الحلم الطائر والواقع

الحلم الطائر والواقع

           لمحته بين الوجوه . . في زحمة الركاب على أرض المطار، والمذيعة تنادي على الركاب المتوجهين الى لندن النداء الأخير. . وفتحت عينيها بدهشة ومرت بأناملها عليهما، كأنها تبعد عنهما غشاوة الخيال.

          لقد مرت السنون العشرون، لم تره بهما الا بخيالها . . الأعوام التي أبعدته لا بد غيرته.. غيرت منه الوجه والقلب . . والسنون التي طحنته وطحنتها، خلقت منه انساناً آخر . . وقد علمت من كلمات كانت تقتنصها من الاهل والاصدقاء، أنه رجل أعمال ناجح له زوجة وأولاد، يعيشون في لندن، ويتنقل هو بين بلاد الله الواسعة يجني ثمار أعماله مالا وشهرة.

          حتى لو حقيقة ما لمحته في زحمة الوجوه . . أما زال يذكرها، وقد غيرتها السنون . . . اكانت حبه يوماً . . أيعرفها . . ام نسي حتى ملامح وجهها . . . وكانت تنظر دون ان تلفت الانتباه للواقفين أمامها، وخلفها . . وجاء دورها فأبرزت بطاقتها، وقامت موظفة الأمن في المطار بفحص شنطة جلدية أنيقة تحفظ بها زينتها وكتاباً، وأشياء صغيرة أخرى، شملت الموظفة بنظرة روتينية ما بداخل الحقيبة، فأمامها العديد من الركاب، وعليها ان تنهي المهمة، لتعود للتسكع في المطار وجرى الحديث مع هذه أو تلك.

          دخلت نجلاء، يسبقها عبق من عبير، الى المقعد المحدد لها في مقدمة الطائرة الضخمة، وجلست قرب النافذة بعد أن أعطت معطفها للمضيفة كي تعلقه في خزانة صغيرة في مقدمة الطائرة. وجاءت المضيفة بالجرائد والعصير للركاب، وأخذت نجلاء كوبا من العصير ترشفه ببطء، وهي تراقب الوجوه تدخل ثم تبتلعها المقاعد المرصوصة في بطن الطائر العملاق، ثم أدارت وجهها نحو النافذة فرأت العمال في أرض المطار في زيهم المميز، وسيارات خدمات المطار تجيء وتذهب، ثم، لم تعد ترى شيئاً بل تراءت لها النافذة الصغيرة، مرآة ترى بها صوراً من أيام طفولتها السعيدة، وأيام مراهقتها الحائرة، عندما كانت سعيدة بحريتها، سعيدة برفات(غير مفهومة) العصافير في قلبها البكر، لم ينبض قلبها بحب الا له، ولم تشعر بنار الحيرة والخجل الا وهو معها . . كان حسام صديق الطفولة، يزورهم وحده او مع العائلة، كانت تشعر وهما جالسان ولو مع ألف من الآخرين . . . أنه يجلس معها وحدها، يحدثها بعينيه كلاماً أعمق من أن تنطق به شفتان . . ومع ذلك كان صامتاً عن كلمة كانت تصلي من أجلها . .

          وفرّقت ظروف الحياة بينهما، وأبعدت بينهما المسافات، عندما انتقل أبوها للعمل بالخارج، وكما أبعدتهما المسافات، فرقت قلبيهما، وتراءى لها والأيام تعلمها ان ما كانت تشعر به إنما أحاسيس فتاة مراهقة، وحب يزول مع طيش البنات، وان أيام نضوجها كفيلة بأن تمحو أحلاماً بريئة، كانت تعيشها بقربه . .

          ومرت السنون، وما زال وجهه ينير لها الطريق، كل ما اشتعل بقلبها شوق تذكر أسمه، أو كانت في لحظة حزن أو سعادة، تراءى لها يشاركها السعادة، ويخفف عنها الألم.

          حتى بعد ان أصبحت زوجة واماً . . كان قلبها، وليس لها حكم عليه، يحتفظ بذكراه ويراودها طيفه في وحدتها . . ربما دون ان يعرف يوماً أنها أحبته كل هذا الحب . . لم تشعر قط أن حبها يعيبها، أو يعد خيانة لزوجها، فقد دخل حسام قلبها وحياتها قبل الزواج وامتلك من قلبها مكاناً بقي له وحده على مر السنين . . فكما يجمع الدم بين الأهل بالقرابة، هكذا حبها الطاهر جزء منها . . فهل تستأصل الأيام مهما قست جزءاً من حياتك . . حبه كان قدرها، ولا يهرب الانسان من قدره . . ومع           ذلك أحبت زوجها واولادها ورعتهم بحنانها، كالنبع العذب لا يتعبه العطاء، ومع كل حبها وإخلاصها لزوجها، واحترامها بعد ذلك لذكراه . . تبكي أحلاماً وئدت في مهدها . . ومشاعر ليس لها الحق في ان ترى النور مطلقاً . . .

          سرحت بها أفكارها بعيداً، ومرآة أيامها صور على نافذة الطائرة وعلى وسائد من القطن الابيض.

          وجاءت المضيفة لتقدم بعض الطعام، وجاء صوت الجالس بقربها ليقطع أحلامها، ويعيدها للطائرة والمضيفة والركاب . . وما ان التفتت، وصَعَقة وجودها قربه، حتى صدرت منه شهقة، حشرجة من القلب، أما هي فكان وجوده قربها تتمة أحلام رأتها بالسحب.

          واختصر الحب المسافات الزمنية بلحظات وجلسا يتحدثان وكأنهما يكملان حديثا جرى بينهما بالأمس فقط، لم تبعدهما روحا وقلبا كل تلك السنين ولا لحظة واحدة . .

–         انت بقربي . . كل هذه المدة؟

–         لقد كنت معي منذ لمحتك في قاعة المسافرين.

–         ولم تحدثيني او تحييني . . سنون البعد . . جعلتك قاسية . .

–         ربما نسيتني، او لم تعرفني فقد غيرتني قسوة الأيام . .

–         هل ينسى الانسان صورة مرسومة في القلب منذ الصغر، فالمرء ينسى أو يتناسى بعض مراحل من حياته لكنه لا ينسى شقاوة طفولته أبداً.

–         اذاً هي شقاوة طفولة كما طننت . .

–         أود لو ما زلت أعيشها كل لحظة . .

–         لماذا تحرم نفسك من شيء تتمناه، فالعمر قصير فلا تضيعه بالتمني . .

–         قسوتك علمتني الجفاء واللامبالاة بكل شيء حولي . .

–         لم أكن قاسية القلب معك أبداً . .

–         لماذا اذا كانت عيناك تقول أنا والنجوم سواء، وشفتاك كالحجر صماء. .

–         حيائي يمنعني من البوح بمشاعري، وخوفي من فرض واقع عليك . . .

–         لكن كل كلمة قلتها، كل نظرة أو لفتة كانت تفضح مشاعري . .

–         ما زلت أذكر كل كلمة قلتها، كل رسالة حملتها عيناك . .

–         لماذا لم تردي اذاً على رسائل عيني . .

–         كنت حائرة، فلربما كتبت عيناك رسائل حب للأخريات. .

–         لم تعرف عيناي نظرات الحب بعدك . .

–         ونسيتني، كل هذه السنين . .

–         كنت معي دوماً، كل لحظة من حياتي، كل خلجة من قلبي كانت تنادي بأسمك . . كنت أبحث عنك بين الوجوه فلا أرى الا وجوها مصبوغة، وقلوباً خاوية من الحنان.

–         وتزوجت. . قتلت الورد، وضممت الحشائش . .

–         ظننت بعد ذهابك، ان الزوجة تملأ فراغ قلبي، والاولاد فراغ أيامي . . لكن دون جدوى، كم تعذبت عندما علمت بزواجك . .

–         كنت لك بالروح والقلب . . بانتظار كلمة منك . . كي أحضنك بقلبي . . أضمك برموش عيني، لكن تركتني للآخرين و . .

–         كفى . . ليس هناك أخريات . . لم تكن أيامي الا سلسلة من العمل المتواصل أفني به روحي، أقتل به أيامي . . كي لا يعذبني قلبي بالندم . .

–         اذا بعدي عنك . . كان حافزاً لان تعمل أكثر . . سبباً للشهرة التي وصلت اليها . .

–         كنت أنت . . الحافز الدائم لنجاحي . . أعمل، ليل نهار، لأهرب من واقعي، وابقى بالخيال معك، أشعر، وأنا وحدي أعمل، أنك ما زلت معي تمسحين ببسمتك تعبي . . وتغسلين بدموع الحب في عينيك كل آلامي . . لننسى كل هذا، حدثيني عن نفسك، عن غلابتك (الكلمة غير مفهومة) مع أهلك وزوجك ثم رجوعك لوطنك. .

–         قاسية هي الأيام . . تعيدني لمعبدي بعد ان مات الزوج وذهب الحبيب . . كنت في غربتي، أتوق لحبات رمل من بلادي، أمرر بينها أصابعي، لصوت عصفور يغرد على غصن شجرة في حديقة بيتنا . . كان حنيني للأرض حنيناً جازماً اليك، حنيناً للتربة التي انبتتني وأنبتتك، والسماء التي ظللتني وظللتك والأنهار التي من عذوبتها أرتويت، وشربت . . كنت في غربتي دون حبك يغلف حياتي، ولا سنديانة قرب بيتنا تظللني . . ولا نهر من السلام أشربه من عيني أمي . . كالصحراء تحت شمس محرقة، تائهة أبحث عن هويتي . .

–         نجلاء كم تعذبت، لن أتركك تذهبين بعد اليوم . . فلنذهب الى حيث لا أهلك ولا أهلي لا أولادك ولا زوجتي وأولادي . . لنوحد طريق مصيرنا . . نعوض ما حرمتنا الأيام . . ونعيش سعادة كانت حلماً فقط . . .

–         تقول حلماً . . . وهل تتحقق الاحلام . .

–         بيدنا ان نحققها . . أريد يدك بيدي نبدأ من جديد . . فلقلبينا علينا حق . .  وسعادة أيام تساوي العمر كله . .

–         الأحلام في السماء تطير مع السحب، وفي الأرض ترتطم بالأرض الصلبة . . ومصير الطائر ان تنزل الى الأرض . . وترتطم أحلامنا بصخور الواقع . .

–         ولقاؤنا، وحب زاد لهيبه في قلبي . .

–         سيبقى كما كان دائماً، النور الهادىء الذي ينير لي الطريق . .

–         كيف أنسى سويعات من العمر عشتها . . أعادت لقلبي الحياة . . ولعين الأمل . .

–         لحظات مع الحب الصادق . . تغسل هموم . . تثمر أزهار ورياحين . .

–         حسام، لم تنضب انهار حبك يوماً. . . كنت أرتشف منها سبباً لوجودي . . .

–         لنرتوِ اذا من نهر الحب الذي جمعنا صدفة بعد غياب، كي نعوض عطش السنين . . .

–         لن يسعد حبنا ان يجني ثماراً على قبور الآخرين . .

–         بعد ان وجدتك . . وجدت نصفي الذي أضعته عشرين عاماً، تتركين وتذهبين.

–         قلبك ما زال بين أضلعي . . نقياً طاهراً . . يمنحني الحياة . .

–         دعي لي بعض الامل . . فهو النور الذي منه يزهر ربيعي. .

          وصارت الطائرة خاوية الا منهما . . . يود قلباهما ان لا تلامس الطائرة ارض الواقع ابداً، والمضيفة تنتظر على الباب خروج آخر الركاب . . . جمعت نجلاء أغراضها، وكتاباً لم تقرأ عنوانه . . ومسحت بأناملها دمعة اخفتها عنه، ثم احتوت يداه كفها لبرهة، وعيناه تشرب من ينابيع الحب في عينيها، وسارا في أرض المطار الى قسم الجوازات وهناك رآها تحتضن شاباً يافعاً يشبهها . . . وقف بعيدا يرنو اليها . . ينتظر منها لفتة أخيرة . . .  تحية وداع او نظرة أمل بلقاء . . . لكنها مضت وابنها يحتويها بذراعيه . . . وضاعا في خضم الأمواج البشرية. .