قصص من طفولتي في الناصرة

قصص من طفولتي في الناصرة

في ليلة ليلاء مطرها زاخر ورعدها وافر تملكني الخوف فهربت من فراشي الى حيث تنام عماتي واندسست في فراش عمتي أمينة لاجئا ومستنجدا فكان أن ضمتني ألى صدرها وقالت أن لا أخاف وأنها ستروي لي قصة عن الليالي الماطرة لأنام في حضنها مطمئنا الى ما قالته وروته عن هذه الليالي التي تبدو مرعبة.

كنت في الخامسة أو ربما السادسة من عمري وكنت ألوذ بعماتي كلما سنحت فرصة أو سمح ظرف أو تفتق دماغي عن عذرمقبول كي أتمتع بسماع قصة يتخللها أكل بعض المكسرات أو السكاكر أو ما صدف أو وجد من الطيبات وكان متيسرا لأسعادي وهكذا كانت العلاقة مع العمات ممتعة تسودها المحبة التي لم أفقه معناها الى أن مر زمن وصار لي أحفاد.

القصص التي أسعى لروايتها أتت من مصدرين أغرقاني بمحبتهما وأهتمامهما ؛ أحبتاني حبا جماّ وبأكثرمما كنت أعي، عمتي أمينة وجدتي لأمي لبيبة الأولى كانت تعيش معنا وجدتي كانت لها عائلة مستقلة وكان الوصول اليها يحتاج الى ترتيبات لم أفققها في حينه، ولأنها كانت تسكن مدينة أخرى كانت زياراتي لها طويلة تستغرق ما بين يومين وأسبوع أقضيها عندها حفيدا مكرما مجبور الخاطر.

أما جدتي لأبي فقد توفيت وأنا طفل وكان عمري لا يتعدى السنوات الأربع و قبل أن يتسنى لي التسلل الى قلبها أو هكذا يتراّى لي فلم يحالفني الحظ لأتعرف عليها وأستمع الى قصصها.

وأعود الى حيث أخذني الخيال أستذكر من الأيام أحلاها لأقص ما روته عمتي يوم أمطرت وأبرقت وأرعدت دنياي ولجأت ألى حضنها أتقي شر ما تخيلت وكانت القصة طويلة نمت أثناء سردها مرتاحا قرير العين في حضن دافئ ألى أن طلع الصبح وطالبت بأعادة سرد ما فاتني منها فلم تبخل ولم تتأفف بل قبلتني ثم روت ما سمعت وما لم أسمع من القصة.

أكتب القصص بلغة غير تلك التي رويت بها لي. اللهجة فلسطينية بسيطة بساطة الراوية والسامع والرواية، وربما كانت أجمل وأبلغ أنما القارئ الجديد قد يجد فيما أروي لهجة أنسب والله أعلم.

وأذكر فيما أذكر قصة ذلك البدوي الذي لم يكن يعرف من هو ولا الى من ينتمي ولا كيف أتى هذه الديار التي لا يأتيها أحد وربما لا يعرفها أحد فقد عاش حياته فيها وحيدا ، هو وناقته وكلب أتى من حيث لا يدري وراقت له على ما يظهر صحبة صعصعة فبقي معه راضيا بما قسم له ومرتاحا للعطف الذيّ يمنح له وعاش كصعصعة والناقة حياة تقشف قبل الجميع بها واعتادوا عليها وارتضوا بحلوها ومرّها.

 

تميم وابنها الضائع صعصعة