رسالة حب

رسالة حب

 

اليك حبيبي

          أبعث بأول رسالة حب أسطّرُ احرفها على ورق أصم، علها تصل قلبك الذي إعتاد ان يقرأني، يقرأ نظراتي ككتاب مفتوح، تلك كانت رسائل حبنا منذ عرفتك وعرفتني، نظرات صامتة نُحمّلها ما لا تحتويه مئات الأحرف والكلمات.

          كانت قصة حبنا العذري أمل عشاق المدينة كلها، يتغنى بها الشباب وتحلم بها الصبايا، وتخطينا بصبرنا وحبنا جميع الصعاب والعثرات حتى وصل الى بر الأمان، الى الزواج. لم تكن تلك الايام سهلة ولا بالليالي كانت خيالية من السهاد والأرق.

          أذكر كيف كنت تصارحني بحبك رمزاً، فتروي لي جلساتك وسهراتك مع الأصدقاء والكل يحاول ان يخفف عنك حمى الأشواق المتهبة في قلبك وأنت تتوجني، دون البوح بإسمي ملكة على النساء، ونجمة وحيدة تضيء ليلاً حالك السواد.

          وانتهى حبنا الكبير بالزواج وظهر من السر الى العلانية، وأصبحت يا حبة الفؤاد فرحة للروح والجسد، نتبارى فيمن يجزل في حُبه وعطائه أكثر حتى تطّهر القلب من شوائب الشك والغيرة. وتحول حبنا رويداً رويداً الى سيمفونية هادئة، الى محرابٍ مقدس نؤدي طقوسه في عالم بنيناه بحسنا وخيالنا.

          وأستقبلنا الأهل والأصدقاء بالفرحة والغموض، وتعرض حبنا للمجهر والبحث. هم يحاولون الوصول الى سر حب كان حديث المدينة كلها، وسقطنا نحن تحت دائرة الضوء وداخل أنواره الكاشفة والعيون، كل العيون معلقة بنظراتنا وسكناتنا تفتش بين رموش عيني عن نجمة رفعتها الى السماء قمراً في ليالي عشقك الطويل – وعن امرأة توجتها على النساء ملكة. من اجلك، من اجل حبنا تحاشيت نظرات الاعجاب المصوبة الى قلبي تبحث عن سر حبك فيه – . ومن أجل حبنا أغمضت عيناي وصممْتُ أذناي كي لا أرى او أسمع عبارات الغزل تنتهك مملكة ملكتها وحدك . . فأنت من اختاره قلبي من بين رجال العالم أجمع، لذلك كنت أرفض اي لفتة لا تحصني بها عينيك وأجهض اي همسة لا تتفوه بها شفتيك، كنت بذلك أحميك كما أحمى نفسي من لحظة طيش ربما تسربت الى القلب خلسة.

          وسرى الخدر في اوصالك وانت تحت دائرة الضوء وقد جعل الحب منك إلهاً للشعر والغزل، تتهافت على نور عينيك فراشات الليل الملونة تنهل من عبارات الغزل البريء وتنتشي مع الحان شعرك. واستعذبت لعبة الحب والغزل البريء وأنت متربع على عرش مملكتك الجديدة، وعيناك تتبع الآهات والانفاس لكل جميلة وجميلة.

          وسكتُّ على مضض، وتركتكَ تعيش انتصار حبنا إنبهارًا في خيال الصبايا وعشقاً مكبوتاً في أعماق النساء، وهدهدت قلبي الذي توجته على النساء ملكاً بأن حبنا تعويذة تمنع الغيرة والخوف ثم لبستُ وشاح البرود على وجهي بإنتظار هروب فراشات الليل عن صحبتك بعد أن تذوي أنوار الغزل في عينيك.

          وطال الانتظار، وامتدت سحب الخوف تخيم على لحظات عمري حتى دقت نواقيس الخطر في قلبي فاشتعل كالبركان خائفاً متلهفاً يحصي عليك خطواتك ونظراتك، يعد عليك أنفاسك المتلاحقة حتى في تقاربنا الحميم، كأنه يصيخ؟ السمع لضربات قلبك، لهفوات لسانك علك تتلفظ بحرف من اسم أنثى، عله يشتم سحابة من أريج عطرها او يرى في خيالك لوناً من الوان ثوبها، ويغيب قلبي عنك وصقيع الخوف ينتشر كالنار فيه يترصد خيال إمرأة اختطفت بريق عينيك او امتلكت قلبك ولو للحظة عابرة.

          يا حبة الفؤاد، أشكو اليوم اليك قلبي الذي ملكته فلربما تعرف عن أسباب قلقه وخوفه أكثر مني . . لم أقل إنها الغيرة وكيف تكون تلك غيرة وحبنا تعويذة تمنع الغيرة والحسد؟