القدر والمرأة الشرقية

القدر والمرأة الشرقية

      لماذا تقفز كلمة القدر كلما جلست الى نفسي دقائق قليلة . . . ؟

          قدر المرأة الشرقية المغموس بالدم والتراب، بالذل والمهانة، بالرضوخ للأمر الواقع… بالسكوت على مضض، أو التمرد والتشرد في غياهب الزمن . . .

          لو رأيتني لظننت من  المظاهر حولي أنني سعيدة بواقعي الذي اعيشه، مع ما به من تنازلات، وان الابتسامة المرسومة على شفتي . . ابتسامة سعادة ورضى بما حققته من سعادة في اسرتي ونجاح في مجتمعي . . وانت لا تعلم كم جالت في نفسي أفكار، سرعان ما يقتلها عقلي في مهدها قبل ان تتسرب الى قلبي فتنشيه وتحرضه على التمرد . . كم وددت أن أخلع ثيابي التي تراها، وأجري في شوارع حياتي، دون قيد، يلسعني الهواء ببرده، وتحرقني الشمس بحرارتها . . . أبكي وأضحك عندما أشعر بضرورة البكاء او الضحك ينبع من أعماقي . . . اصادق من أريد أحب من أريد. . وأترك المظاهر للجحيم . . .

          لست امرأة طائشة أو ربما تقول جاحدة. . لو كنت صادقة مع نفسي، لخلعت ثياب مظاهري، أتحمل لفح البرد، احمل وزر أيامي، أتقبل ما تجود به السماء والأرض من شقاء، او سعادة، لكنت عندئذ سيدة نفسي. . ولكن الجبن والخوف من القدر يكبلني، ويكبل الملايين من النساء مثلي. . . .

          لقد كبرت في مجتمع لا يعطي الفتاة حقها في اختيار من تريد، ولا يؤمن باجتماع شاب وفتاة إلا في المخدع الزوجي، والفتاة عندنا تتزوج صغيرة قبل ان تعرف معنى المسؤوليات المترتبة عليها، وهكذا تزوجت، كما تزوجت الكثيرات غيري، باتفاق الأهل وموافقة الفتاة على الإنتقال من سلطة الأب الى سلطة الزوج. . وزوجي يكبرني بأعوام لا يهم عددها. . كنت أشعر بفارق السن بيننا واحاول الوصول اليه. . أصبحت زوجة رصينة لا تعرف الضحك. . . ضحك البنات. . قبل ان أصل العشرين . .

          وانتقل زوجي الى بلاد كثيرة بحكم عمله كموظف كبير. . انتقلت معه، أنهل من تجارب أسفاري علما وثقافة لم تعلمني اياها الكتب والمدارس. . وأكتسب من تجارب زوجي .. فقد كانت له جولات كثيرة في دنيا المرأة. . فكم تنازلت وكم أعطيت حتى أغنية وأعوض له ما أفتقده في الاخريات. . كنت أسبغ عصارة كل تجاربي مع ما في المرأة الشرقية من حنان وعطاء على زوجي وطفليّ اللذين رزقنا الله بهما، كنت سعيدة بعطائي، سعيدة بنجاحي . . كان زوجي، ما زال فخوراً بي، يعلقني بذراعه كدمية جميلة، وردة فواحة. . أنيقة دوماً . . سيدة مجتمع . . تعرف متى تبتسم ومتى تحجم عن الكلام، كلماتي بالميزان. . وابتساماتي بالقيراط..

          وكبر ولداي، شمعتان تضيئان حياتي. . أشعلهما بالحب والحنان الذي افتقدته، وارى بهما آمال حياتي. . .

          ومرت السنون وأنا ما زلت معلقة بذراع زوجي . . وردة فواحة، لا أنكر انه أحبني كزوجة ورعاني وعلمني كابنة، أصبح هو ملاذي في الحياة . . أشعر بالضياع بدونه . . فالكل يعرفني من خلاله . . انصهرت به . . حتى أنني نسيت اسمي . . ضاعت شخصيتي المستقلة.. لم يعد لها وجود في حياتي . . إنْ تكلمت فهو لساني وان نظرت فهو عيناي . . لم يكن كل ذلك حباً . . لقد اعتدته، واستمرأت حياة الكسل والخمول معه. . . كانت أيامي كدوران الساعة، عقاربها تدور دوماً باتجاه واحد، هو محور أيامي، وهو عقارب ساعتي. وإنْ خلوت الى نفسي، وحاولت الانعتاق (غير مفهومة) من يده التي اتشبث بها، أحاول الجري، أجد نفسي رهينة آلاف السنين من التخلف في بيئتي . . أجري وأنا في مكاني واقفة تشد أقدامي قيود من حديد . .

          واليوم وبعد ان كبر الولدان، وذهب كل واحد في طريقه يبني مستقبلا. . وعشا. . وعدت وزوجي الى موطننا الأصلي . . نمضي ما بقي من أيامنا. . أشعر بغربة موجعة، حتى بين أهلي وعشيرتي . . فقد فرقتنا المسافات لمدة طويلة. . حتى انقطعت صلة المودة التي تقوى وتصلب بقرب الإنسان من أخيه. حتى صديقاتي، ماتت ضحكاتهن في قلبي، صرت كالغريبة، تفصلني عنهن دروب الزمن، أحاديثهن المكررة تخلق فيّ القرف والملل، وكلماتي القليلة المقتضبة توهمهن بأنني صرت غريبة متعالية . . أصبحن يصبغن لي وجوههن بألف لون، وكرهت نفسي من خلال وجوههن الملونة.

          وصببت كل نشاطي في الاعمال الخيرية . . أقتل بها معظم وقتي . . تمنح الأهمية لوجودي، أراها ابتسامات رضى على وجوه الأطفال والشيوخ. أما زوجي فما زلت أتشبث بذراعه ليتكئ هو علي. . ملازمة له ليل نهار. . لأملأ فراغ وقته . . أسرد عليه ما احققه من نجاح في المجالات الاجتماعية من خلال اسمه.

          وفي الليالي الطويلة، عندما أخلد الى مخدتي. . الى صقيع فراشي . . أتوق للحب والحنان الذي افتقده وأنا بأشد الحاجة اليه، بعد ان ذهبت شمعتا حياتي تضيئان قلوبا اخرى تاركة قلبي في وحشة الظلام . . كعصفور طالما قيدته داخل قضبان أضلعي. . . طالما قصصت جناحيه بآلاف العقد في شرقيتي . . . كم كتمت خفقاته . . كم أطفأت شموعه . . كم صلبته على فراش وحدتي . . كم ألبسته من قيود، حتى لا يتمرد أو يثور . . .

          أعرفت الآن، لماذا أحرم نفسي لحظات أنفرد بها مع قلبي . . . أخاف لحظة ضعف . . يتمرد قلبي بها . . ينعتق من سجن قدري . . . يذوق بها طعم التمرد والانطلاق . . . . يغتسل بالندى، يلون أيامه بألوان الصباح، ويحترق بشمس الضحى . . يبكي متى يشاء . . يحب من يشاء . . يكره من يشاء . . يخلع ثياباً بالية لبسها عقلي طويلاً حتى قتلته، يعيش للأمل. . . .

          وقدر المرأة عندنا لا يؤمن بالأمل . . . مسكينة المرأة الشرقية، مهما حاولت الركض فهي رهينة.