على مفترق الطريق

على مفترق الطريق

 

          وقفت لمياء على مفترق دائري كبير، وشوارع المدينة الكبيرة امامها كأذرع بلا نهاية، والاشجار تعانق جانبي الشارع بأغصانها كشعرها الاسود المنسدل فيبدو وجهها الابيض نحيلا ضيقاً.

          وطالت وقفت لمياء والمارة ينظرون اليها باستغراب، تقف عند اشارة المرور. وبعد أن يصبح اللون اخضر ويهجم الجميع للعبور الى الشارع الآخر، تذهب الى الاشارة الاخرى في المفترق الآخر تنتظر اشارة المرور وتعيد الكرة مرة بعد اخرى.

          أي مفترق تأخذ وفي أي من هذه الشوارع تسير . . . ؟ فكلها تنتهي في نقطة صغيرة. . نقطة الصفر وهي لا تود ان تعود الى نقطة الصفر . . كيف تعود الى البداية . . الى لا شيء. فالجموع التي تتراكض صامتة مخدرة . . كانوا اصدقاء وأحبة، وهي اليوم تقف وحيدة وما من يد صغيرة دافئة تحتمي بدفء كفها او عيون تفيض بالمحبة تغمر وجهها.

          ويقف بجانبها رجل كان يراقبها، ويغمز لها بعينه. يا لغباوة الرجال . . بغمزة صغيرة من عينه يود ان يصطادها، باشارة صغيرة من اصبعه يود ان يجتاز المسافات الشاسعة بينهما كي يخترق حياتها كرصاصة قاتلة للحظة قصيرة ثم يعود للفراغ من جديد . . وتعود الوحدة من جديد، يا لغباوة الرجال . . ايجهلون ان الخفر في النساء كصمت اللحظة الاخيرة، كالسر في الزفرة عند البدء والنهاية . . فالرغبة في أعماقها عبادة، والصمت في قلبها عبادة . .

          ويا لغباوة النساء . . في الحب تشعل حبات المطر قناديل ضياء . . في الحب تكسب الصحراء ربيعاً دائماً . . في الحب تذوب كشمعة حمراء حتى آخر قطرة . . تذوب حتى آخر زفرة . . في الحب تنسى أن لها قلباً . .

          وتنتبه لمياء الى خواطرها، انها تقول شعراً، لابأس . . فالوحدة تجعل من العاقل مجنوناً ومن الانسان شاعراً.

          وتنتقل لمياء الى الاشارة الخضراء في الشارع الآخر ويشدها منظر فتاة صغيرة تشبث بيد امها ولا تكف عن مناداتها “ماما لماذا نقطع الشارع؟” “ماما اريد ان اشرب شيئاً”، “ماما لا تضغطي هكذا ان يدي تؤلمني . . ” وتبسمت لمياء، وربما ضحكت بصوت عالٍ، وغطت بيدها فمها وكأنها تمسح دمعة عينها وتذكرت ليلى ابنتها الوحيدة. كانت هي الاخرى لا تكف عن الشكوى، ولا تكف عن السؤال . . وكبرت تلك اليد حتى اصبحت جناحاً قوياً كفّ عن الالتصاق بها كي يحلّق مع الطيور في سماء النجوم والاحلام، ثم يأتي يوم ويصبح للطائر الطليق عصفورة صغيرة تشد ذيل ثوبها يد تبحث عن الدفء والحب.

          وتقطع لمياء الشارع الى الناحية الاخرى حتى تتفادى نظرات الاستفهام في العيون ووقفت عند الضوء من جديد تفكر أي الشوارع تأخذ . . .

          وعلى مقعد خشبي جلس رجل مسن، ثيابه لم تعرف الصابون والكي من سنين، تائه النظرات، ينظر الى المارة وكأنه يفتش عن نظرة يعرفها وعن بسمة تذيب الجليد في قلبه الحزين. ويخفض ببصره الى الارض فرصيف الشارع يذكره وحبات تراب الارض تعيده الى ايام صباه . . . مسكين هذا الرجل لا يعرف السر في نهاية الطريق . . تعب من سيره في وحدته فجلس يستأنس بلفتة او نظرة تذيب الجليد في جسده النحيل . . وهو مثلي لا يعرف السر في نهاية الطريق . . مسكينة أنا . . حتى رصيف الشارع ينكرني، حتى حبات الرمل ترفضني والوجوه . . كل الوجوه . . وجه واحد غريب، كل الألسنة لسان واحد غريب، كل القلوب تجمدت من شدة الصقيع . . كل يهرول مسرعاً كي يلقى وحدته على انفراد وانا غريبة بين الوجوه . . أجر جسدي جراً كي أملأ الفراغ . . ما أبشع الغربة والفراغ . .

          وتذكرت وحيد . . زوجها الرجل الوحيد في حياتها، الرجل الوحيد في ماضيها وحاضرها . . تركها وفي الجسد زهرة عطشى للحياة، تركها كي يجمع الأموال في الصحراء، تركها للوحدة كي يمنحها الأمن ومباهج الحياة، كي تكبر ليلى في المدينة الكبيرة تعُّب؟؟ مع اعوامها العلم والتجارب بعيداً عن الرصاص والكراهية، بعيداً عن الموت المزروع كالسنابل . . وابتعد وحيد عن حياتها واصبح ضيفاً زائراً يهل مرة أو مرتين في السنة كالشمس في مدينة الضباب، كي يزرع الأمل في الزهرة العطشى للحياة، كي يستمر الحب في العطاء، وبعدها يغيب كالصيف والخريف في الصحراء فيجف كل أخضر وتموت كل رغبة في الجسد النحيل ويبقى الحب يضيء كل خطوة من خطوات ليلاها الحبيبة. وزوجها وحيد في الصحراء يكافح الوحدة بالتسكّع في الجو بين مدينة واخرى او على مقعد خشبي في احد المقاهي على قارعة الطريق، ثم يعود اليها زائراً كيوم شتاء مشمس في مدينة الضباب لا يدفىء عظماً بارداً او قلباً غلفه الجليد كي يرش بيده المعروقة قطرات ماء قاتمة، فلربما تنعش وردة ذابلة لا ترغب في الحياة.

          وتحركت لمياء نحو المفترق الآخر ووقفت مع الجموع كي تقطع الطريق . . وجاء الضوء الاخضر وانهمر المارة في اتجاه واحد وبقيت هي تستلهم السماء، تستفتي عيون المارة. اي الشوارع تأخذ؟ وفي اي منها تسير؟

          فليلى مع طائرها تحلق في سماء الأحلام والنجوم، وهي مع آلام الواقع والحقيقة لم تعد تعرف الاحلام . . وزوجها يود بعد كل هذه السنين لو تشاركه العيش في الصحراء كي تقتل الفراغ في مفكرته وتمح بيته القابع على فوهة مدفع بعضاً من الهدوء والسكينة. ويبقى هو ذاك الزائر الغريب يتسكع بثقل بين مدينة واخرى كي يجمع الاموال، ثم يعود اليها. بحفنة ماء بارد كي يطفىء اللهيب.

          يقول: أنت قاسية، أنانية . . . ماذا يعرف وحيد عن سنين القسوة والوحدة والأنانية؟ عن لحظات وحدتها مع الجدران والنوافذ في بيتها في المدينة الكبيرة؟ اتتركه وقد بنته لبنة لبنة، وفي كل زاوية قطعة من قلبها وعمرها وسنين وحدتها مع ليلى الحبيبة؟ اتتركه وقد تعودت معه متباهج الحياة . . وجسدها البارد كالضباب تعود الوحدة والفراغ . . ووجهها الابيض النحيل تعود ان يشرب مع قهوة الصباح رشفة يومية من الحرية والانطلاق؟ اتترك وحدة، وحرية درجت عليها وتسير في غربة مقفرة جديدة تحصي الليالي الدافئة وتترك بقية الايام لللّهب؟ أتذهب لغربة جديدة وارضها الدامية الجريحة توزع الجماجم على الكراسي كي يحكموا الاموات. . وتخطف ابتسامة الاطفال وسكينة الشيوخ . . وتطلق الصيحة بعد الصيحة: انقذوني.. أنقذوني . .  والجهل والكراهية يزيدان الغربة والشتات.

          ولمياء على مفترق الطريق . . . تستلهم الجواب.