الرسالة الأخيرة

الرسالة الأخيرة

عزيزي غسان،

          لقد ترددت كثيراً . . ترددت وسقط القلم مراراً من يدي . . لكن، لا بد من شرح موقفي.. لا بد من شرح موقفي . . لا يمكن ان اتركك هكذا دون كلمة . . دون ايضاح . . ستتألم حتماً، كما أتألم . . قصة كقصتنا لا تنتهي هكذا دون عذراً ووداع . . وانا كما تعلم اكره لحظة الوداع . . اذاً كان لا بد ان انهيها برسالة . . ودون مقابلات . . . مهلاً، لا تتهمني وتقول خائنة.. مللتك واحتضنني سواك . . فحب كالذي بيننا لا يزول بين ليلة وضحاها . . .

          تذكر يا غسان، كيف كان أول لقاء بيننا . . تلاقت عيوننا، ولم أشعر الا ويدك القوية تحتضن يدي في سلام دافىء حنون . . وتركتها، كعصفور وجد عشه وارتاح . . . وبقيت طوال تلك السهرة أشرب من بسمتك الحلوة . . . غاب عني لأول مرة أن اهتم بالرفاق وأحاديثهم، لم أناقشهم ليلتها كعادتي، اذ كنت اناقش نفسي، أؤنّبها لاندفاعها بالتعبير عن إعجابي بك بهذا الشكل الفاضح . . ومرت تلك الليلة وايام وليال غيرها، واصبحنا حبيبين . . . صديقين.. لا تذكر قصة حب صادق الا ونكون بطليها . . . ولا قصة صداقة واخلاص، الا ونكون الرائدين. اصبحت اعرف اينما ذهبت . . بصديقتك . . بل حبيبتك . . والشبان يحسدونك، والصبايا يحسدونني، هذه لعبة الحياة . . . وقد زوجوني منك وسموني (ام فخري) للفكاهة قبل ان نقرر الزواج او نرزق بفخري . .

          كانت الايام تمر جريا وانا في دوامتك اعيش . . كنت اعيش وانت بجانبي، تمسك يدي، نجمة ساطعة . . فراشة بألف لون . . وعندما تغيب، تعود لعملك، لكتبك، لبيتك، دافئة تحرق جسدي . . تفتت كياني . . . ويبقى رأسي معلقاً فوق الرمال، يتنفس بصعوبة. . يعيش بصعوبة.. الى ان نلتقي . . نعود ونلتقي . . . صرت أخاف لحظة تتركني . . أخاف تلك الرمال، افزع ان اغوص ويغرق ورأسي تحت تلك الرمال . . كنت اخجل من ذكر ذلك لك حتى لا تتهمني بالجنون، ولا حتى لصديقتي ثرياً، خوفاً من ان يصبح لقبي الثاني بعد ام فخري، مجنونة غسان. . . أعد الساعات بل الدقائق كي نعود ونلتقي، أصبح عملي امراً ثانوياً، تافهاً … لا يهمني ما انتج . . لا يهمني ما يقوله الزملاء طالما نحن معاً دائماً.

          تغللت في نفسي حتى اصبحت قطعةَ منك. . خيالا هزيلاً لك . . صورة مهزوزة . . احب ما تحب، واكره ما تكره . . كنت افعل ذلك في بادىء الامر، لظني انك سوف تحبني أكثر.. اصبحت آكل اطباقاً لم أذقها من قبل . . تسريحة شعري من تصميمك . . حتى فساتيني.. أصبحت كريستيان ديور وجان باتو . . بالنسبة لي . . لا اقول انك كنت تصممها . . لا . . بل اختار من الازياء ما يرضيك . . . فتحة الصدر . . قصر الفستان او طوله . . ضيق التنورة . . حتى ثيابي الداخلية، بت اشتري ما اتخيل انه يعجبك، حتى لو لم ترني بها. اللون . . الموديل .. كنت ارى ذوقك عند جلوسنا معاً، نقلب صفحات بعض المجلات، وذراعك تحتضن كتفي برفق.. فارى نظراتك تائهة في صور لنساء في اثواب للبيت او قمصان نوم . . فاذهب في اليوم التالي واشتري ما اعجبك دون ان تقول شيء . . عيناك كانتا تقولان الكثير . . . تحادثاني . . تكتبان لي الرسائل الطويلة . . وشفتاك مطبقتان. .  لا، بل تبتسمان وانا أشرب من ابتسامتك الحلوة تلك. .

          وعندما اخلو الى نفسي، في غرفتي ورائحتها حولي تثقل رأسي . . سجائرك رائحتها في شعري، في ثيابي . . اعيد ما دار بيننا من كلام . . اقولها، اكررها دون وعي او ارادة . . بت أستعمل حججك في الحديث، وطريقتك في التفكير، حتى اسلوبك في التعبير . . . إن فتحت فمي، رددت ما ذكرت لي . . ان فكرت جالت بخاطري افكارك . . اما افكاري، خواطري فتبددت رويداً، رويداً . . ضاعت في خضم افكارك وارائك . . تماما كما يضيع دخان سجائرك.. يتجمع في حلقات، ويضمحل رويداً، رويداً حتى يضيع مع الهواء في جو الغرفة . . كما تضيع افكاري . . . تغيب، أبحث عنها . . أفتش في زوايا نفسي. . . فلا اجد الا ضباب دخان . . . خيال افكار . . بت صورة مصغرة . . خيالاً هزيلاً . . . مسخاً مشوهاً . . . نعم . . مسخاً هزيلاً . . . مسخاً مشوهاً . . . نعم . . مسخاً هزيلاً منك . . جسدت مني صنماً تعبده، صنما تعبده، صنماً حبيباً اليك . . ولم يكن ذلك الصنم، الا انت وكنت انا الصورة . . الخيال فقط … ويقولون يعبدها . . يعيد ليلي . . لا . . لا غسان، لم تعبد الا نفسك . . وصنم صنعته بيديك. .

          هل حقاً أحببتني . . ؟ ام عبدت افكارك المنعكسة على وجهي، افكارك التي تسربت الى نفسي . . قلبك الذي زرعته في اعماقي . . . وقلبي . . وافكاري ومقوماتي ذاتي . . . اقتلعته كله من جذوره ودفنته في الرمال . . . تلك الرمال الدافئة التي كنت اغوص فيها. دفنتني فيها… لقد ماتت حبيبتك ليلى . . . أهلت عليها رمالك الدافئة . . . واصبحت ام فخري كل امالك. . صورتك المؤنثة . . . وانا لا ارضى ان اكون صورة باهتة . . كان لا بد من ان احطم ذاك الصنم . . صنمك الذي تعبد . . وان اكسر القيود التي عشتها معك . . فاعبد نفسك واتركني . . حطام صنم مبعثر . . ألملم بقايا نفسي . . فقد كفرت بالاصنام وعبدة الاصنام . . آن لي أن أجد نفسي . . . أن اعود اليها .. سأدفن ام فخري مع الذكريات . . وأعيد الحياة لليلى الحزينة . . اناقش الرفاق وأدير دفة الحديث . . بحرية وانطلاق . . بآراء تنبعث مني لا من احد سواي… لن ترعبني الوحدة . . فتيار عزيمتي سيجرف تلك الرمال التي غصت فيها طويلا . . سأعّود نفسي بعدي عنك . . . كما عودتها قربي منك.

          سألبس ما يعجبني من الالوان . . . وأجمع ما اريد من الزهور . . خاصة البنفسج، الزهرة الخجولة الحلوة التي كنت تمقتها، فحرمتها علي . . كان البنفسج لي رمزاً للتواضع والجمال، افرح فتمائمه وهي تبتسم في الصباح. . . تستقبل اليوم الجديد . . لقد قتلت بي شعور الفرحة باليوم الجديد . . حتى اصبح يومي كغدي، يمضي دون فرحة لشيء انجزه . . كنت فقط افرح لفرحك . . واتعب لتعبك . . وأحزن لحزنك.

ساكسر قيد الحب الذي غلني طويلاً . . . أطير وانطلق . . . انطلق واطير . . سأحطم الاصفاد، اكسرها واسلمها لك يا غسان . . وهذه الرسالة هي آخر خيط يربطني بالماضي . . يربطني بك .. بسنة جميلة طويلة مضت . . ومضت.

                                                          ليلى