رسالة من سيدة حزينة

رسالة من سيدة حزينة

         

أختي العزيزة،

          كنت أتابع ما تكتبينه، فبين كل حرف وكلمة كنت أرى بقعة من أرض لبنان تزهر وتزدهر، صوراً مشرقة رغم الدمار والدماء. كنت أشعر أن الحنين والحب المتأصل في كيانك لكل حبة تراب من تربته قبسٌ من الأمل والنور يتسلل من الأحرف الصمّاء ليستقر بالعين فيفرحها وفي القلب فينشيه. كنت أسير مع كلماتك في شوارع بيروت وأحيائها وأجلس بجانبك على شاطىء بحرها الواسع، أنصت لهدير أمواجه في قلبك وارنو معك الى صخرة الروشة الشامخة، خائفة وجلة ان يوصلك الحنين والشوق يوماً الى طريق مسدود فتصوبين قلمك الى قلب تلك الصخرة العاتية فتنحرين القلم وتبددين حبره الأسود في أمواجه المتلاطمة فيتلون البحر بمداد حزنك وإحباطك وتتجمع على امتدادات الشاطىء حبات رمل سوداء بعدد سنوات اغترابك وعذابك.

          فهل قتلتك الغربة شوقاً وأطفأت شمعة كانت تضيء روحك وتشعل قلوب من حولك بالحب والأمل. أم ان عثرات الأيام وقسوتها شغلتك ولن أقول انستك جنون حب لبنان وأنت القائلة . . .

          ” . . . وحب لبنان في قلوب ابنائه مرض، بل أكثر الأمراض جنوناً وقسوة”. وأنت التي قلت . . “طوبى لمن تغنى باحزان لبنان وافراحه، فمع الألم تولد شمس جديدة. . ”

          وانت القائلة . . . ” ان المخلصين من ابناء الوطن سيقفون من جديد ولو فوق شبر واحد من أرضه، فيشكلون بأجسادهم وأعناقهم هرماً يعلو حتى يصل السماء”.

          سيدتي،

          ربما تماديت أو قسوت ولكن عذري أنني امرأة حزينة تعيش عذاب الغربة قسراً وتعيش حياة الصمت قهراً.

          كانت كلمات قلبك وآهاته وأحلامه، آمالاً واحلاماً اخزنها بين جوارح قلبي خشية ان يسرقها الضياع ويفقدني الصمت والحصار شعاع نور ما زال يضيء لي الطريق. فلساني يحاصره الصمم، وقلبي يحاصره الصمت وأحلامي تحاصرها الواقعية واللامبالاة.

          واليك قصتي موجزة، ربما اعادت لقلمك بعض المداد والحياة.

          تركت بيروت في نهاية صيف 1978 اثر قرار عائلي بارسالي للدراسة في الخارج بعد سقوط بعض القذائف في الحرم الجامعي ووقوع الكثير من الشغب والفوضى من قنص وخطف في الأحياء السكنية في داخل بيروت وخارجها. وكنت عندئذ قد أمضيت سنة جامعية واحدة في الجامعة الأميركية في بيروت كانت بحق بالرغم من ظروف الحرب والاقامة الجبرية في البيت أو الحرم الجامعي من أجمل سنوات عمري وأكثرها ثراء. 

وشعرت في بادىء الأمر بالزهو والسعادة عند سماعي القرار العائلي وهي فرصة لم تسنح للكثيرين من زميلاتي وزملائي توفر لي الأمان والابتعاد عن أخطار الحرب والدمار وتضعني في الجو الملائم للتفرغ لدراستي الجامعية.

وفي بداية السنة الدراسية إنخرطت في إحدى الجامعات القريبة من عاصمة الضباب “لندن”. وشعرت منذ اللحظات الاولى لوصولي بفراغ هائل في صدري، كأن قلبي قد هوى الى قدمي وجثمت على انفاسي صخرة هائلة تحجب عني نسمات الهواء ونور الشمس. إمتدت خيوط الغربة كالعنكبوت فالوحدة قسوة، واسلوب حياتي الجديد يضيف على عاتقي آلاماً جديدة يوماً بعد يوم. وكنت بين الغربة والألم افتش عن بصيص امل . . فأمني النفس أنها إنما هي سنوات قصيرة من العمر سوف تمر مهما طالت أو قصرت واعود بعدها الى أهلي ووطني. ومن اجل الفائدة القصوى وطدت العزم على أن أستغل فترة وجودي في اوروبا استغلالاً تاماً، فلم أترك متحفاً أو معرضاً لم أزره ولم أترك عاصمة أو منتجع أوروبي الا ورأيته ضمن رحلات كانت تنظمها الجامعة اثناء العطل المدرسية. وكنت في سفري وتجوالي أقف وقفة تأمل طويلة كلما رأيت منظراً يذكرني ببقعة أي بقعة من أرض لبنان الجميل . . فذلك النهر كنهر الليطاني بانسيابه ولونه وتلك القمم كقمة جبال فاريا وجبال الأرز . . وذلك المقهى على سفح الجبل كمقهى شاغور حمانا أو نبع العسل . . وتلك الشجرة المنتشرة غصونها كشهب السماء تذكرني بشجرتي التي كنت ألجأ اليها وحدي للخلوة والتأمل أو بصحبة الأصدقاء للنقاش والحديث، وكنت بين هذه المناظر أو تلك أبحث عن صديق او صديقة تشاركني في شرب فنجان قهوة . . وكأنني اكمل الصورة في قلبي وفي عقلي، وتشتد بي الحنين فأعود أمنّي النفس أنها إنما هي سنوات من العمر مهما طالت أو قصرت أعود بعدها الى وطني واهلي وأصدقاء طفولتي وشبابي.

وتعرفت على شاب عربي في مكتب والده في لندن، كان اول ما شدني إليه، تلك السمات العربية المحفورة بين الحاجبين والأنف، وتكرر اللقاء حتى أصبح سمير نافذتي الى الحياة، حياة الحاضر والمستقبل.. الجأ اليه كلما أشتد بي الحنين الى الأرض أتلمس بأناملي لون تربة بلادي في بشرته، أبحث في عينيه عن دفء شمس بلادي وأقطف من شفتيه عبير هوائها المشبع بزهر الليمون والأقحوان.

وتزوجنا بعد تخرجي من الجامعة في حف مقتضب حضره اهلي الذين أتوا خصيصاً من بيروت وأهله الذين يقيمون في لندن بالإضافة الى بعض أصدقائه ومعارفه.

وتوالت الأيام وتقلص الحديث بيننا يوماً بعد يوم آخر حتى أنحصر في أمور الحياة اليومية ومشاغلها، ومع تعاظم مسؤولياته في العمل شهراً بعد آخر، تضاءل الأمل رويدًا رويدا بالعودة الى الوطن الحبيب.

وصرت كلما بحثت في عينيه عن شمس لبنان ونورها، اظلمت في عيني شموس العالم كله، او بحثت بجرأة عن عبير الأقحوان في شفتيه، تشبع الهواء حولي برائحة الاوراق النقدية البالية.

وصرت أن ناجيت لبنان أو تغنيت بمفاتنه في حديث إجتماعي عابر، رمقني بنظرات الشفقة والحزن، وادار دفة الحديث باتجاه آخر.

وتجرأت مرة وذكرته بتلك الوعود، بالعودة والاستقرار يوماً في لبنان الحبيب. فرمقني بتلك النظرة المشفقة المستهزئة قائلاً:

–         متى تكفين عن تلك الاحلام الخيالية البعيدة عن المنطق والواقع، لقد كبرنا على أحلام اليقظة والقصور المعلقة في الهواء. أيعود عاقل . . ! ولماذا . . ؟ كي يسف التراب المجبول بالحقد والدم ويشرب من مياه المجاري.

اعقلي يا زوجتي الحبيبة وخبريني، ماذا ينقصك هنا . ؟ ام انك غاوية موت وانتحار، فمن لم يمت هناك قنصاً او تفجيراً مات ظلماً او قهراً وجوعاً.

–         ينقصني، ينقصني . .

وغصت عيناي بالدموع وهرولت الى غرفتي وانكفأت على وجهي وبكيت حتى جفت دموع العين والقلب، وكانت تلك الحادثة خاتمة الحديث عن الوطن. أعالج ألمي وحنيني بالكتمان وعدم المبالاة، كما يفعل زوجي غيره وغيره ممن حولنا.

ووجدت في الصمت دوائي وفي الخلوة سلوتي، مع كتاب او مقال او قصيدة تتحدث بلساني الصامت او تصرخ بآهات قلبي المجروح الذي تخدر بالضياع واللامبالاة، ومن بين تلك السطور والكلمات أغزل شرنقة أنتظر الربيع.

وكلما أنهمر المطر الذي لا يتوقف هنا صيفاً وشتاءً، او أشرقت شمس لندن النادرة للحظات ضممت طفلي الى صدري ودعوت الى الله ان أعود به يوماً الى بيروت لكي أعمّده في مياه بحرها وأكحل عينيه بنور شمسها فيتسرب عشق الارض في دمه وينسدل الحرير من شرنقة الأمل.

          مع حبي وشوقي والى لقاء قريب على دروب القلم والحياة.                                                                                                                                     الهام.