومنى بين ذراعي . . أرفه عنهما وأشرب من عينيهما الم الحنين، وهما تسألانني كل أمسية . . متى . . متى . . نعود الى بيتنا في بيروت . . .

بيروت . . يا مدينة الجمال والخراب . . لقد هجرتك عنوة وفي القلب غصة . . وحنين يجرفني للعودة اليك . . أحضن ترابك بين أجفاني . . أمسح بمسك أرضك وجهي الذي غلفه الملل والنسيان . . ولكن كيف . . كيف أنسى طعنتك في الصميم . . . كيف أنسى أشباحاً تلاحقني أينما ذهبت . . كيف أنسى آلاما أعيشها كل يوم . . . لكن ما ذنبك بيروت . . ما ذنبك.. وقد أغتيل وجهك الجميل لسنين خمس . . رشوة بماء النار . . شوهوا وجهك . . وما زالوا يقتلون في جسدك أي روح . . أنت ثكلى كآلاف الثكالي مثلي . . . أبكي واحدا وتبكين الألوف… مسكينة يا مدينتي الحزينة . . . ما ذنبك . . .

          سامي . . بكري وفلذة عمري . . الشاب الهادىء الخجول . . وكيف أصبح قاتلاً وقتيلاً.. أذكر تلك الأيام السوداء . . والحرب القذرة في بدايتها . . غيابه عن البيت لساعات طويلة وعودته . . منهكاً زائغ العينين . . ولهفتي ولهفة زوجي كامل، تتبعانه في خطواته . . خوفاً عليه من السموم المدمرة حوله . . .

–         أين ذهب سامي . . والوقت متأخر . . . ؟

–         مع الشباب . . .

–         ولكن السير والتجمع في الشوارع خطر هذه الأيام . .

–         لا تخافي أماه . . نجتمع مع الشباب في بيت أحدهم أو في النادي . .

–         ودروسك وكتبك التي كنت لا تتركها . .

–         لكل مقام مقال . . الى ان تفتح المدارس، يفرجها الله . .

–         ويهدئ كامل من روعي وقلقي . .

–         لا تخافي يا نوال، كلها أيام وتمضي الغيمة السوداء وتعود الأمور الى نصابها، ويعود سامي لسابق عهده . . .

–         ولكنه غض العود، طيب القلب . . أخاف عليه صحبة السوء . .

–         وهو كذلك شاب يعيش كغيره فترة قلق واضطراب . . . ولا جدوى من زجره او منعه من لقاء أصدقائه . . فكلنا في حالة من القلق من الأوضاع السائدة . . ولكنها سحابة صيف سرعان ما تزول . . ويعود الصفاء الى القلوب . . وتعود السعادة تغمر الوجوه في شوارع بيروت . . .

–         أحقاً ستعود البسمة للشفاه . . ويعم الحب جميع القلوب . .

–         أولسنا كلنا أبناء هذه الأرض الطيبة . . أرضعتنا من ثدي واحد . . وروتنا من أنهار واحدة . . “الدم ما بيصير ماء” وكلنا أخوة . .

وصار الدم أرخص من الماء . . . وامتدت أصابع الشيطان تزيد النار اشتعالا . . هجمات بربرية هنا . . وثار أكثر بربرية هناك وقتلى تسقط كالذباب . . . وجرحى تملأ المستشفيات والبيوت . . وهدم وتهديم في البيوت والنفوس . . وانا قابعة في البيت أصلي أن يعود زوجي سالماً كل يوم ويعود سامي الى رشده وعقله . . بعد أن أصبح يتغيب عن البيت أياماً بطولها . . أتستر عليه رحمة بزوجي وخوفاً من ثورته على سامي . . وفي مساء يوم، عاد سامي الى البيت وهو يخفي سلاحاً تحت معطفه . . .

–         سامي . . . ما هذا الذي تخفيه . . الا تعلم ان السلاح يقتل حامله . . .

–         كل بيت في بيروت فيه سلاح يا أمي . . . يحب أن أحميك وأحمي أبي وإخوتي من الظلم الأسود الذي يسود العقول والشوارع . .  .

–         لكن اقتناءك السلاح هو الظلم الاسود يا بني . . للسلاح أربابه كما للسياسة . . وانت صغير على هذه وتلك . . دع عنك هذه الأمور حتى تكبر وتعي الدنيا على حقيقتها . . .

–         أنا لست صغيراً . . وحتى لو كنت كذلك . . فعلي واجب وطني يجب ان لا أهرب منه . .

–         وهل تؤدي واجباً وطنياً إن حملت سلاحاً . . وانت لا تعرف لماذا تحمل السلاح أو كيف تستعمله . . .

–         سأتعلم كيف استعمله . . واصبح مستعداً لخدمة الوطن . .

–         كلمات جميلة الرنين . . كيف تخدم الوطن . . هل القتل العشوائي والقنص . . خدمة للوطن . . فالوطن وأرزته الشامخة براء من هذه الجرائم . . .

–         هم أعداء الوطن . . يجب أن نروي ترابه بدمائهم . . كي نثأر لقتلانا . . .

–         ليس بالخطأ تعالج الخطأ . . ثم كيف تخلص الوطن منهم . . اليسوا لبنانيين مثلك . . فإن قضيت عليهم . . قتلت نصف وطنك . . .

–         أماه ما ادراك انت بهذه الأمور . . دعيها للقادة من الرجال . . فقادتنا . . رجال أشداء . . يعملون من أجل لبنان وخلاصه . .

–         قادتكم الأشداء . . نوابغ في القتل والدمار . . يسوقونكم كقطيع من الأغنام. كآلات صماء. يوجهونكم حيثما شاؤوا . . وتقول دعي هذه الأمور للرجال . . فالرجال يا بني لا تقتل وتهدم . . بل تبني بيد وتزرع الحب والورود باليد الأخرى . . تحمي الشيوخ من الموت قهراً . . والشباب تحميه من اللعب بالنار والبارود . . .

–         لا تخافي أماه، لا علاقة لي بقتل أو بقنص . . وما السلاح الا لحمايتكم ودرء الخطر عنكم

–         سامي، هل أخبرت أباك بما تفعل . . وعن اقتنائك للسلاح . .

–         أبي . . لديه ما يكفيه من المشاغل والهموم . . وخسائر تجارته تزيد كل يوم . . لماذا أزيد من همومه . . أرجوك أماه لا تخبريه . . .

–         اذاً . . أنت معترف بأخطاء ما تفعل . . لن أخبره ان وعدتني بإعادة السلاح والابتعاد عن صحبة الطيش هذه . . .

–         حاضر، سوف أفعل . . لا تشغلي بالك . . أو تحملي الموضوع أكثر من مما يستحق . . فتزعجني والدي وتربكيه . . يكفيه ما لديه . . .

–         سأعتبر وعدك قسماً . . وقد عودتني الصدق في أقوالك دوماً . . .

–         وكذبت عينا سامي علي لأول مرة . . .

لم يبتعد سامي عن رفاقه، بل ازداد التصاقاً بهم، وأمتثل بوعد عدم حمل السلاح في البيت.. إلاّ ان نظرات عينيه التائهة . .

وغيابه الساعات الطويلة في الليل والنهار . . وشروده وانزوائه في غرفته كلما كان في البيت . . دليل على تورطه في شيء مخيف . . يجعله يهرب من عيني دائماً . . يخاف ان أرى الخوف والهلع ولطخات الدماء مرسومة في عينيه . . نظرات عينيه تخيفني . . ارى الموت بين أجفانه . . وآثار الجريمة تكسو قسمات وجهه وتنوء كتفاه بثقل ذنوبه . . . وكلما اقتربت منه، بعد وكلما كلمته، صمت . .  ثم بنى جداراً من الصمت حوله . . سرعان ما هوى الصمت . . سرعان ما هوى الاثنان . . . .

وكانت الصدمة . . قاتلة مدمرة .  .ما زلنا نعيش كابوسها كل يوم . . . كم من بيت هدته القنابل في لبنان . . وكم من بيت دمرته المصائب والاهوال . .  .وقد أعمتنا الصدمة عن رؤية أي حقيقة . . كان همنا الوحيد عندئذ ان نهرب بعيداً . . . نهرب من عيني سامي البريئة الخائفة.. ويداه ملطختان بالدم، يصرخ ويستغيث . . . يصرخ ويستغيث . .  .

وكان كامل أكثرنا اصراراً على الرحيل وبسرعة . . . لقد هدته الكارثة حتى أصبح لا يستطيع رؤية البيت ومن فيه . .  .ففي كل غرفة وجه سامي . . وفي كل زاوية ابتسامة سامي.. وكتبه وأغراضه مبعثرة هنا وهناك . . تذكرنا بالفاجعة كل يوم وكل لحظة . . مكتوبة على خطوط وجهي . . مرسومة في عيون أولادي خوفاً وهلعاً . . . محفورة في قلب زوجي اشمئزازاً وكراهية . .  .وجاءني يوماً يبلغني أننا سوف نسافر بعد اسبوع . . .

–         والبيت وتجارتك وأعمالك . . .

لقد بعت البيت بأبخس ثمن . . لا أستطيع العيش به بعد سامي . . . وصفّيت أعمالي كلها.. لقد ذهب الغالي . . وبعده يهون كل شيء . . .

–         وسعيد والصغيرتان هم أولادك أيضاً . . وبحاجة لحنانك وحبك . . .

–         من أجل هذا سأهرب بهم من الجحيم . . لن يكبر سعيد في بلد أغتالت أخاه، لن أعرضه وأختيه لنفس المصير الاسود . . .

–         ولكن هذا وطنك . . ومصيرك وأولادك الحنين للأرض يوما والعودة اليه . . .

–         لن أعود لوطن يقتل المرء به على الهوية . . . وطن يسوده الحقد والظلم . . وتعبث به أصابع الشيطان . . .

ولم أستطع أقناع كامل عندئذ . . فقد كنا جميعاً في أشد الحاجة الى الهروب من واقعنا المؤلم . . والأيام كفيلة بأن تعيد للوطن وجهه الجميل . . وتعيد لزوجي هدوءه وطيبته . . فتذهب من عينيه نظرات الحقد والكراهية . . أما الألم فسوف يعشش في عينيه كما في قلبي الى ما لا نهاية . . .

وحطت رحالنا في باريس، ومكثنا في شقة مفروشة وجدها لنا صديق يسكن هناك، حتى اشترى كامل بيتاً صغيراً في احدى ضواحي باريس . . وقد أصر كامل ان يبعد سعيد عن جو الحزن المخيم على البيت كي يمنحه أكثر حماية ممكنة ويجنبه مصير أخيه . . فأدخله مدرسة داخلية . . يأتي لزيارتنا أو المكوث معنا لأيام فقط في العطل والاجازات . . ولم يبق سوى ريما ومنى . . تعودان كل مساء، من مدرسة قريبة من البيت وفي عينيهما تساؤل حزين . . ومرت السنة ونحن نحاول أن نجد لحياتنا معنى وهدفاً في هذا الجو الجديد . . . كامل في مكتبه التجاري، يعمل ليل نهار، يبنى نفسه من جديد . . وأنا في البيت، أحاول ان اجعل منه قطعة من لبنان في بلاد الغربة . . . أمسح بدموعي، كل صباح، آثار في أرجائه . . والبنتان زهرتان جميلتان ذبلتا قبل أوانهما . . تعدان الأيام كي تعود البسمة لعيني . . تعدان الساعات كي يعود الحنان لذراعي ولدهما . . وفي عينيهما تساؤل دائم . . متى تعود السعادة الى بيتنا . . !؟ متى نعود الى بيتنا السعيد . . . !؟

وبُعد كامل عني وعن بيته يوماً بعد يوم وشهراً بعد شهر . . ينغمس في أعمال مكتبه حتى قمه رأسه وتتوسع أعماله من الشرق الأوسط الى الخليج العربي . . ينتقل من طائرة الى أخرى ومن فندق الى آخر . . يعقد صفقة هنا ويوقع عقداً هناك . . يدور كثور ذبيح وفي قلبه تدور مع نفسه . . يخاف ان يقف ولو لحظة واحدة حتى لا تقتله . . وبركان من الحقد يغلي في رأسه . . ومع الايام أصبح كامل رجلاً آخر . . غير زوجي الطيب الصالح، أصبح همه الوحيد أن يكدس المال ويجمعه، غير مبال بقيم وأخلاق، كانت أعمدة بيتنا وحياتنا السعيدة . . ذهبت مع موت سامي ودفنت كوسادة لرأسه الحبيب، يرتاح عليها في عالمه الثاني . . بعيداً عن الجشع في النفوس المريضة، بعيداً عن الطمع المرسوم في العيون . . لكم ارتحت يا فلذتي من قسوة الايام..! لكن ما أقسى حياتي، وأنا بعيدة عنك . . بعيدة عن أبيك . . بعيدة عن نفسي في أرض ٍ غريبة . . لا شجرة تحدثني من نافذة غرفتي ولا رمال تمنحني دفء أرضنا الطيبة . . كم أحن الى رائحة تربة أرضي الطاهرة حين يخضبها أول رذاذ مطر برائحة زكية، كرائحة العنبر . . يعبق في الهواء حتى يصل للسماء . . تراب أرضي الثكلى . . حمراء . . كلون الدماء الطاهرة تجري في قلوب الأبرياء . . كم ظلمنا ترابك يا وطني وأشبعناه جثثا وأشلاء وديداناً . . !؟

كامل بحق الدماء التي تغلي في قلبك . . لماذا تعذب نفسك . . لماذا تعذبني . . ألا يكفيني عذاب غربتي . . والبعد عن مثوى الحبيب . . أين نظراتك الحنونة تلفني بحنان وحب . . وذراعك تحيط كتفي، تحميني من الأيام . . أين صدرك أريح رأسي عليه . . فاسكر برائحة تراب أرضي الحنون . . أين وجودك . . تملأ أرجاء البيت بطيب وجودك . . فأشعر بالأمان . . كنت أسكن قلبك . . فتعرف أفراحي وآلامي قبل أن أنطق بها . . تقرأني ككتاب مفتوح . . تقلب أوراقه متى شئت . . . ترتاح اليه . . فيضمك قلبي ويغلق دفتيه . . قلبي الآن كتاب أسود . . لا حروف به ولا كلمات . . الجرح عميق في قلبك والألم ينزف . . أو نسيت طعنة في قلب أم ثكلى . . ولكن تلك إرادة الله ولكن، ما تفعله بنفسك وما تذيقنا من عذاب وهجران، فمن صنع يدك . . تعذبني وتعذب أولادك . . فلذات أكبادك، كلما عذبت نفسك . . تعاقب نفسها وتدمرها بالادمان على العمل . . تدفن رأسك بين الأوراق والوسائد المنشاة . . حتى أدمنت البعد عني والعيش كما يروق لك . . . وعندما تعود . . أتشبث بك . . والكلمات فيضان نود أن تصلك، فترويك وترويني . . وأنت صامت . . صامت ونظرات عينيك تخيفني . . .

–         كامل لقد غبت كثيراً هذه المرة وبعدت عنا . .

–         أعمالي تتطلب هذا . . أينقصكم أي شيء . .

–         وجودك معنا ينقصنا . . نحن بحاجة اليك . .

–         ان تركت عملي ز . فمن أين أفي بالتزاماتي الكثيرة . . من أين نأكل . .

–         خبزنا يكفينا يوم بيوم . . . ولكننا جوعى لحنانك وحبك . . .

–         أتخرفين يا امرأة . . ماذا جرى لعقلك . . .

–         لا تسئ فهمي يا كامل . . . ولكن بعدك جفاء . . . ونحن ما لنا سواك بعد الله في ديار الغربة هذه . .

–         ولكن لمن تعبي هذا . . اليس من أجلك ومن أجل سعيد والبنتين . . .

–         نحن نرضى بالقليل . . على أن تكون بيننا. ريما ومنى بحاجة لحبك وحنانك، كحاجتي اليك . . وسعيد يفتقدك كلما حضر . . .

–         كل منهم منهمك بدروسه وأصدقائه . . وأنت . . صديقاتك في المدينة كل يوم . . لماذا لا تذهبين معهن من وقت لآخر . . خير لك أن تشاطريهن افراحهن وأحزانهن، من أن يقتلك الفراغ والملل . . .

–         كل منهن أدمنت شيئاً كي تدفن حزن غربتها . . . كي تقتل الفراغ في حياتها . . .

–         هي طيور مهاجرة، تجمعهن الغربة والألم . . .

–         بل غربان مهاجرة . . حملن عقدهن وعقد وطنهن الى بلاد الغربة . . . زيف حديثهن . . زيف لبسهن ووجوهن . . وألسنة عفنة تطلق السم كالرصاص . . .

–         الم يكفيهن الرصاص يملأ سماء لبنان . . حتى يحملن صداه في غربتهن . .

–         أما كفانا اغترابا يا كامل . . متى نعود الى بيروت . .

متى . .

–         مستحيل . . لن أعود طالما في شوارع بيروت طفل يحمل السلاح . . .

وتمر الأيام والشهور . .

وتموت الشمس في ظلام الشتاء . . والمطر ينهمر جداول من السماء . . وتأتي منى تفتش عن ابتسامة  على شفتي وعن الدفء في صدري . . فأحضن رأسها . . وتتيه أناملي في شعرها المنحدر . . .

متى . . يا صغيرتي . . أما زلت تذكرين بيتنا في بيروت أم نسيته . . كما نسيت نصف لسانك، ما ذنبك . . وقد كبرت ودخلت أول مدرسة هنا . . وفي حقيبتك كتب تحكي بلغة غير لغتك وعن أرض غير أرضك . . .

وطنك يا حبيبتي . . طائر بألف لون مكسور الجناح . . شجرة مزهرة بلا جذور . . . جنة من السماء، تسكنها القرود . . . يبذرون الأرض بالشر . . فتنبت قمحا ورياحين . . يروونها بالسم فتتفجر أنهاراً وينابيع . . وجهك الباهت يا صغيرتي . . لم تلوحه شمس لبنان . . كم رائعة شمسك يا لبنان . . تنحدر من قمم الجبال الشامخة المرصعة بالنجوم، فتأتي كشلال من النور الهادئ البارد . . . وتوقظ الطبيعة بحب وحنان فتستيقظ الأشجار والأزهار وترفع أكفها للسماء.. تضرع ان لا تغيب شلالات الضياء عن وجهها أبداً . . فإطلالة الشمس على لبنان غيرها في العالم أجمع ، تبعث الدفء والروح رويداً رويداً . . فيصحو من نومه والفرح والنشوة يرفقان في سمائه وعلى وجوه ابنائه وفي المساء تتعب شمس بيروت . . فتغتسل على شواطئه الحريرية ثم تنحدر رويداً رويداً في بحرها الواسع كي تنام  . . فللمغيب جمال وروعة لا عرفه الا شواطئ بيروت . . . تبحثين عن الدفء في صدري يا حبيبتي . . فالشتاء هنا قارص قاس ٍ . . يطول ويطول والامطار لا تتوقف صيفاً وشتاءً . . وهناك . . . فالشتاء فصل الموقد والغناء والموواويل، تجتمع العائلة حوله . . تشوي الكستناء . . وتوزع الحب على القلوب . . .

ونامت منى على صدر أمها، فحملتها بين ذراعيها الى السرير، وطبعت على خدها قبلة وثرتها بالحب والغطاء . . وعادت حيث تجلس ريما . . فبادرتها ابنتها . . .

–         ما أقوى حنينك للوطن يا أماه . . .

–         هو الدماء التي تسري في عروقي . . ولكن ما قلت لمنى في وصف لبنان، حقيقة ناقصة..

–         ما زلت أذكر بيتنا، وبائع الجرائد كل صباح، واصوات الفرح تموج في الشارع تحت نافذة غرفتي . . وعصفور أزرق يداعبني خلف زجاج النافذة . . .

–         قسوة الايام والناس غربتنا . . وفرقتنا . . .

–         ماما، لما بعد أبي عنا كثيراً . . . أهو العمل حقاً يأكل وقته وعمره . . أم أنه ملّنا وكره العيش معنا تحت سقف واحد . . ؟

–         لا، يا ريما هو أبوك والأب لا يكره أبناءه ابداً . . وما بعده وغيابه الا ليوفر لنا حياة هانئة.

–         لا أنكر انه لا يبخل علينا بأي شيء . . لكننا بحاجة له . . لحبه وحنانه . . فلا تداري عنه.. إنني أشفق عليك . . اكثر من اشفاقي على نفسي وعلى إخوتي . .

–         ماذا ينقصني . . وأنت وأختك وأخاك تملأون علي البيت . .

–         لا يا أمي، فوجودنا حولك شيء، ووجود أبي معنا شيء آخر . . انا أرى الحزن في عينيك شلالاً من الألم الصامت . . لا يشكو او يتكلم . . وتبتسمين . . فتأتي بسمتك دمعتين تنهمران من شفتيك . . تدفنين الالم يحترق في قلبك لترسمي صور السعادة في عينيك . . والسعادة هربت من بيتنا، يوم فارقنا سامي . . يوم بعد أبي بقلبه عنك وعنا . . .

–         كم كبرت يا ابنتي . . وما زلت في عيني، طفلة تحبو . . لا تتمسكين بذيل ثوبي . . . تشدينه، وكأنك تقرعين أجراس الكنائس فرحاً . . .

–         نعم كبرت، على أرض غير تراب بلادي . . ومع أناس غير أهلي وأقاربي . . ومع ذلك تعلمت الكثير من الغربة والألم . .

–         أنت صغيرة بعد على الألم . . ولكن ماذا علمتك الغربة والحنين . .

–         ان لا أنسى نفسي . . أدفنها . . كي أسعد الاخرين . . .

–         تتحدثين عني . . . ولكن الزواج والامومة عندنا شيء مقدس . . تستوجب التضحية ونكران الذات . . .

–         المرأة في هذه البلاد تعطي بقدر ما تأخذ . . ولكن في شرقنا العربي . . تعطي وتعطى لتأخذ فتات القليل . . .

–         لأننا نكمل ما بدأته امهاتا وجداتنا . . مع التغيير في بعض القشور فقط . . .

–         أتعيشين أنت الآن، كما عاشت جدتي وجدتك . . داخل نفس الاسوار والعوائق . . .

–         مع بعض التغيير البسيط، وأغلبه في المظاهر الخارجية فقط . . أما المرأة الشرقية فما زالت سجينة ضمن قضبان تنبع من داخلها . . حتى او اعطيت مطلق الحرية والحركة . . فالقيود في أعماقها تسجن روحها داخل أسوار عالية . . وآلاف من العقد والسلاسل تقيد قدميها . . وكلما حلت عقدة . . وجدت آلاف العقد غيرها . . .

–         أتقولين، إن قيود المرأة الشرقية من داخلها. . .

–         نعم من صميم كيانها . . وهذه القيود نتيجة آلاف السنين من التخلف الاجتماعي . . الذي فرض على المرأة وضعها الحالي . . وان حلت جميع قيودها دفعة واحدة . . . تضيع في الفراغ . . . .

–         ومظاهر التحرر لدى بعض السيدات العربيات . . .

–         معظمه تحرر في القشور فقط . . .

–         كيف برأيك، أولى الخطوات للسير على الطريق الصحيح . . .

–         بأن تقتنع هي أولاً بأنها إنسان . . قبل أن تكون امرأة . . وبان انوثتها قوة وليس ضعفاً . . تحافظ عليها ولا تتاجر بها . .

–         ماما . . أنت بين من قابلت من النساء، أكثرهن ذكاء . . ومع ذلك قانعة ضمن جدران تقيد حتى أحلامك . . .

–         الاحلام أرجوحة ينعم الاطفال والسعداء من الناس، اما أنا فأعيش على الأرض الصلبة . . وأعلي آلامها. . من أجل ذلك ما زلتُ أكمل ما بدأته أمي وجدتي خير من أن أعيش بوهم كاذب وأخدع نفسي . .  .أما أنت، فسوف تكبرين وتفهمين الحياة على حقيقتها . . الآن عيشي أحلامك السعيدة ما استطعت . . .

ريما . . . وأنت في ربيع عمرك تدخلين الربيع الى حياتي . . كم أن يدخل الربيع الى بيتي !، بأزهاره والحانه . . فالربيع في وطني يكسب الارض عرساً من الالوان والالحان . . فترقص الازهار والاشجار من الحان تنبعث من التراب . . ويعبق الجو بأريج يخضب الهواء بالمسك والعنبر . . مزيج غريب من الالوان والعطور تدخل شغاف القلب كالخدر . . والطبيعة بألحانها الصاخبة الحنونة تعطي الحياة معنى خاصاً يضج بالحب والأمل . . . الفصول في لبنان.. كحياة المرأة عندنا . . طفولة وشباب ثم سكون وشيخوخة . . أما في بلاد الارض عامة، فللطبيعة فصلان كحياة المرأة عندهم . . شباب وحيوية ثم شيخوخة، مهما طال الفصل أم قصر.. الشيخوخة في بلادي وسام يشع على رأس كل امرأة ورجل . . لن أنسى ابداً شيخوخة امي . . كشجرة الصفصاف جميلة شامخة . .

وأعيش انا شيخوخة قلبي، وهو في أوج شبابه . . أحترق بين حبي لأطفالي وزوجي، وبين لوعتي وحنيني لوطني . . ما نفع اللوعة والبكاء . . !؟ ويقولون . . المرأة في الشرق لا تعرف غير البكاء . . لا تملك غير دمعها . .  .

من الخاسر في كل ما جرى . . .

خسرت فلذة كبدي واحترق القلب بعده . . خسرت حب زوجي بعد ابتعاده عني وهجري.. فاحترق القلب لبعده . . خسرت تآلف العائلة . . فاختار كل طريقة يبحث بها عن احلامه . . خسرت حتى الامل في العودة الى أرضي . . وشجرة تظلل شرفة بيتي في الأصيل. . من لي غير زوجي . . بعد أن احرقوا وطني .. جللوا قبابه الزرق بالرماد . . من لي غير زوجي أنتمي اليه . . فهو الآن وطني . . حتى لو أذلني . . حتى لو أهملني حتى لو لفظني كالنواة . . .

بيروت تناديني . . جبال لبنان الشامخة تبكي ثلجاً وضباباً . . . العيون تهرب مني، الاصابع تشير الي باتهام .. القلوب تلعنني بالسر والعلانية . . زوجك . . وطنك الجديد . . يقتل كل يوم مئات الابرياء . . يطعن كل يوم قلوب الأمهات . . . الحقد في قلبه . . جعله قاتلاً يبيع السلاح للأطفال في الشوارع . . . يوزع الحزن على القلوب في الشوارع . . يحرق بحقده قلوب غيره من الرجال . . . بيروت . . كيف أعود والعيون تلعنني . . والقلوب تلعنني . . .

وطني . . زوجي . . أحلام الأمل . .

وقد ضاع الأمل . . وقد مات الوطن . .

آه وما أقسى الضياع في غياهب سجن بوسع العالم كله . . . قضبانه من الظلم والرياء . . أبوابه من الحقد والألم . . وطني . . لبنان جريح . . ودماء قلبه خضبت رماله الحمراء . . أنبش في صحراء قلبي . . علني أجد نبتة خضراء . . كي أزرعها في تراب بلادي . . قرى وطني رماد كلها . . عظام كلها . . تعشش فيها الديدان والافاعي . . . كيف ينبت الورد في أرض رماد . . كيف تلون أوراقها من قيح العظام البالية . .

أفتش في عقلي عن كلمة أقولها . . أغنية أمجد بها أرض بلادي . . . فتئن أجراس الكنائس ثكلى . . وتصدح المآذن بالعزاء . . . ويسير موكب المآتم في خشوع . . ووطني مسجى على مدفع . . تجلله أرديه خضر وصلبان . . .

وتعلو في الجو أغنية . . “بحبك يا لبنان” . . صرخة من قلب من غنى ومن سمع . . . وتنبت على النعش نبتة خضراء . . تورق وروداً ورياحين . . والمآذن تهلل . . . وأجراس الكنائس تصدح . . تمجد النبتة الجديدة . . الوطن الجديد . .