تميم وأبنها الضائع صعصعة

تميم وأبنها الضائع صعصعة

كان في قديم الزمان بدوي يعيش في صحراء، أرضها حفراء نفراء لا عشب فيها ولا ماء ترافقه ناقته أينما حل او ارتحل, تعطيه من لبنها ما يقيه الجوع والعطش ، يركبها في تجواله باحثا وأياها عن العشب لترعى والماء لتشرب وتختزن من الماء ما يحتاجان اليه عند ذهابهم من مكان الى اّخر طالبين الرزق الحلال.

‎كان هذا البدوي وحيدا لا امرأة له ولا ولد ولا يتذكر من عائلته إلا القليل، فقد ترك أهله وهو طفل وضل الطريق وقبيلة أهله ، وتاه في الصحراء وما يزال يكافح ليبقى على قيد الحياة .من أين جاءته هذه الناقة ؟ لم يكن يعلم إنما هي رافقته على ما يذكر منذ أن ضل الطريق، وربما ضلت هي أيضا الطريق معه أو استساغت صحبته فكان أن ترافقا وتصادقا وترعرعا معا وعاشا طوال رحلتهم الطويلة هذه لا يفرق بينهما أي شيء .

‎لم تكن لهذا البدوي أحلام تراوده ويسعى إلى تحقيقها بل كان جل ما يشغله أن يجد الماء والكلأ في الوقت المناسب فلا يجوع ولا يعطش لا هو ولا الناقة ولكن رضاه بما قسم الله له لم يمنع الأحوال من أن تتغير، ولم يكن يريدها أن تتغيروربما لم يعرف أنه من الممكن أن تتغير لأن في ذلك دخول في المجهول والناس، كما صاحبنا، تخاف المجهول وتفضل بقاء الحال على المنوال المعتاد نظراّ لأنها تعرف واقعها وقد أعتادت عليه والتغيير قد يأتي بما “لا تشتهي السفن”.

‎وفي صباح باكر من أحد الأيام قام ” صَعْصَعَة” ، وهو أسم أخترناه له لمعرفتنا بأن تلك الناحية من الصحراء، حيث هذا الأسم شائع، هي موئل في ديار”تميم” أحدى العشائر العدنانية الضاربة في التّاريخ والتي لها إمتدادات في بلاد الشّام والعراق وشبه الجزيرة العربية ومازالت.

‎ القبيلة برمتها، بأطفالها وشيوخها ونسائها وشبابها وخيلها وجمالها ومواشيها تجوب البلاد بدورة أعتادتها ولم تغيرها لأن الأسلاف وعلى مرّ العقود وجدوا أنها تلبي حاجاتهم وأن القبيلة في تجوالها هذا تترك ما قلت موارده الى حيث الماء والكلأ وافر فهي تعيش، حسب مقاييسها ربيعا دائما وفرته لهم ما اكتشفته طلائع عشيرتهم من مواقع رعي منذ الزمان الغابر.

‎وفي يوم كهذا اليوم جاءت تميم أو فخذ من أفخاذها الى حيث يقيم صاحبنا “صعصعة” فضربت خيامها وسرحت جمالها وخيلها ومواشيها لترعى أذ ان الأرض في ذلك الوقت من السنة أو من دورتها التي أعتادتها، لا ندري ولا نظن أن صعصعة يدري، لأنه لم يكن يحب التجوال فرابط في أرض لم يرى غيرها ولم يشعر بالتحول الذي جذب تميم أو تلك المجموعة البشرية الى دياره ، وعلى كل لم يكن يدري من تميم ومن أين أتت ولا ألأعاريب ومن هم.

‎ قام صاحبنا صباح ذات يوم ونظر واعتراه العجب وفرك عينيه مرة بعد مرة ونظر ولم يتغير ما شاهدت عيناه. رأى جموعا من الناس كبيرة وجمال وخيول ومواشي سرحت وخيام ضربت في كل مكان مد العين والنظر ونساء تطبخ وحركة وصخب وهي المرة الأولى التي رأى فيها مثل هذه الجموع وشاهد ما شاهد.

‎ أسقط في يده فهو لا يدري كيف يواجه هذا الجديد، أيتقدم فيتكلم أم يلف ذنبه ويذهب ويحلم أو حتى يرحل ، أذ أن ما رأى وسمع قد حرك فيه ما لم يعهد من خواطر وأحاسيس فأصبح قادرا أو شبه قادر على تحريك ما كان ساكنا، حرّكته هذه الأعجوبة، أعجوبة تواجد هذا الخليط العجيب من بشر وبيوت شّعر ومواشي، فأذا به يكتشف وبخوف مما أكتشف، بأن له أحاسيس وله ما يفرحه ويحزنه ويخيفه، أذا به يتعرف الى جديد ما يملك ولم يكن يدري أنه يملك من مشاعر وأحاسيس قبل هذا التطور العجيب المريب وظهور هذا الجار القريب.

‎ولم يكن على صعصعة أن يقرر أذ أن جاره الأقرب أعفاه من كل هذا وبادره بأن دعاه الى بيته ليتعرف عليه وأرسل أحد أولاده يدعوه فلبّى الدعوة شاكرا ولو بشيء من الوجل لكنه لاقى من الترحيب عند جاره ما جبر خاطره وأثلج قلبه وجعله يشعر وكأنه بين أهله وذويه فزال خوفه وحل محل ذلك شعور بالراحة والونسة مما لم يألف قبلاّ ولم يسأله جاره عن نسبه وحسبه ولا عن سبب وجوده في هذه الفلاة ولا عن أسمه بل أكرمه وقص عليه من قصص رحلة القبيلة والأماكن التي حلت بها وعن العشائر التي التقتها أثناء تجوالها وقدم له الجار المأكل والمشرب الذي هيأته زوجته وبناته فأكل وشرب كما أكل أهل البيت وشربوا وبقي معهم ضيفا مكرماّ حتى غابت الشمس وحان موعد رجوعه الى بيته فودع بما استقبل من حفاوة وعاد وهو في منتهى السعادة، شعور لم يألفه من قبل.

‎وتوالت الأيام وكذلك الدعوات من صديقه الجديد ومن غيره من أكارم القبيلة والتي لبّاها مستمتعا بما يرى ويسمع ، وكل ما سمعه ورآه جديد عليه ومثير لرغبة بدأت تنمو فيه ليتعلم ممن يلتقي عن الدنيا ، دنياهم التي يعرفون والتي كانت له بمثابة قصص غريبة لم يعرف شيئا عنها قبلا وحتى لم يسمع بها. وهي وأن بدت غريبة عليه فأنه بدأ يصدق ما يسمع ويسأل ويستزيد فيتعلم ويعود إلى خيمته ليشحذ عقله ويحاول أن يفهم بالأخص هذا الوضع الغريب الذي يعيشه والذي بدأ يستشعر غرابته . فهو وحيد لا يعرف إلا ناقته وكلبه والاّخرون الذين يلتقي بهم يعيشون جماعة ضمن عائلات بها رجال ونساء وأطفال وهو عن هذه الأجواء غريب ، وبين حياته وحياة الاّخرين العجب كل العجب. فمن أين أتى، أصبح السؤال طرحه واجب وإن كان لا يدري بماذا يجيب.