العذاب امرأة

العذاب امرأة

 

          تعثرت وفاء وهي تدخل الفصل. وتساقطت الكتب الكراريس من بين يديها، فانحنت تجمع الكراريس عنه الأرض بتأنِ ٍ وروية كي تتجنب الابتسامات الساخرة على شفاه الفتيات.

          وتذكرت وهي جاثمة على الأرض انها كانت بالأمس فقط تجلس بدورها في تلك المقاعد . . . وردة متفتحة، كقطرات الندى على زغب الربيع لا يشغلها شاغل سوى همسات الصديقات عن علاقتها بفؤاد . . . وامتد الغمز واللمز على بساط الايام حتى بلغ مسامع والدها، فثار وهدد واحضر الشاب وكان زواج حب سريعاً.

          وتفتحت أزهار الربيع على جسد ابنة التاسعة عشرة، وعرفت في الحب رشقات الشهد يوماً بعد يوم وشهراً بعد آخر، وفؤاد كظلها الظليل لا يرفض لها طلباً فمن اجل حبه تحملت غضب الأهل والأقارب ومن أجل راحته تخلت عن مستقبلها الجامعي كي تمنحه في كل لحظة من لحظات عمرها، ولم تنغص سعادتها سوى سهرة مع الأصدقاء من وقت لآخر.

          وزحف الملل على حياة وفاء، فوافق فؤاد بعد تردد على ان تعمل كمدرسة في مدرسة قريبة حتى تشغل نفسها في مهنة تحبها وتستنفد طاقة الحب والحنان في قلبها لأطفال لم تنجبهم بعد.

          وانشغلت وفاء بمهام وظيفتها الجديدة بالاضافة الى مهام أعمال البيت التي كانت تتراكم عليها يوماً بعد يوم، وانشغل فؤاد عنها بعمله نهارًا وسهره مع الأصدقاء ليلاً حتى أصبح السهر هوايته الليلية بعد أن كان يكتفي بلقائهم مرة أو مرتين في الاسبوع.

          وتكدست هالات الغضب في قلب وفاء حتى انفجر في احدى الليالي حين دخل فؤاد البيت بعد منتصف الليل بوجهه المتعب وشعره المشعث وهي تجلس في صالة البيت تصحح بعض أوراق الامتحانات فانفجرت قائلة بحنق:

–         أهكذا يكون شكلك حين تعود كل ليلة؟؟ ليتك ترى وجهك المتعب في المرآة.

وأجابها فؤاد

–         هل يشغلك موعد عودتي الى البيت . . يكفيك اهتمامك بكراريسك وتلميذاتك. لقد أصبح وجهك يذكرني بمدرستي الشمطاء!       

وهبت وفاء في غضب:

–         ليتني أويت الى فراشي باكراً كي أتفادى رؤيتك وأنت على هذا الحال المخزي.

وتقدم فؤاد وهوى بكفه على وجهها بصفعات متتالية وهو يردد:

–         أنظري الى وجهك في المرآة يا مدرستي الشمطاء . . فو سبب سهري مع الرفاق.

     وهربت وفاء من بين يديه ومن غضب قلبه الى احدى الغرف واقفلت عليها  الباب. وفي اليوم التالي تمارضت ولزمت البيت كي لا تفضح آثار الصفعات البادية على وجهها وسر عذابها وحزنها.

     وتكرر المشهد نفسه بعد ليال ٍ حتى أصبح ضرب فؤاد لزوجته بعد سكره كلذة الكأس الأخيرة.

     وذهبت وفاء لوالدها تشكو وهي تتخيل نظرات الشماتة في عينه فهي تعلم أنه لم يوافق على زوجها من فؤاد الا مكرها. .

واستقبلتها نظرات الحنان والغفران تغمرها وتبدّد حزنها. . وبعد المؤاساة فجّر والدها في أذنيها قنبلة حاولت استبعادها برغم العذاب الذي عاشته مع فؤاد لحظة بلحظة . .  . قال:

–         سنطلب الطلاق . .

قالت وفاء:

–         لكنه لن يطلق . .  سيرميني بحجارة عشقه القديم ويمرّغ وجهي بوحل غضبه.

ورد عليها والدها قائلاً:

–         سنرغمه على الطلاق، كلنا معك . . واحمدي الله أن ليس بينكما طفل.

– 2 –

          ذهبت وفاء مع والدها الى المحكمة لمتابعة دعوى الطلاق، فوقف الأب يتحدث باسترسال مع المحامي بينما اخذت الأفكار تجوب عقل امرأة تقف على أعتاب الطلاق . . وتملكت جسد وفاء قشعريرة باردة حتى اصطكت أسنانها . . ثم شعرت بسخونة تغمرها من رأسها حتى أخمص قدميها والرهبة والخوف ينفجران عرقاً ينسكب على وجهها الذي أعياه التفكير والحزن . . كيف تعيش مع آهات الشماتة؟؟ كيف تتحمل نظرات الرجال لامرأة مطلقة لم تنجب؟ وذهبت تبحث عن أي مقعد بعد أن شعرت بدوارٍ كاد يسقطها أرضاً . . ووجدت مقعداً خالياً فجلست عليه بينما جلست على الأرض بالقرب منها سيدة ملتحفة بالسواد تحمل بين يديها طفلاً رضيعاً. وشعرت وفاء بحاجة ملحة الى الحديث مع امرأة اخرى . . اي امرأة، كي تبدد بعض الارتباك الذي تشعر به، فقالت للمرأة الجالسة قربها على الأرض:

–         ما أجمل هذا الطفل يا خالة . . أهو ولد أو بنت .  . .؟

ورفعت المرأة وجهها . . فبدا وجه امرأة شابة لم تتجاوز الخامسة والعشرين زاده الحزن رقة وجمالاً، وقالت:

–         إنه ولدي جاسم واسمي خديجة . . ما اسمك أنت.

–         وفاء اسمي وفاء . . عذراً يا خديجة لقد ظننت أنه حفيدك اذ لم أر شباب وجهك وأنت مكوّمة بالحزن على الأرض.

–         أي شباب هذا وعمر قلبي تجاوز المائة عام.

–         وطفلك ما ذنبه كي يعيش حزنك . .

–         إن كان حزني على نفسي قيراطاً واحداً فعليه مائة قيراط.

–         ما قصتك . . وهل تستوجب كل هذا الحزن؟

–         قصتي طويلة . . طويلة كلحظات مليون عام من القهر . . سأوجزها لك فلربما ساعدتني بعلمك . .

وأطرقت خديجة قيلاً وجهها منكسر ثم سألتها فجأة:

–         هل أنت محامية يا سيدة وفاء . . ؟

وارتبكت وفاء من سؤال خديجة . . ودارت ارتباكها بقولها:

–         لا . . ولكن ما هي قصتك؟

وقالت خديجة:

–         زوجني أبي الفقير من رجل تجاوز الخمسين عاماً . . باعني أبي كما يبيع عنزة لديه . . ورضخت.. ورضخت . . ورضيت من الدنيا بزوج مسنْ هيأ لي بعض رغد العيش بعد الفقر المدقع . . ورزقت منه ابنة وطفلي جاسم . . ويعلم الله كيف مرت الايام والسنون الخمس . . يعلم الله مر عذابي وشقائي.

قالت وفاء:

–         ماذا ينقصك يا خديجة ولديك زوج يرعاك كابنته وطفلان كحبتي شهد يملآن أيامك ولياليك سعادة..؟

أجابت خديجة:

–         لم أشعر يوماً أنه يحبني ويرعاني كأب أو زوج أو أخ . . فلقد كرهته منذ الليلة الأولى التي جمعتنا في بيت واحد وسرير واحد . . وازداد كرهي له مع كل دقيقة من دقائق عمري لخشونته وقسوته، فهو لا يتورع عن ضربي واهانتي كلما تملكته الغيرة العمياء، ثم يستبد بي وبعواطفي وكأني عنزة يلمكها أو كحبة فاكهة لذيذة ينهش منها ثم يلقي نواتها بعد أن شبع وارتوى. .

–         أتطلبين الطلاق اذن بعد سنين خمس وطفلين . . ؟

–         لو ترك الأمر لي لطلبت الطلاق بعد خمس أيام وخمسة شهور وقبل أن أرزق أطفالاً يجعلون للطلاق مذاقاً أكثر قسوة ومرارة . . ولكن هذه حكمة الله وقد أرغمني والدي على البقاء في كنف زوجي برغم العذاب والضرب والمذلة، واليوم وبعد أن توفي والدي أبحث عن خلاصي من زوجي برغم علمي بعواقب الطلاق ومشاكله.

–         ومن يعيلك ويرعاك بعد موت أبيك وطلاقك من زوجك؟ . . وانت لا حول لك ولا قوة.

–         لنا الله فهو لا ينسى عباده، سأعمل في أي عمل شريف بمؤهلي المتواضع مع التعليم، سأعمل فرّاشة في مدرسة أو مستشفى أو خادمة فيما لو اضطرتني الظروف كي استرد بعض ثقتي بنفسي بعد ذاك الذل كي أعيش من أجل أطفالي فقط.

–         وهل وافق زوجك على الطلاق؟

–         بل ثار وأوسعني ضربًا ومرغ وجهي وشرفي بالوحل، ثم طلبني من المحكمة لبيت الطاعة على أنني ناشز.

–         أعوذ بالله، طلبك على بيت الطاعة. . ؟

–         أجل في خربة تسكنها الفئران والجرذان وفيها سرير قديم كي يذل عنزته الناشز.

          وبكى الطفل الرابض بين ذراعي أمه وهي تضغط من غيظها لا شعورياً على هيكله الضعيف . . وقامت وفاء من مجلسها وجلست القرفصاء قرب خديجة تربت على كتفها، ثم أخفت وجهها بين كفيها وأجهشت بالبكاء. فعلقم الزواج ومرارته في فمها ومطرقة الطلاق فوق رأسها . . وعذاب المرأة المطلقة قهر لا تحتويه الأحرف والكلمات . . والمخبأ في الغيب ظلام دامس لا تعرف كنهه بعد.

          ولملت وفاء نفسها وكراريسها ومشت منكسة الرأس كسيرة العين بانتظار الحكم الفصل. . حكم الانفصال. . .