العشاء الاخير

العشاء الاخير

 

          جلست أم الياس على كرسي في زاوية القاعة البيضاء والفسيحة وبقربها سيدتان تتحدثان بلغة لا تفقه من أحرف كلماتها شيئاً، بينما انتشر في القاعة أخريات تحلقت حول حديث صامت او صمت غريب. فالصمت حالة خاصة يحبس بها المرء ذاته داخل أسوار حياته وتجاربه وكأنه يعذب نفسه، يضربها بسياط اللوم ويعذبها بنار جهنم على الارض.

          وغار الصمت في قلب ام الياس حتى فاض دمعاً سخياً انهمر على أخاديد وجهها الحزين ، وأناملها المعروقة الهزيلة تمسح الدمعة تلو الاخرى كي لا تعري صمتها وأسرار قلبها، فوجه الانسان هنا عورة مغطاة بألف قناع وقناع لا تعرف من تقاسيمه خلجات. القلب والروح، صفحة بيضاء او سوداء او صفراء بها عينان وفم وأنف تتحرك بحساب وتبتسم بحساب، وتفرح او تبكي بالف حساب وحساب.

          وانتقل الصمت بأم الياس الى هناك، الى شقتها الصغيرة في حضن الجبل الأشم والى سهول من الذكريات تحفر في القلب فجوة عميقة بازميل الزمن الغادر حين جاءت الحرب لتحرق اشجار التين وكروم العنب وتغرز في قلب الانسان في لبنان رمحاً أسود حولت الدم الى مياه آسنة وملحاً أسود كست شواطئه الصدئة الحزينة.

          وتشبثت ام الياس بالمقعد وهي تصرخ صمتاً: “لا تتركني يا أبو الياس وحدي فليس لي بعد الرب سواك، حتى الحرب كانت بقربك جنة، كبرنا وهرمنا في سراديب حزنها وكان عزائي انك معي تحمي ضعفي بوهن جسدك وتطفئ أحزاني بعطفك وحنانك”.

          وشعرت بيده على كتفها تهدهدها، تهدئ من خوفها وكلاهما على سجادة بالية في مخبأ البناية المتداعية، والقصف لا يتوقف والدمار لا يتوقف والحياة لا تتوقف، فأصوات المدافع والقصف أصبحت رسول أمان يبشر بأخطار بعيدة وقصف يحدث في مناطق أخرى، أمان مؤقت بانتظار حدوث ما هو أسوأ. وتمر الساعات والليالي على ضوء شمعة والاطفال يلعبون ويتصايحون وأصوات المذياع تعلو بمزيج من الاخبار والموسيقى الصاخبة وأغاني الحب والغرام، عالم غريب جمع سكان البناية وبعض المارة في محنة تعايشوا معها حتى أصبحت جزءًا من الحياة. يتقاسمون لقمة واحدة وكوب ماء واحد وهم على الارض بساطاً يلعبون الورق او الطاولة على نور شمعة حزينة او بصيص نور الشارع من فجوة صاروخ او قذيفة والفئران تشاركهم الهرج والمرج الصراصير تسرح دون فالكل لاهٍ بمصيره. وما ان تتوقف القذائف وتهدأ أصوات الراجمات فيصعد كلٌ الى شقته وكأن شيئاً لم يكن. وتتكرر حياة المخبأ كلما عاد القصف والدمار بزيادة مولود جديد جاء الى الحياة عنوة او غياب احد السكان قهراً او قتلاً لا فرق. وجاء القهر البطيء الى قلب ابو الياس ذات ليلة وهو ممدد على السجادة البالية ويده الباردة على ذراع زوجته، وفأرين صغيرين ينظران الى وجهه الهادئ بعيون حمراء وهي تتجول على جسد أبو الياس الساكن دون حراك تبكي ميتته الذليلة في وطن الظلام والظلم بعد ان كان رمزاً للفرح والنور.

          وتمر الاسابيع الاولى وام الياس في مكانها في المخبأ حيث أثار جسد الرفيق والحبيب، ولم يجد معها الحاح الجيران والاصدقاء بل أصرت على البقاء حيث آخر أنفاسه ولمسات يده تربت على كتفها تطمئنها كلما اشتد القصف والدمار حتى جاءها الياس فجأة بقامته المديدة وحملها بين ذراعيه عنوة. ورمت ام الياس بثقل همومها على صدر ابنها وامتزجت دموع الفرح والحزن والحديث والعتاب والخوف مما تخبئ لهما الايام القادمة.

          وقفت ام الياس على باب الشقة الصغيرة وبيدها حقيبة حوت القليل من ثيابها وأغراضها الصغيرة التي اختزنتها مع ذكريات عمرها وجالت بعينيها الدامعتين تودع تقبيلاً كل ركن وحائط في الشقة المتداعية وقلبها يئن صمتاً صارخاً على قرار فرض عليها عنوة، فولدها الياس حضر من فرنسا خصيصاً لاصطحابها فمن لها بعد الله سواه وكيف ترفض عرضه بالهجرة معه بعد ان حمّلها وزر وعد كان قد قطعه على نفسه بأن لا يعود الى وطن الحرب الذي حرمه من زوجته وابنه في لحظة واحدة بانفجار سيارة ملغومة كانا بقربها. وامعاناً في قطع أي صلة له او لوالدته بالارض والوطن باع الشقة بما فيها كي يقطع اي امل لها بالعودة. لم يبقَ لها سوى حنين الذكريات ورباط الانتماء الى التراب والشمس والسماء الذي لم يستطيع ان يقتلعه من صدر اكتوى بعشق الارض وذكريات الوطن الاخضر والحنين الى رفيق عمرها الذي ينعم براحة الموت تحت التراب.

          واستقرت ام الياس في شقة صغيرة من مسكن شعبي في ضواحي مدينة ليون حيث يسكن بعض العمال الفرنسيين والاجانب من كل لون وجنس.

          وتوالت الايام والشهور وهي تحاول جاهدة ان تتكيف مع أسوار عالمها الجديد مع ابنها وزوجة وطفله وحياتها تتأرجح بين الامان والقلق وبين الامل واليأس والشوق القاتل يكبل دروب حياتها، تمضي الليل ممددة على فراش تمدّه على الارض كل ليلة في ركن حجرة الجلوس المجاورة لغرفة نوم ولدها، وعيونها مسمرة على سقف الغرفة تتابع التفاصيل الصغيرة من شريط يجمع بين أعراس الفرح أحزان القتل والحرب والدمار بحنين حتى لسويعات الهروب الى المخابئ حيث دفء المحبة والعيون يطرد برد بيروت القارص الى الارصفة البعيدة، فالفرح لقمة يقتسمها الجميع والحزب شراب مرٌ يتجرعه الجيران والاحبة، اما هنا فهي لا تفقه سوى لغة العصافير والاشجار التي تتحدث بلغة واحدة في بقاع العالم اجمع، تبحث بين الوجوه عن وجه يذكرها بوجه أحبته او لفته تذكرها بلغة المودة والحنان فتصدمها الوجوه وجه واحد والعيون عين واحدة والصمت سجن خانق يفرض حولها حالة من القلق واليأس. وتضم المرأة كفيها فوق صدرها بصلاة صامتة تشكر الرب تارة وتعاتبه أخرى بانتظار تباشير الصباح الاولى لتهب بجسدها الواهي من الارق الطويل كي تمضي ولو لحظات خاطفة مع ابنها الياس قبل ان ينصرف الى عمله الذي يبعده عن البيت طوال النهار، فترفع فراشها عن الارض وتهرع الى الحمام كي تدعك وجهها بيديها بقوة لتزيل عنه أثار التعب والحزن، فالمرء يكره رؤية أحزان قلبه في المرآة فكيف في عيون الآخرين حتى الأقرب الى قلبه وروحه. وتعد على عجل بعض القهوة والطعام وتجلس بجانب ولدها كي تستمد من قوته دفقاً ودعماً لوجودها وفي نظراته تستشف المزيد من الحيرة والخوف كلما ازدادت به التصاقاً لدقائق قصيرة تنفرد به لنفسها كل صباح.

          ويمضي اليم تلو الآخر بطيئاً مملاً سوى بعض المشاركة في امور البيت او العناية بجوزيف الصغير كانت تحاول أن تفرضها على زوجة ابنها اولغا عنوة بلغة الاشارة او الترجي كي تقتل بعض السأم والفراغ فتقابلها أولغا بابتسامتها الخرساء ووجهها الصامت وتشير عليها بالراحة والنوم او الجلوس على شرفة المنزل كي ترفه عن نفسها برؤية المارة.

          حتى أصبحت الشرفة في الشقة الصغيرة نافذة ام الياس الى العالم الخارجي تسحب كل صباح كرسياً خشبياً صغيراً الى شرفة بحجم كف اليد، تجلس عليه الساعات الطويلة ووجهها على قضبان حديدية مغبرة تراقب المارة في الشارع من باعة ونسوة، والصغار يتراكضون ويتصايحون بلغة لا تفقه منها سوى لغة الفقر والحاجة التي تجمع أهل مدن العالم قاطبة وتوصم احيائها الشعبية بمظاهر البؤس والقذارة. وتطول ساعات المراقبة والملل او تقصر وفق مواعيد الطعام او النوم التي كانت تُفرض عليها، او يحدث ان يصحو جوزيف من نومه اثناء غياب امه فتهرع ام الياس اليه تضمه الى صدرها للحظات نادرة تشبع وجهه الذي يشبه وجه جده تقبيلاً وضماً او تغني له وهو بين ذراعيها بترانيم كانت ترددها لابنها الياس وهو طفلٌ وتعصف بها ذكريات الشوق والحنين فتنهمر الدموع من عينيها وتتدحرج صخور الالم في صدرها ببحة الغضب. الصامت فيصرخ الطفل خوفاً أو تأتي أولغا لتنشله من حجرها بفظاظة وهي ترطن بكلمات ثائرة تبدو لها انها كلها شتم وتقريع.

          مضى الشتاء البارد بأمطاره المتواصلة التي كانت ترغم ام الياس على اللجوء الى الداخل بعيداً عن نافذتها الى العالم الخارجي التي اصبحت سلوتها اليومية الوحيدة. ودبّ دفء الربيع في حركة الشارع والبيوت المطلة عليه، وازدانت النوافذ والشرفات بأزهار بدأت براعمها تتفتح بألوان زاهية أضفت على الشارع الحزين ببعض البهجة الفرح. وفي صباح يوم ربيعي جميل فتحت ام الياس عينيها على صوت ابنها الهامس، فنهضت مسرعة لتعد له القهوة فضمها الى صدره طويلاً وترأى لها احمرار عينيه من دمعتين تحولا مع الحزن دماً، فانخلع قلبها خوفاً وهلعاً وضمت رأسه الى صدرها لتقبل جبينه بحنان قائلة:

–         خير يا بني.

          لا شيء سوى رضاك يا ام الياس، أردت استشارتك فيما ترغبين لعشاء عيد الفصح . . فخذ عجل صغير ام ديكاً رومياً تطبخينه لنا بنفسك؟

–         الاعياد يا بني لحظات فرح يسرقها القلب من نظرات السعادة في عيون الاحبة، وفي عينيك خيال دمعتين تحاول حجبهما عن قلبي المتشوق للحظة صفاء مع روحك الحائرة بين الماضي والحاضر وبين القلب والعقل.

–         لا هذي ولا تلك، بل خواطر سريعة غمرتني ووجهك الطاهر في غفوة الصبح الجميلة. ها، ما هي اوامر صاحبة الجلالة ديكاً رومياً ام فخذ عجل صغير. . ؟

          وضحكت ام الياس وقبلت وجنة ابنها وقد تملكتها نشوة غريبة وقالت:

–         ولماذا الاسراف وانا أدري “بالبئر وغطاه”. يكفي والحب يجمعنا كسرة خبز وبصلة.

–         لا عليك يا اماه فقد اقتصدت اولغا في الشهرين الماضيين ليكون عشاء العيد مناسبة نحتفل بوجودك معنا.

          وهزت النشوة جسد ام الياس الهزيل وهرولت مسرعة نحو شنطة صغيرة وهي تردد في سرها “حقاً انها بنت حلال والشك اثم” وأخرجت من الشنطة صرة صغيرة فتحتها بعناية وأفرغت ما بها من نقود قائلة:

–         هاك يا بني، لقد جمعت هذه الفرنكات القليلة أرجو ان تشتري بها هدية لاولغا عرفاناً وحباً، وربما لعبة صغيرة لجوزيف الذي تعلقت روحي به كتعلقي بك وانت طفل على صدري.

          ومسح الياس دمعة تدحرجت على خده خفية وهو يحيط كتفي امه بذراعيه قائلاً بمزاح خفيف:

–         لقد بتُّ أغير من جوزيف الصغير منك، لقد تعلق الطفل بك لشدة حبك وعطفك عليه ربما للشبه الكبير بينه وبين ابي.

–         لقد عوضك الله بزوجك وابنك خيراً وكأن حادثة الماضي كانت فداءاً لخلاصك، فسيدنا المسيح قدم روحه في مثل هذا اليوم فداءً ورحمة للعالمين.

          وتجهم وجه الياس وثقب قلب امه بطلقة من فمه:

–         استحلفك بالرب ان لا تعودي لنبش الماضي مطلقاً.

          ومرّ ذاك اليوم وام الياس تطير مع الغيوم فرحاً بعودة الياس بين ضلوعها حياً بعد ان ندر الحديث بينهما وشحّ لقاء الروح والقلب كشحيح نور الشمس في سماء تلك المدينة الموشحة بالغيوم القاتمة. ودبّ دم الشباب في جسدها ليمنحها شحنة من القوة وصاء الذهن الذي بدّد بعض المخاوف التي أضحت تراودها كلما سمعت نقاشاً هامساً صادراً من الغرفة المجاورة وهي ممددة على فراشها، تعلو نبراته بين الحين والآخر حتى يصبح صراخاً او نقاشاً حاداً دون ان تفقه منه شيئا، يغمرها احساس بانها هي موضوع الخلاف بين ابنها وزوجته، وكم فكرت بحمل أمتعتها والخروج في الظلام كي لا تكون السبب في شقاء وتعاسة وحيدها، ولكن اين تذهب وفي المدينة وحش الغربة والجوع والتشرد.

          لم تنم ام الياس تلك الليلة والاحاسيس الجديدة تعصف بالجسد الهزيل وهي تفكر بما سوف تعد من طعام، فهذه فرصتها كي تجعل هذا العشاء مناسبة لأحياء موائد الاعياد في لبنان من مقبلات واطعمة مختلفة. وتفاجأت اولغا بها وقد انجزت الكثير في ساعات الصباح الاولى ورضخت بأن تقوم هي باعداد الحلوى وتجهيز مائدة الطعام.

          تحلقت العائلة الصغيرة حول طاولة تتوسطها زهرية بها ورود حمراء جميلة وبجانبها صحن زجاجي حوى بيض عيد الفصح الملون بألوان مختلفة بالاضافة الى اصناف الطعام التي اعدتها ام الياس طوال النهار. وطأطأ الياس رأسه وهو يضم راحتيه في صلاة قصيرة وعيني امه لا تبرحان وجهه المجهم لحظة وصور من الماضي تلاحقها وتعيدها الى أجواء أعياد الفرح والاهازيج.

          جلست ام الياس على مقعد في غرفة الجلوس وجوزيف يف؟؟ مقعده الصغير بقربها بينما الياس وزوجته يرفعان الصحون وبواقي الطعام عن مائدة العشاء، وأخذ الطفل بالصراخ فحملته جدته وأجلسته على ركبتيها الواهيتين واتخذت تهدهده حتى هدأ ونام، فأقبلت اولغا لتنتشله من بين ذراعيها بقسوة وكأنها تنزع قلب الجدة من صدرها، ودخلت به غرفتها معلنة نهاية يوم حافل ٍ من ايام ام الياس في عالمها الجديد.

          جلست ام الياس في فراشها وبين أناملها صليب صغير تعلقه في صدرها وراسها منحن في صلاة وابتهال تبحث في الصلاة عن راحة لقلبها الواجس خوفاً من المجهول، وتحاول ان تجد مبرراً للحزن المسيطر على ابنها الياس كلما رنى اليها بنظرة وهي لاهية عنه لتجد في عينيه رصاصات صامته تخترق قلبها، رغم الحنان والعناية التي أحاطها بها في الايام الاخيرة، ربما ضاق بها وبفم ٍ جديد يطعمه ام انه مل قصص الالم في سرد الذكريات، والحزن غيمة قاتمة لا تجد في قلوب الآخرين سوى نظرة شفقة عابرة.

          وفي صبيحة اليوم التالي نهض الياس مبكراً وأخذ يدور في الشقة الصغيرة وهو في حالة قلق ظاهر، يقترب من فراش والدته بأطراف قدميه ثم يبتعد ويدورة مرة اخرى ثم يعود يقف فوق جسدها المسجى في حالة نوم وهي في فراشها تكتم صرخة تجلجل بين ضلوعها وتساؤلات وأدته؟؟ بين شفاهها كي لا تثقل عليه وهو في حالته تلك، ثم لبس ثيابه على عجل وخرج تسحباً كي لا يوقظ اهل بيته والجيران وقلبها يجرى خلفه يود لو يفديه بنفسه وجسدها المنهك كريشة في مهب الريح تعصف به الهواجس والافكار.

          خرجت ام الياس بالكرسي الخشبي الى الشرفة الصغيرة “نافذتها الى العالم” لتبدد السأم والقلق بمشاهدة الآخرين ولتشغل أفكارها بمتابعة نبض الشارع من فرح او ترح، والهرج يسوده من باعة ومشترين وأطفال يلعبون او يشاكسون. وتجمهر الصبية حول سيارة بيضاء تحاول ان تشق طريقاً لها بين المارة والباعة بصفارة مدوية تطلقها لفترات قصيرة لتفسح الشارع امامها وتدعو بقية سكان الشارع الضيق الى النوافذ والشرفات، وبرزت الرؤوس تتابع السيارة التي تتهادى ببطء حتى وصلت الى منتصف الشارع حيث تقف ام الياس ونزل من السيارة رجلين بلباس ابيض كلباس الممرضين، فأبعدا الأطفال برفق واخد واحد منهما يدقق بعنوان مكتوب على ورقة بيده، ودلف الرجلين من باب البناية القديمة والعيون المبعثرة على الشرفات والنوافذ تتابع دون مبالاة حدث مثير ضجّ به الشارع الضيق لملئ فراغ لحظات او دقائق لا تلبث ان تمضي دون عبرة او ذكرى. وتتذكر ام الياس سيارات الاسعاف في وطنها الجريح وهي تنقل المصابين والقتلى بالعشرات وعويل صفاراتها يزرع الخوف والموت على مساحات الشوارع المهدمة. وسمعت ام الياس قرعاً متواصلاً على باب الشقة تغاضت عنه كي لا يفوتها مشهداً يبدد بعض الملل الذي يكتسح دقائق حياته. فالقتل والدمار هناك حيث نور الشمس رماح مخضبة بالملح والدم، اما هنا فالاسعاف لامرأة باغتها المخاض فجأة او لشاب تعاطى من السموم جرعة افقدته وعيه او قتلته، وتنبهت الى صوت اولغا يناديها بالحاح وبالرجلين يقفان خلفها في صمت. وانفجرت الدماء في رأسها بركاناً، الياس هل أصابه مكروه؟ وجوزيف . . أين جوزيف الصغير. . والرجلين يحاولان تهدئتها بسيل من كلام لا تفقه منه حرفاً، وذراعان ممدودتان نحوها تساعدانها على الوقوف خوفاً من ان تقع على ارض الشرفة كتلة واحدة. وجرى جوزيف نحوها خائفاً وقد حول الخوف سهول عينيه الى كتلة من نار فضمته الى اخضرار صدرها واستنجدت باولغا بصوت كالرعد مصدره قلبها الحزين – ماذا جرى . . انا لست مريضة . . اين الياس، اريد ان أرى ولدي وتقدمت اولغا منها بوجهها الاصفر الصامت لتنتشل الطفل من بين ذراعيها وتدخله عنوة الى الغرفة وصياحه يملأ فراغ قلبها  “تاتا تاتا” وعادت اولغا بعد دقائق وبيدها حقيبة ملابس ام الياس وكيس حوى اغراضها الصغيرة من صور لابو الياس والعائلة وفرشاة شعر وحذاء قديم، وتقدم احد الرجلين ليحمل الحقيبة والكيس بينما اخذ الآخر يقرأ من ورقة مررتها له أولغا وهي تحدثه همساً وهو يهز رأسه بالموافقة. وتقدم ذاك الرجل ليحيط كتفي ام الياس بحنان وتؤدة وطبول العاصفة تملأ كيانها والغثيان صخرة بضت؟؟ على صدرها لتتهاوى في صمت بين ذراعيه.

          أفاقت ام الياس لتجد نفسها بلباس بلون السرير الابيض وبجانبها منضدة رصت عليها باتقان بعض حاجياتها وصورها الخاصة، وبرز وجه ابو الياس من الصورة وطفله الياس بين يديه، يحثها على الصبر فلقائهما بات قريباً وتنقلت ببصرها في الغرفة  البيضاء الفسيحة، أسرة، مناضد بيضاء بلون الفراغ الهائل الذي يسيطر على كيانها، وعلى الاسرة والكراسي بعض النسوة بوجوه وعيون واحدة شاخصة الى هناك، خارج النوافذ والحوائط بانتظار المجهول بعد قسوة الزمن وعقوق الانسان بجبروت قسوته، ورائحة الموت تنتشر في جو الغرفة الفسيحة كلما مرّ يوم وخلى سرير آخر.

          وتجر ام الياس اذيال قهرها وتسير نحو النافذة تنظر ببعض الامل الى الارض الفسيحة الخضراء بانتظار ان يدخل ابنها من الباب الحديدي الكبير ليطلب منها الصفح والغفران وتبحر كلماته الى قلبها في نفق طويل مظلم خوفاً من ان تردد ولو في سرها ما قاله الياس في ليلة العشاء الاخير واثناء الصلاة في الكنيسة. “يتحقق الخلاص الحقيقي بعمل قرباني، كقربانية يسوع المسيح الذي قدم روحه فداءً للآخرين” وتقدم روحها قرباناً لسعادته . . .

          وتموت بقية الكلمات على شفتيها المطبقتين والصقيع يتمدد على مساحات جسدها الواهي سوطاً يعذب روحها الوحيدة الغريبة. وتشعر بفراغ وجدانها من اي عاطفة حبّ او كراهية، كتلة من الجليد المتساقط يكبر ويكبر ليطفئ اي حلم يرتجف في صدرها ولو كان املاً كاذباً وحلم المستحيل. وتعود ام الياس الى فراشها منكسة الرأس بعد ان يئس نور عينيها من متابعة اشباح الأمل الكاذبة في الارض الفسيحة الخضراء عند الباب الحديدي الكبير، وأمسكت بالصليب بين أناملها المرتجفة تردد صلاة كانت تناجي بها ربها صبح مساء بأن يتعجلها برحمته ويخلصها من سجن شيخوختها داخل أسوار بيت العجزة الى رحاب الموت الأكثر رحمة.