الوجه الضاحك والألوان

الوجه الضاحك والألوان

           ما زلت هناك، أزين الحائط الأبيض والألوان تغمرني.. والشعاع يطل من وجهي كلما انعكس عليّ الضوء ليبعث بي الدفء والحياة، يبقى هذا الدفء يغمرني ساعات وربما شهوراً، ثم يخمد ولا تعود لي الحياة أياماً وشهوراً، وأعيش أنا تحت رحمة صاحبي ليبعث بي الحياة، او يرميني الى ظلام النسيان.

          وصاحبي هذا، هو سبب وجودي، وكنت أنا نتاج ليال من العذاب والمعاناة عاشها سنين طويلة، وما زال يعيشها، وانا هنا لأذكره دوماً بلحظات جميلة من عمره ما زال يحياها معي. ويذرف امامي دموعا، فيشملني الضياء ويسري الدفء بي فأبتسم في تحدٍ وقلبي ينفطر حزناً عليه، أود لو أمد يدي أمسح دمعتين تحرقان مقلتيه كلما جلس الي أو حدق بي . . وكم رأيته يغمس فرشاته في دمعة ثم بدمه ويدنو مني ليشوه وجهي ويكسر كبريائي، لكن كانت تتجمد يده عندما تصل الى شفتي، وتذوب كل عواطف عمره عند حنان عيني فيصبح كطفل جميل ينظر اليّ وبعينيه أماني الوصول لأجمل شيء تمناه . . ويداه تتعبدان وكأنه أمام قديس. .

          لا تظن أنني ولدت في هذه الدار الجميلة، وأجمل الأثاث يحيطني أسبح في أضواء خافتة وشاعرية مطلقة . . لا . . لقد ذقت العذاب والحرمان طويلاً، كما عاش صاحبي تماما . . وإن قلت انه غمس فرشاته بدمه وعرقه حتى يخلقني فلا أبالغ، اذ كان يعيش أياما بلا قوت، يملأ جوفه ليشتري بما معه الواناً وفراشي، يمزجها بجوعه ليضفي على وجهي جمالا، وعلى عيني بريقا يكاد يتكلم..

          كنت أعيش في زاوية غرفة مهملة، تميزها الفوضى بجمال غريب وكنت سعيدة .. لم أقدر تلك السعادة عندئذ، بل كنت اتضجر مما حولي وأشمئز، واليوم كم أتوق لجلوسك معي في الزاوية المهملة من تلك الغرفة القديمة .. كم كنت سعيدة بك يا صاحبي وكم كنت سعيدا بي . . كنت لي وحدي . . بكل ما بقلبك من حب . . وكل ما في عقلك من إبداع . . وكل ما في أناملك من شاعرية وفن . . كنت تجلس الي ساعات تصب في أعماقي، عواطف كعصف الرياح، وشوقاً كشوق الغريق للشاطئ، وحنان كنز من الحنان لا ينضب . . كل نظرة من عينيك رسائل حب طويلة، وكل لمسة من أناملك المنمقة تكاد تبعث بي الحياة . . فأرتعش في نشوة مع زفرات الشوق، تطلقها من اعماقك كأمواج بحر هائج، ونظرات الأمل تقفز بفرح فوق شفتي . . كنت يا صديقي مع كل جوعك وحرمانك . . سعيداً بابداعك . . سعيداً بحب كبير ملأ ألوان حياتك، مزهرة بالأمل، كحبيبات العرق الخضراء . . تملأ جبهتك، مورقة بالتمني، والتطلع للأمل والامل يا صديقي هو الطريق الى السعادة.

          كنت شغوفاً، وما زلت بعملك وفنك الى حد العبادة، توزع الجمال انعكاسا لما في قلبك من حب، وما في نفسك من جمال، كانت أناملك تنتقل بالألوان بين الوجوه المزروعة حولي، توزع السعادة على العيون وترسم الرضى على الشفاه وبعد أن تتعب الفراشي بين أناملك تعود الي . . ترتاح بقربي . . تضيف لي بعد كل لقاء سعيد، لمسة أو خلجة (غير مفهومة) حتى صرت كتمثال حي يريد القلب لينبض والعين لترى . . وقد كنت قلبي وعيني، ارى الدنيا من خلال نظراتك وأتذوق النشوة من فرحة نشوتك. . امسكت بي  السماء. . وأمسكت بك الأرض..

          وعدت لي يوماً كالمذهول، والدم في عينيك مرجالين(غير مفهومة) ؟ . . والألوان صبغت وجهك بألف لون، صامتاً لا تتكلم منك العين أو الشفة، ويداك تكفران بالأرض والسماء.. وبكيت. . كما لم يبكِ انسان من قبل. . بكيت عمراً ضاع ولن يعود، لوحة بدأتها ولن تنتهي، سعادة في اعماقك ماتت قبل أن تولد. . سقطت أعمدة الفرح . . غابت شمسك قبل أن تبزغ . . ذهبت الى غير رجعة نجمة ملأت عينيك بالفرح . . وقلبك بالحب . . والعيون السعيدة على الجدران تطل بفزع، والابتسامات الجذلى على الشفاه تساءلت أماتت أنامل الابداع. . أيدفنها الموت مع اللحن الحزين. . ؟

          وكالعملاق المارد . . عادت أناملك ملطخة بألوان الالم، ومزجت ألوان غضبك هائجة حمراء، وقاتمة سوداء، كانت الفراشي بين أناملك الحان سخط، وأسى، كالموسيقى الصاخبة الحزينة، كالطبول تقرع في أعراس الموتى . . وعرفت الألم في عيون المرضى والحرمان في شفاه الجوعى . . . . وخطوط الزمن على الوجوه الأزلية . . كان للألم في الوانك معنى خاص.. آلام الحرمان والضياع . . آلام غريق يتخبط في عرض البحر . . آلام الحرمان والضياع . . آلام غريق يتخبط في عرض البحر . . آلام التائه في الصحراء . . آلام ذكرياتك مع الجوع والسعادة . . لم يعد في فصول عمرك ربيع يزهو وورود تتفتح . . بل أشجار تعرى وأوراق تذبل . . أصبح الحرمان والعذاب، بركان يحرق قلبك ويلون أناملك . . .

          وبدت الوجوه الضاحكة في مرسمك . . غريبة . . نظرات السعادة والامل تؤلمك. تشمت بك . . . تهزأ من أحزانك . . كانت كالبقع البيضاء على فستان أسود وكالورود في سهل من الاشواك.

          وتناثرت لوحاتك تزين البيوت والمجالس، وبقيت أنا البسمة الوحيدة في بيتك الجديد . . أشعر بغربة بين الاشواك . . هانت عليك كل الشفاه الباسمة . . كل العيون الضاحكة . . ولم تهن عيناي، بقيت لتحضنك بحنانها، تشرب عن جبهتك حبيبات العرق الباردة، ويداي تكاد تلمسان دمعتين تحجرتا في مقلتيك.

          تعود الي مع الأمسيات . . آثار النساء على شفتيك، تعاتبني نظرات التوبة لذهابي عنك، تواجه قسوة الأيام، تثور تود تمزيق وجهي . . تود لو صبغته بالسواد، ذريته كالرماد . . فتصل أناملك عند شفتي، وتتجمد . . لتتعبد أمام وعيني بدعاء وغفران . . وأمد يدي أرفع خصلات شعر بيضاء عن جبهتك، وأمسح بأنامل الخيال، خطوط الأيام عن وجهك الحبيب . . فما زلت أنا وحدي . . بقلبك ومخدعك . .